1096 يوماً مرّت منذ 7 أكتوبر 2023، كانت كافية لإعادة رسم ملامح اقتصاد الشرق الأوسط، فالحرب التي بدأت في غزة منذ 3 سنوات لم تبقَ تداعياتها محصورة في ساحات القتال، بل امتدت إلى السياحة والتجارة والاستثمار والطاقة والنقل، فيما دفعت اقتصادات المنطقة أثماناً متفاوتة للصراع الذي اتسعت رقعته تدريجياً إلى ساحات جديدة.
وتشير تقييمات حديثة لمؤسسات مالية ودولية إلى تفاوت واضح في تداعيات الحرب على اقتصادات المنطقة، إذ تعرضت بعض الدول لصدمة اقتصادية مباشرة، بينما تمكنت أخرى من الحفاظ على قدر من النمو رغم ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
غزة.. اقتصاد في انهيار
وتُظهر غزة الحجم الأكبر للصدمة الاقتصادية، إذ تشير أحدث تقييمات الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، إلى أن تكلفة التعافي وإعادة الإعمار تبلغ نحو 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، منها 26.3 مليار دولار مخصصة للمرحلة العاجلة أي خلال أول 18 شهراً. فيما بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 35.2 مليار دولار، توازيها خسائر اقتصادية واجتماعية بقيمة 22.7 مليار دولار، وسط تضرر أو دمار أكثر من 371 ألف منزل.
وفي السياق ذاته، تكشف أحدث بيانات منظمة "الأونكتاد" والتي تم نشرها في شهر سبتمبر 2026، انكماش الناتج الحقيقي لقطاع غزة بنسبة 83 بالمئة في عام 2024، قبل أن يسجل نمواً بنسبة 34.2 بالمئة في 2025. فيما بلغت نسبة البطالة في القطاع 78 بالمئة خلال 2025، في وقت تعرضت فيه نحو 92 بالمئة من المنشآت الاقتصادية في غزة للضرر أو التدمير منذ أكتوبر 2023.
الاقتصاد الإسرائيلي بعد 7 أكتوبر
أما في إسرائيل، فتشير أحدث تقييمات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد أظهر قدرة على التعافي رغم الصدمات المتتالية منذ 7 أكتوبر 2023، إلا أن آثار الحرب لا تزال واضحة في أدائه. ويتوقع الصندوق نمو الناتج المحلي الإسرائيلي بنسبة 3.5 بالمئة في 2026، إلا أنه يقدّر أن حجم الناتج يظل أدنى بنحو 9 بالمئة من مساره المتوقع قبل أكتوبر 2023، في ظل ارتفاع الإنفاق الدفاعي والدين وتراجع توافر العمالة بسبب التعبئة العسكرية. كما يتوقع الصندوق أن يبلغ الدين الحكومي نحو 69.8 بالمئة من الناتج والعجز المالي نحو 5.9 بالمئة في 2026، ما يعكس الكلفة الاقتصادية والمالية الممتدة للصراع.
لبنان.. فاتورة الحرب تتسع
أما في لبنان، فقد جاءت تداعيات الحرب أكثر حدة على اقتصاد كان يعاني أصلاً من أزمة مالية عميقة، إذ قدّر البنك الدولي كلفة الحرب التي امتدت من أكتوبر 2023 حتى ديسمبر 2024 بنحو 14 مليار دولار.
ومع تجدد القتال في مارس 2026، اتسعت الفاتورة مجدداً، إذ قال رئيس الحكومة نواف سلام أمام مجلس النواب في سبتمبر 2026 إن كلفة تجدد الحرب بلغت نحو 3 إلى 4 مليارات دولار من الأضرار المباشرة، إضافة إلى 4 إلى 5 مليارات دولار على الأقل من الخسائر الاقتصادية. وبذلك، تجاوزت الكلفة الإجمالية للحربين منذ أكتوبر 2023 وحتى 2026 حاجز الـ 20 مليار دولار، مع احتمال ارتفاعها إلى نحو 27 مليار دولار عند اكتمال احتساب التداعيات.
وفي انعكاس مباشر للضغوط الممتدة، يتوقع البنك الدولي انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4 بالمئة خلال عام 2026، متأثراً بتراجع السياحة والانفاق الاستثماري والاستهلاكي، ليقطع بذلك مسار النمو المسجل في 2025 عند 4.2 بالمئة. وتشير تقديرات البنك إلى أن تجدد المواجهات اقتطع نحو 10.4 نقطة مئوية من النمو المفترض مقارنة بمسار ما قبل الأزمة.
بدوره يؤكد صندوق النقد، في تقييمه الصادر في سبتمبر 2026، أن النشاط الاقتصادي في لبنان يتجه إلى انكماش كبير هذا العام، فيما لا يزال التضخم في معدلات من خانتين، مع اتسع عجز الحساب الجاري بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع أضرار واسعة في البنية التحتية والمساكن ونزوح داخلي واسع.
