يشهد مضيق هرمز تداعيات غير مسبوقة مع استمرار إغلاقه، في تطور يضع أسواق الطاقة العالمية أمام أحد أشد اختبارات الاستقرار في تاريخها الحديث. وتشير التقديرات إلى تبخر نحو 1.2 مليار برميل من النفط خلال ثلاثة أشهر فقط، بينما تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة حاجز 100 مليار دولار حتى الآن.

ومع استمرار الإغلاق، يخسر السوق قرابة 100 مليون برميل إضافية أسبوعياً، في مؤشر يعكس حجم الضغط المتصاعد على الإمدادات العالمية.

النفط يستأنف صعوده .. والبنوك تحذر من أن القادم أسوأ

ولا يقتصر التأثير على أسعار الوقود، بل يمتد ليشمل ارتفاع كلفة المعيشة على الأسر والمزارع والمصانع، بما في ذلك السلع الأساسية وتذاكر السفر، وسط تقديرات أولية تشير إلى تهديد نحو 14 مليون وظيفة خلال العام الجاري.

ورغم تراجع أسعار النفط بنسبة 18 بالمئة هذا الشهر، وهو أكبر انخفاض شهري في ست سنوات مدفوع بتفاؤل حول اتفاق لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، فإن مؤسسات مالية كبرى مثل غولدمان ساكس وباركليز وجاي بي مورغان تتوقع بقاء الأسعار ضمن نطاق 90 إلى 100 دولار للبرميل، حتى في حال إعادة فتح المضيق، بفعل العجز الحاد في مستويات المخزون العالمية.

وفي هذا السياق، يقدم جوليان ماثونييه، محلل أسواق النفط في Energy Intelligence، قراءة تحليلية تتناول سلوك الأسواق وتداعيات الأزمة على الطلب والمعروض والاستثمار.

ماثونيير: 75 دولاراً سعراً متوقعاً لبرميل النفط بعد الحرب

الأسواق تراهن على حل سريع رغم استمرار الأزمة

بحسب ماثونييه، يتداول خام برنت عند مستويات تقارب 97 دولاراً للبرميل، مدعوماً بتوقعات الأسواق بإمكانية التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وإيران. ويرى أن اللافت في المشهد الحالي هو أن الأسواق، رغم مرور أكثر من 200 يوم على الصراع، لا تزال تسعّر احتمال التوصل إلى حل سريع.

ويشير إلى أن هذا التقييم يبدو متفائلاً مقارنة بإجماع العديد من المحللين الذين يتوقعون استمرار تأثيرات الحرب على الإمدادات لفترة أطول. ومع ذلك، فإن بقاء الأسعار دون مستوى 100 دولار للبرميل في ظل أزمة لم تُحسم بعد، لا يعني استقراراً حقيقياً، إذ يؤكد ماثونييه أن الأسعار الحالية تبقى "عُرضة لمزيد من الصدمات"، على حد تعبيره.

أخبار ذات صلة

الرهان على أصل واحد… مكاسب ضخمة أم مخاطرة جسيمة؟
الركود التضخمي يطرق الأبواب: كيف تستعدّ البنوك المركزية؟

التمييز بين أزمة المعروض وتراجع الطلب

يشدد ماثونييه  خلال حديثه على ضرورة التمييز بين العوامل المرتبطة بالمعروض وتلك المتعلقة بالطلب. فمن وجهة نظره، لا ترتبط التحركات الحالية في الأسعار بنقص الإمدادات فقط، بل أيضاً بتراجع الطلب والنشاط الاقتصادي. ويشير إلى أن الأسواق تشهد بالفعل بعض التعطلات والتغييرات في تدفقات الطاقة، إلا أن ضعف الطلب لا يزال عنصراً مؤثراً في المشهد الراهن.

وفي إجابته عن مدة التعافي، قال ماثونييه إن "الأمر سيستغرق من 12 إلى 18 شهراً، أي تقريباً عاماً، حتى نعود إلى الطبيعية". وأضاف أن الأمر يتحسن، لكنه سيستغرق بضعة أشهر بالتأكيد. 

