تشهد خارطة الذكاء الاصطناعي العالمية تحولات مختلفة، إذ بدأت الشركات البرمجية والناشئة، من قلب وادي السيليكون وصولاً إلى العواصم الأوروبية، بالالتفات نحو نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مفتوحة المصدر مثل "DeepSeek".

بات هذا التوجه بمثابة مناورة استراتيجية فرضتها الضغوط المالية المتزايدة والبحث عن مرونة تشغيلية أكبر في قطاع الأعمال.

كانت الهيمنة الأميركية المطلقة عبر مختبرات رائدة مثل "OpenAI" و"Google" تفرض شروطها السعرية والتقنية على الجميع، إلا أن البدائل الصينية الصاعدة أثبتت جدارتها بمستويات أداء متقاربة للغاية وبجزء ضئيل جداً من التكلفة، مما فتح آفاقاً جديدة للشركات الساعية لتعظيم هوامش ربحها وتفادي الوقوع في فخ الاحتكار.

أخبار ذات صلة

صادرات الصين تقفز 27% وتتجاوز التوقعات في يونيو
الذكاء الاصطناعي الصيني يربك استراتيجية واشنطن.. ما القصة؟

ويمثل الدافع الاقتصادي المحرك الأساسي وراء هذا التحول؛ إذ تتيح النماذج الصينية المفتوحة خفضاً هائلاً في تكاليف الحوسبة ومعالجة البيانات.

تسارع هذا التحول بسبب قيام مجموعات الذكاء الاصطناعي التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، بما في ذلك Anthropic و OpenAI، بنقل بعض خدمات المؤسسات من الاشتراكات الثابتة إلى الفوترة القائمة على الاستخدام، مما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة استخدام نماذجها.

وفي هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن شركات DoorDash و Siemens و Airbnb تُعد من بين المجموعات التي اعتمدت أدوات الذكاء الاصطناعي التي تم تطويرها في الصين، وذلك بفضل النماذج الأرخص والأكثر قدرة، وفي بعض الحالات، الأسهل تشغيلها على بنيتها التحتية الخاصة.

وفقًا لـ OpenRouter، وهي منصة تتعقب وحدات النصوص أو التعليمات البرمجية أو البيانات التي تعالجها نماذج اللغة الكبيرة، فقد تفوقت نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية من مجموعات مثل DeepSeek و Z.ai بسرعة على منافسيها الأميركيين في استهلاك الرموز المميزة هذا العام.

  • كان الدافع الرئيسي لهذا التحول هو التكلفة، حيث تسعى الشركات إلى الحد من تكاليف الذكاء الاصطناعي المتزايدة.
  • لكن في أوروبا، اكتسب هذا التحول بُعدًا جيوسياسياً أكثر حدة بعد أن فرضت إدارة ترامب الشهر الماضي قيودًا على تصدير نماذج "ميثوس" و"فيبل" التابعة لشركة "أنثروبيك"، مما أجبر الشركات على مواجهة مخاطر الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية.

ومن عوامل الجذب الأخرى أن العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الصينية الرائدة هي ما يسمى بنماذج الوزن المفتوح التي يتم نشر معاييرها علناً، مما يعني أنه يمكن استضافتها على خوادم تديرها الشركة وضبطها بدقة لاستخدامات محددة.

في أوروبا، تشير الشركات إلى الحروب التجارية الأميركية التي اندلعت العام الماضي وضوابط التصدير المفروضة على نماذج شركة أنثروبيك كعوامل في الابتعاد عن أدوات الذكاء الاصطناعي الأميركية.

أخبار ذات صلة

عودة هواوي القوية تختبر حدود القيود الأميركية على الرقائق
الصين تسبق ماسك وتطلق أول شريحة دماغية تجارية في العالم

منافسة حامية

من جانبه، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة مع صعود النماذج الصينية منخفضة التكلفة، والتي بدأت تفرض نفسها بقوة منذ ظهور "ديب سيك".
  • تكلفة تشغيل وتطوير بعض النماذج الصينية تقل بنحو 16 إلى 20 مرة مقارنة بالنماذج الأميركية، وهو ما يشكل ضغطاً متزايداً على هوامش ربح شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ويدفعها إلى إعادة النظر في أسعار الاشتراكات والخدمات التي تقدمها.
  • هذه المنافسة تحمل جانباً إيجابياً يتمثل في تعزيز الابتكار وتوسيع الخيارات أمام الشركات، لكنها في الوقت نفسه تضغط على أرباح الشركات الأميركية التي استثمرت مئات المليارات في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
  • الشركات الأميركية لا تزال تمتلك أفضلية واضحة بفضل استثماراتها الضخمة في البنية التحتية والتقنيات المتقدمة، خاصة في قطاع أشباه الموصلات، وهو المجال الذي لا تزال الشركات الصينية متأخرة فيه، ما يخلق فجوة تقنية تصب في مصلحة الولايات المتحدة.

ويلفت إلى أن الشركات الأميركية لا تعتمد فقط على نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تقدم أيضاً منظومة متكاملة تشمل الأمن السيبراني، وأدوات الخصوصية، والحلول المؤسسية، وهي عوامل تمنحها ميزة تنافسية إضافية، خاصة في ظل مخاوف العديد من الشركات العالمية بشأن حماية البيانات عند استخدام المنصات الصينية.

ويؤكد أن الاستثمارات الضخمة التي تتجاوز قيمتها تريليون دولار في قطاع الذكاء الاصطناعي الأميركي ستدعم استمرار الابتكار، وستؤدي إلى تنوع أكبر في المنتجات والأسعار بما يناسب مختلف احتياجات الشركات وميزانياتها.