قناة السويس.. انتعاش بعد الصدمة
كانت مصر من أبرز المتضررين بصورة غير مباشرة من تداعيات حرب 7 أكتوبر 2023، بعدما دفعت هجمات البحر الأحمر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها بعيداً عن قناة السويس نحو رأس الرجاء الصالح، ما حرم الاقتصاد المصري مليارات الدولارات من إيرادات القناة. وبعد فترة من التراجع، بدأت حركة الملاحة عبر القناة تستعيد جزءاً من عافيتها، إذ بلغت إيرادات قناة السويس 4.67 مليار دولار خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة 23 بالمئة، مع ارتفاع عدد السفن العابرة 10 بالمئة والحمولات 22 بالمئة.
ومنذ بداية 2026 تسارع تعافي حركة الملاحة عبر القناة، إذ بلغت إيرادات القناة 567.1 مليون دولار في أغسطس 2026، بزيادة 56.7 بالمئة عن الشهر نفسه من العام 2025، فيما ارتفع عدد السفن العابرة 27 بالمئة والحمولات الصافية 51.1 بالمئة.
وبين يناير وأغسطس 2026، ارتفعت حمولات سفن الحاويات العابرة للقناة بنسبة 54.2 بالمئة إلى 72.1 مليون طن، في وقت بدأت فيه شركات شحن عالمية إعادة بعض خدماتها إلى قناة السويس، ما يعكس تعافياً تدريجياً في حركة الملاحة، وإن لم تعد بعد إلى مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر.
الأردن.. السياحة تتعافى بعد التراجع
وفي الأردن، انعكست تداعيات حرب 7 أكتوبر بوضوح على قطاع السياحة، الذي يعد أحد أبرز منافذ العملة الأجنبية للبلاد، إذ تراجع الدخل السياحي بنسبة 4.4 بالمئة خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2024، قبل أن يستعيد مساره الصاعد في 2025 محققاً نمواً بـ 6.5 بالمئة.
ومع تجدد التوترات الإقليمية، تراجع الدخل السياحي بنسبة 9.2 بالمئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، قبل أن يتقلص هذا التراجع تدريجياً، ليعود القطاع إلى النمو الإيجابي بنسبة 2.9 بالمئة تراكمياً خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام، مدعوماً بفقزة حادة في إيرادات شهر أغسطس وحدها بلغت 17.2 بالمئة.
وكان صندوق النقد قد توقع في يونيو 2026 أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الأردن إلى 2.7 بالمئة خلال 2026، مشيراً إلى أن الحرب تضغط خصوصاً على السياحة والتجارة والنقل والطاقة، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة.
تحول معادلة الاستثمار
ويقول الخبير السابق في صندوق النقد الدولي الدكتور منير راشد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن أهم أثر اقتصادي تركه 7 أكتوبر لا يتمثل فقط في الخسائر التي يمكن قياسها بنقص العملات الصعبة أو في تراجع معدلات النمو في بعض الدول، وإنما في أنه غيّر طريقة تسعير المخاطر الاقتصادية في الشرق الأوسط، فقبل الحرب كانت الكثير من اقتصادات المنطقة تنظر إلى المخاطر الجيوسياسية باعتبارها عاملاً يمكن احتواؤه، أما اليوم فأصبحت هذه المخاطر جزءاً أساسياً من أي قرار استثماري أو تجاري أو مالي، وهذا التحوّل يفرض كلفة إضافية على اقتصادات المنطقة، لأن المستثمر بات لا يسأل فقط عن حجم السوق أو معدلات النمو أو تكلفة الإنتاج، بل أيضاً عن مدى قدرة الدولة على حماية الاستثمارات في حال اتساع نطاق الصراع من جديد.
امتصاص الصدمات القادمة
يرى راشد أن انعكاسات هذا التحوّل قد تستمر حتى بعد انحسار التداعيات المباشرة للحرب، إذ أصبح "الخبر الجيوسياسي" قادراً على التأثير سريعاً في حركة رؤوس الأموال والأسواق في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه حكومات المنطقة لا يتمثل فقط بإنهاء آثار الحرب، بل في كيفية بناء اقتصادات أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل، وتنويع التجارة والأسواق، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقة، وتحسين بيئة الأعمال، وإعطاء القطاع الخاص مساحة أكبر للنمو، مشيراً إلى أن تنويع مصادر النمو لم يعد خياراً لتلك الدول، بل أصبح ضرورة تتعلق بالأمن الاقتصادي نفسه، حيث أن الاعتماد المفرط على السياحة أو التجارة كمصدر واحد للعملات الأجنبية قد يجعل الاقتصاد أكثر هشاشة أمام أي صدمة مفاجئة.