"الطبيعي الجديد" في سوق النفط

يرى ماثونييه أن التذبذب والتوتر السياسي وعدم اليقين السياسي أصبحت جميعها جزءاً من "الطبيعي الجديد" في أسواق الطاقة العالمية. ويعتقد أن أسعار النفط في المستقبل ستتضمن علاوة سعرية إضافية تقدر بنحو 15 دولاراً للبرميل مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب.

وبحسب تقديره، فإن مستوى 75 دولاراً للبرميل سيشكل السعر المرجعي المعتدل عندما تهدأ الأوضاع، معتبراً أن "75 دولاراً هي 60 دولاراً الجديدة" بالنسبة للسنوات المقبلة.

ويعزو ذلك إلى تنويع المعروض وإيجاد الكثير من الخيارات الأخرى والحصول على مصادر جديدة للمعروض، مع حذر كبير فيما يتعلق بالعودة إلى الوضع السابق. ويؤكد أن "هذا له تكلفة"، أي أن الأسعار القديمة ستكون أعلى.

أخبار ذات صلة

النفط تحت تأثير ترامب: الأسواق لا تصدّق.. لكنها لا تتجاهل
غولدمان ساكس: ضعف الطلب تهديد كبير لتوقعات أسعار النفط

السوق تكافئ اللاعبين الذين يعملون خلال الضعف

فيما يتعلق بجانب المعروض، يرى ماثونييه أن "السوق ستكافئ اللاعبين الذين يعملون خلال الضعف"، مشيراً إلى السعودية التي تستطيع إعادة المعروض إلى الأسواق بفضل خطوطها الشرقية الغربية التي بُنيت منذ عدة سنوات، وإلى الإمارات التي تقوم بالأمر نفسه عبر خطط لمضاعفة قدرة خط الأنابيب بحلول عام 2027، وهو ما أُعلن عنه من قبل البلاد.

أما فيما يتعلق بجانب الطلب، فيتوقع ماثونييه من المستثمرين الذين عانوا من الوضع في الشرق الأوسط أن يقوموا بتنويع سلاسل التوريد، مع حذر إضافي بأن تكون هناك خطة بديلة إذا حدث شيء في المنطقة. ويستدرك قائلاً إن النفط في الشرق الأوسط سيظل، لأن الشرق الأوسط مهم بالنسبة للعالم والعالم لا يستطيع أن يتخلص منه، فالأسعار رخيصة والمنتجات أكثر نظافة من الأماكن الأخرى. لكن المستثمرين فيما يتعلق بالأسمدة والكيماويات والغاز سيسعون، وفقاً لرؤيته، إلى إيجاد خيارات أخرى علاوة على الشرق الأوسط.

أخبار ذات صلة

واردات اليابان من النفط تهوي 66% في أبريل
أميركا تفرض عقوبات إضافية على مبيعات النفط الإيرانية

طرق بديلة أقل فعالية وأكثر تكلفة لكنها تؤمّن جزءاً من المعروض

ويلفت ماثونييه إلى أن هناك خيارات يجري العمل عليها، من بينها توسيع مسارات خطوط الأنابيب عبر تركيا، والاستثمارات الإسرائيلية في اللوجستيات الخاصة بموانئها، إضافة إلى مساعي الإمارات للابتعاد عن مضيق هرمز.

ويؤكد أن خطوط الأنابيب نفسها ليست معقدة وليست طويلة بشكل كبير وليست باهظة الثمن، لكن لها تكلفة، فضلاً عن ضرورة التأكد من أن هذه الخطوط ستكون آمنة في الطرق التي ستمر منها. ويقر بأن هذه البدائل أقل فعالية وأكثر تكلفة، لكنها تضمن على الأقل أن هناك مكوناً من المعروض سيكون آمناً من التعطل وبعيداً عن مضيق هرمز والبحر الأحمر.