أخبار ذات صلة

هل تعيد سبيس إكس رسم خريطة السيولة العالمية؟
البنتاغون يتهم "علي بابا" و"بايدو" بمساعدة الجيش الصيني

ويختتم يرق حديثه بالقول:

  • المنافسة الحالية ستحدد ملامح قيادة سوق الذكاء الاصطناعي عالمياً خلال السنوات المقبلة.
  • الولايات المتحدة لا تزال تتصدر السباق، بينما تسعى الصين إلى تقليص الفجوة، وقد تظهر قوى آسيوية أخرى مثل اليابان كلاعب مؤثر.
  • "من سيفوز بسباق الذكاء الاصطناعي اليوم، سيكون هو من يقود اقتصاد المستقبل".

زخم متزايد

ويقر تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية بأن نماذج الذكاء الاصطناعي المطورة في الصين تكتسب زخماً متزايداً بين الشركات الأميركية، مع تضييقها فجوة الأداء مع أبرز منافسيها الأميركيين، في الوقت الذي تظل فيه أقل تكلفةً بكثير من حيث الاستخدام.

ويضيف التقرير: تُعد الإصدارات الأخيرة من النماذج التي طورتها شركات صينية، من بينها DeepSeek وZ.ai، شديدة التنافسية في نظر كثيرين مقارنةً بأحدث النماذج الرائدة التي تقدمها شركات مثل Anthropic وOpenAI.

يأتي هذا التقدم في القدرات في وقت ترتفع فيه أسعار الرموز (Tokens) الخاصة بأكثر النماذج تطوراً لدى العديد من مختبرات الذكاء الاصطناعي الأميركية، ما يضع الشركات أمام تكاليف أعلى من المتوقع لاستخدام هذه التقنيات.

وبحسب البيانات، تجاوزت حصة الرموز المستخدمة من قبل الشركات الأميركية عبر نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية على منصة OpenRouter - وهي منصة تتيح للمطورين الوصول إلى مجموعة متنوعة من نماذج الذكاء الاصطناعي - مستوى 30 بالمئة أسبوعياً منذ 8 فبراير، ووصلت في بعض الأسابيع إلى 46 بالمئة. ويُقارن ذلك بمتوسط بلغ 11 بالمئة فقط خلال الاثني عشر شهراً السابقة، قبل أن يتراجع إلى 4.5 بالمئة في النصف الأول من عام 2025.

أخبار ذات صلة

أوروبا بلا أوراق.. من قائد صناعي إلى ساحة غزو اقتصادي
النحاس في عصر الـ AI.. ما هي السيناريوهات المحتملة؟

إقبال يعكس تحولا في أولويات السوق

من جانبه، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي بجامعة سان هوزه الحكومية في كاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • إقبال العديد من الشركات على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية منخفضة التكلفة يعكس تحولًا في أولويات السوق، حيث أصبح تحقيق الكفاءة التشغيلية وخفض التكاليف عاملين أساسيين في قرارات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي.
  • هذه النماذج باتت قادرة على تنفيذ نسبة كبيرة من المهام اليومية، مثل خدمة العملاء، وتلخيص المستندات، وكتابة الأكواد البرمجية، بتكلفة أقل بكثير من النماذج الأميركية المتقدمة.
  • الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يمكنها، من خلال خفض تكلفة الاستدلال (Inference) بنسبة تصل إلى 50 بالمئة أو أكثر، توفير ملايين الدولارات سنوياً.
  • هذا الواقع يفرض ضغوطًا تنافسية متزايدة على الشركات الأميركية الرائدة، مثل OpenAI وAnthropic وGoogle، إذ لم تعد المنافسة تقتصر على جودة النموذج أو قدراته، وإنما امتدت لتشمل عامل السعر وكفاءة التشغيل، وهو ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة صياغة استراتيجياتها.

ويبيّن أن الشركات الأميركية بدأت بالفعل في الاستجابة لهذا التحدي عبر عدة مسارات، من بينها خفض أسعار خدماتها، وإطلاق فئات اشتراك وواجهات برمجة تطبيقات (APIs) أقل تكلفة، إلى جانب تطوير نماذج أصغر وأكثر كفاءة يمكن تشغيلها بتكاليف تشغيلية أقل، فضلًا عن التركيز على عناصر الموثوقية، والأمان، والامتثال التنظيمي، وهي عوامل تمنحها أفضلية واضحة لدى المؤسسات الكبرى. كما تعمل على تقديم حلول متكاملة تشمل الوكلاء الأذكياء (AI Agents)، وربط النماذج بالأدوات المؤسسية ومنصات الحوسبة السحابية، بحيث لا يكون التنافس قائمًا على النموذج وحده.

كما يؤكد بانافع أن التحدي الأكبر يتمثل في أنه إذا واصلت النماذج الصينية تحسين أدائها واقتربت من مستوى النماذج الأميركية مع الاحتفاظ بفارق سعري كبير، فقد يتحول سوق نماذج الذكاء الاصطناعي إلى سوق سلعية (Commodity Market)، على غرار ما حدث في الحوسبة السحابية أو الهواتف الذكية، حيث يصبح السعر أحد أهم محددات قرار الشراء.

ويختتم حديثه بالإشارة إلى أن:

  • السعر لن يكون العامل الوحيد في جميع القطاعات، إذ إن المؤسسات الحكومية والمالية والرعاية الصحية في الولايات المتحدة وأوروبا تضع أمن البيانات، وحماية الخصوصية، والامتثال للتشريعات المحلية في مقدمة أولوياتها.
  • لذلك، من المرجح أن تحتفظ النماذج الأميركية بميزة تنافسية قوية داخل هذه القطاعات الحساسة، حتى وإن ظلت تكلفتها أعلى مقارنة ببعض البدائل منخفضة السعر.
الحاسوب العملاق الصيني يتفوق على نظيره الأميركي ليصبح الأسرع