ويعتبر راشد أنه إذا استمرت المنطقة في إدارة اقتصادها بمنطق الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، فستبقى كل صدمة جديدة أكثر كلفة من سابقتها، أما إذا تحولت تجربة "7 أكتوبر" إلى حافز لإعادة بناء المؤسسات وتنويع الاقتصادات ورفع قدرتها على التكيف، فقد يكون هذا الأمر أحد الآثار الإيجابية النادرة لهذه المرحلة
فتبني مفهوم "المرونة الاقتصادية" باعتباره جزءاً أساسياً من النمو يُمثّل المسار الوحيد لضمان استدامة التنمية وحماية أسواق المنطقة من الصدمات المستقبلية المتكررة.
الكلفة الخفية
وبحسب راشد فإن التركيز على الأضرار الاقتصادية المباشرة الناتجة عن 7 أكتوبر يغفل حقيقة أن هناك كلفة أقل ظهوراً تتمثل في الاستثمارات التي لم تُنفذ والمشاريع التي تأجلت والوظائف التي لم تُخلق، ورؤوس الأموال التي فضّلت الانتظار، والشركات التي أعادت حساباتها قبل دخول أسواق المنطقة، لافتاً إلى أن هذا النوع من الخسائر قد يكون أخطر على المدى الطويل، لأنه لا يظهر فوراً في البيانات الاقتصادية، وإنما يستنزف المقومات الفرعية للاقتصاد ويعوق قدرته على التنافسية والتعافي المستدام.
خرائط الضرر في الشرق الأوسط
من جهته يقول الدكتور محمد توفيق رئيس التحالف الدولي لتعليم سلاسل الإمداد، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن تداعيات حرب 7 أكتوبر على اقتصادات الشرق الأوسط تفاوتت بشكل جذري بناءً على طبيعة التعرض للصدمة ودرجة متانة الهياكل الاقتصادية الأساسية وتنوع سلاسل الامداد والتوريد لكل دولة قبل اندلاع الأزمة، فقد تعرضت غزة لزلزال اقتصادي مدمر استهدف تدمير مقومات الحياة والنشاط التجاري والبنية التحتية بالكامل، بينما واجه الاقتصاد اللبناني ضربة قوية عمقت جراح أزمة مالية هيكلية ضخمة يعاني منها منذ سنوات طويلة، في حين تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لضغوط مالية ودفاعية طاحنة وممتدة اثرت على الإنتاج ومسارات النمو المستهدفة وارتفاع الدين و نقص العمالة، وفي المقابل، ظهرت تداعيات الأزمة على دول أخرى مثل مصر والأردن في صورة صدمات غير مباشرة لكنها مؤثرة بشدة، امتدت لتطال شرايين الاقتصاد الحساسة كحركة التجارة عبر الممرات البحرية مثل قناة السويس وسلاسل الإمداد الدولية وتدفقات القطاع السياحي، مما يبرز بوضوح كيف يتباين تأثير الصدمات الجيوسياسية على الدول بحسب طبيعة مصادر الدخل لديها ومدى تأثير الازمة على تلك المصادر والحالة الاقتصادية للدولة قبل وقوع الازمة.
أولويات عام 2027
ويعتبر توفيق أن المرحلة المقبلة لعام 2027 تستوجب تغييراً جذرياً في فلسفة إدارة الأزمات الإقليمية والانتقال العاجل نحو بناء مناعة اقتصادية حقيقية تتجاوز مرحلة رد الفعل التقليدي، ويبدأ ذلك بضرورة إرساء منظومات إمداد إقليمية أكثر مرونة وقدرة أكبر على التكيف مع تقلبات الممرات التجارية الدولية وصدمات سلاسل الامداد والتوريد، لافتاً إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب أيضاً تكاتفاً دولياً وإقليمياً لتمويل عمليات الإغاثة وإعادة الإعمار في مناطق الدمار الشامل، إلى جانب تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة تعزز استقرار قطاعات حيوية كالسياحة والطاقة والاستثمار، وتخفف من تبعات العجز المالي والضغوط التضخمية.
ويرى توفيق أنه على الصعيد الهيكلي والاستراتيجي، لا بد للدول المتأثرة بتداعيات هذه الأزمة أن تتجه نحو تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصادات مرنة قادرة على امتصاص الصدمات المستقبلية دون الاعتماد المفرط على قطاعات هشة نسبياً ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقرار الأمني والسياسي، مثل السياحة التقليدية أو ممرات التجارة المهددة بالاضطرابات، حيث يتطلب هذا التحول استثماراً حقيقياً في التكنولوجيا والابتكار الرقمي، وتعزيز الاعتماد على حلول الطاقة المستدامة لتقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف الضغوط المالية والنقدية المتراكمة.