في أول شهادة رسمية له أمام الكونغرس منذ توليه منصبه أواخر مايو الماضي، فجّر رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الجديد، كيفن وارش، مفاجأة بفتحه الباب أمام مراجعة شاملة للسياسة النقدية المتبعة منذ ما يقرب من عقدين من الزمان.
وأعلن وارش، أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب، أن إحدى فرق العمل التي شكلها حديثاً ستقوم بمراجعة الطريقة التي يدير بها البنك المركزي أسعار الفائدة الأميركية، بالإضافة إلى مراجعة السياسات الحاكمة للميزانية العمومية الهائلة للبنك البالغة 6.8 تريليون دولار. غير أنه استبعد في الوقت نفسه العودة الكاملة والآنيّة إلى نموذج ما قبل الأزمة المالية العالمية لعام 2008.
وقال وارش في كلمته الافتتاحية أمام اللجنة، في أول لقاء له مع المشرعين على مدى يومين متتاليين في مبنى الكابيتول: "ستطرح المراجعة سؤالاً: ما هي مزايا وعيوب هذا النظام، وما هي البدائل المتاحة؟". وسيلقي وارش كلمة أمام لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ الأربعاء.
لا عودة إلى نموذج 2006
ورغم فتح الباب أمام إصلاحات محتملة، شدد وارش على أن العودة الكاملة إلى آلية إدارة السياسة النقدية التي كانت قائمة عند انضمامه إلى الاحتياطي الفيدرالي عام 2006 ليست خياراً واقعياً.
وقال: "لا أعتقد أننا نستطيع العودة إلى الوضع الذي كان قائماً عندما انضممت إلى الفيدرالي في عام 2006، لكنني أرى أن هناك نماذج أخرى مستدامة يمكننا الوصول إليها."
وكان وارش قد استقال من عضوية مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي عام 2011، بسبب خلافات مع السياسات التي أدت إلى التوسع الكبير في الميزانية العمومية للبنك المركزي.
تغييرات تدريجية وليست مفاجئة
وأكد رئيس الفيدرالي أن أي تعديل في هيكل الميزانية العمومية أو طريقة إدارة السياسة النقدية سيتم بشكل تدريجي وبعد دراسة مستفيضة، مع منح الأسواق وقتاً كافياً للاستعداد.
وقال: "استغرق الأمر نحو 18 عاماً للوصول إلى هذا الحجم من الميزانية العمومية. نحن نحتفظ بكميات كبيرة من سندات الخزانة طويلة الأجل والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، وبالتالي لا يمكن إجراء تغييرات بين ليلة وضحاها."
وأضاف أن أي إصلاحات مستقبلية ستكون مدروسة، وشفافة، ومعلنة للرأي العام قبل تطبيقها بفترة كافية.
كيف تغيرت سياسة الفيدرالي بعد الأزمة المالية؟
قبل الأزمة المالية العالمية، كانت ميزانية الاحتياطي الفيدرالي تقل عن تريليون دولار، وكانت تتركز بالكامل تقريباً في سندات الخزانة الأميركية، وأكثر من نصفها أذون خزانة قصيرة الأجل، بينما كان يعمل وفق نظام يعرف بـ"الاحتياطيات الشحيحة" (Scarce Reserves Regime)، حيث كانت البنوك تتنافس فيما بينها للحصول على الاحتياطيات اللازمة لتلبية متطلبات السيولة اليومية. وفي هذا النظام، كان الفيدرالي يتعمد إبقاء المعروض من الأموال النقدية (السيولة) التي تحتفظ بها البنوك لديه عند أدنى حد ممكن (أي شحيحة بما يكفي لتلبية المتطلبات القانونية فقط).
لكن مع تفاقم الأزمة المالية في أواخر عام 2008، غيّر الاحتياطي الفيدرالي نهجه بشكل جذري، معتمداً نظام "الاحتياطيات الوفيرة"، الذي يتطلب الاحتفاظ بكميات ضخمة من الأصول لضمان توفر السيولة داخل النظام المصرفي.
وفي الوقت نفسه، أطلق البنك المركزي برامج التيسير الكمي، التي تضمنت شراء واسع النطاق لسندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بالتزامن مع خفض أسعار الفائدة إلى مستويات تقارب الصفر، بهدف دعم النمو الاقتصادي وخفض تكاليف الاقتراض، خاصة في سوق الرهن العقاري.
وخلال الفترة بين عامي 2008 و2014، نفذ الاحتياطي الفيدرالي ثلاث جولات من التيسير الكمي، كما أعاد هيكلة محفظته الاستثمارية لزيادة حيازته من السندات طويلة الأجل.
الجائحة ضاعفت الميزانية العمومية
كرر الاحتياطي الفيدرالي استخدام السياسة نفسها مع بداية جائحة كورونا، عندما هددت إجراءات الإغلاق الاقتصاد الأميركي بركود حاد، لترتفع ميزانيته العمومية خلال أقل من ثلاث سنوات من نحو 4.3 تريليون دولار إلى ما يقارب 9 تريليونات دولار.
ورغم تقليص هذه الميزانية لاحقاً بنحو 2.2 تريليون دولار عبر سياسة التشديد الكمي، فإن حجم الأصول عاد إلى الارتفاع بشكل طفيف مؤخراً لضمان استمرار توفير السيولة الكافية للنظام المصرفي.
وارش: أدوات الطوارئ للأزمات فقط
وأوضح وارش أنه لا يعارض استخدام الميزانية العمومية للفيدرالي بشكل مكثف خلال الأزمات المالية، لكنه يرفض أن يتحول ذلك إلى نهج دائم في إدارة السياسة النقدية.
وقال: "في أوقات الأزمات، عندما لا تعمل الأسواق بصورة طبيعية، فأنا مستعد لأن يكون تدخل الاحتياطي الفيدرالي عبر ميزانيته العمومية قوياً للغاية."
وأضاف: "لكن بعد انتهاء الأزمات، ينبغي أن تعتمد السياسة النقدية، من وجهة نظري، بشكل شبه كامل على أداة أسعار الفائدة."
واختتم بالإشارة إلى أنه ورث ميزانية عمومية ضخمة تضم أصولاً معقدة، مؤكداً انفتاحه على إجراء إصلاحات بالتعاون مع فرق العمل التي شكلها، للوصول إلى إطار أكثر استدامة لإدارة السياسة النقدية في الولايات المتحدة.
التشديد على استقلالية الفيدرالي
في سياق متصل، تعهد كيفن وارش رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) أمس الثلاثاء "بالقيام بواجبه" في حال تعرضه لضغوط من الرئيس دونالد ترامب، وذلك في تعليقه الأكثر صراحة على ما يبدو حتى الآن بشأن كيفية تعامله مع هذا النوع من الضغوط التي واجهها سلفه خلال معظم فترة ولايته.
وردا على سؤال عن تصرفه في حال واصل ترامب استهداف مجلس الاحتياطي بمساع شملت محاولة إقالة ليزا كوك، عضو المجلس، قال وارش أمام لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب إن المحكمة العليا الأميركية أعادت مؤخرا تأكيد استقلالية مجلس الاحتياطي في تحديد السياسة النقدية.
وقال وارش للمشرعين إنه في حال استُهدف شخصيا "سأواصل القيام بواجبي"، مرددا تعليقات أدلى بها رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق جيروم باول في مناسبات مختلفة عندما سُئل عما سيفعله إذا حاول ترامب إقالته.
وتولى وارش التعامل مع الاقتصاد ومع ترامب في مرحلة يصعب توقع مسارها. فالتضخم يتجاوز حاليا هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ اثنين بالمئة، فضلا عن وجود ضبابية بشأن الصراع في الشرق الأوسط.
وأظهرت بيانات في وقت سابق الثلاثاء أن معدل تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة تباطأ أكثر من المتوقع ليصل إلى 3.5 بالمئة على أساس سنوي في يونيو، وذلك بسبب انخفاض أسعار الطاقة.
ولا يرى المتعاملون سوى احتمال بنسبة 12 بالمئة تقريبا لرفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماع مجلس الاحتياطي المقرر في 28 و29 يوليو تموز، مقابل حوالي 42 بالمئة يوم الاثنين، وفقا لأداة "فيد ووتش" التابعة لمجموعة سي إم إي.
ويقدر المتعاملون احتمال رفع سعر الفائدة في اجتماع 15 و16 سبتمبر بنحو 53 بالمئة، بانخفاض عن حوالي 75 بالمئة في اليوم السابق.