تترقب الأسواق العالمية قمة مرتقبة تجمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ، في وقت تتزايد فيه الرهانات على إمكانية فتح صفحة جديدة بين أكبر اقتصادين في العالم بعد سنوات من التوترات التجارية والتكنولوجية التي ألقت بظلالها على الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد والأسواق المالية.

تعيد القمة المرتقبة إلى الواجهة تساؤلات واسعة بشأن شكل النظام الاقتصادي العالمي في المرحلة المقبلة، وسط توقعات بأن أي تفاهمات محتملة بين واشنطن وبكين قد تعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين، سواء على مستوى الدول أو القطاعات، من التكنولوجيا والطاقة إلى التجارة والصناعة والاستثمار.

أخبار ذات صلة

الصين تدعو باكستان إلى تكثيف جهود الوساطة بين إيران وأميركا
قمة بكين المرتقبة: هل تخفف التوتر بين أكبر اقتصادين بالعالم؟

وتراقب عواصم العالم نتائج اللقاء بحذر، إذ لا تقتصر تداعياته على العلاقات الثنائية بين القوتين الاقتصاديتين، بل تمتد إلى أوروبا وآسيا وأسواق المال العالمية، في ظل مخاوف من تبدل موازين النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي إذا ما نجحت القمة في تخفيف حدة المواجهة بين العملاقين.

الاقتصاد العالمي.. الفائز الأكبر

يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • أي تقارب صيني أميركي في المرحلة الحالية سيحمل في طياته مكاسب وخسائر في آنٍ واحد لمختلف دول العالم.
  • لكن الاقتصاد العالمي سيكون المستفيد الأكبر من هذا التقارب، لما له من دور في تعزيز الاستقرار التجاري وتهدئة التوترات التي سببتها الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب عبر فرض الرسوم الجمركية.
  • تراجع حدة النزاع التجاري سينعكس إيجاباً على سلاسل التوريد العالمية، التي عانت خلال السنوات الماضية من اضطرابات كبيرة.

ويؤكد أن العالم بعد مرحلة الحرب التجارية دخل في عملية إعادة هيكلة للنظام الاقتصادي العالمي، وأن أي تفاهمات كبرى بين واشنطن وبكين قد تعيد قدراً من الاستقرار للأسواق، لكن مع استمرار وجود رابحين وخاسرين وفق طبيعة التحولات الاقتصادية والجيوسياسية المقبلة.

سباق الذكاء الاصطناعي يشتعل بين الصين وأميركا قبيل زيارة ترا

أوروبا فائز محتمل.. مع بعض المخاوف!

وبالعودة لحديث يرق، فإنه يشير إلى أن أوروبا  قد تكون من أبرز المستفيدين نتيجة عودة الاستقرار إلى حركة التجارة العالمية وتحسن انسيابية سلاسل الإمداد، ما يمنح الصناعات الأوروبية قدرة أكبر على التصدير واستعادة النشاط الاقتصادي.

ويضيف: أوروبا، رغم استفادتها التجارية، تواجه تحديات متزايدة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، خصوصاً الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، في ظل اتساع الفجوة التنافسية بينها وبين الولايات المتحدة والصين، لافتاً إلى أن الدول الأوروبية تحاول دعم صناعاتها المحلية لمواجهة التوسع الصيني القوي في هذه القطاعات.

وبحسب معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، فإنه:

  • بالنسبة لأوروبا، تكتسب القمة أهمية بالغة لأن فشل الحفاظ على هدنة بوسان سيُحدث مزيداً من الصدمات في الاقتصاد العالمي، وقد يُفاقم نقص المعادن الحيوية.
  • كما أن تقديم الصين مساعدة بشأن إيران - رغم استبعاده الشديد - من شأنه أن يُحسّن فرص إعادة فتح مضيق هرمز ويُخفف من المخاوف المتعلقة بأمن الطاقة.
  • تبقى روسيا عاملاً غير محسوم.. من المتوقع أن يزور بوتين بكين بعد ترامب بفترة وجيزة. وسيكون لتنسيق شي دورٌ هام. فاستقبالٌ فخم لبوتين قد يستغل حساسية ترامب تجاه أي تهميش، ويزعزع أي استقرار محدود قد تحققه القمة. وهذا من شأنه أن يؤكد هشاشة النتيجة المحتملة: انفراج مُدار بدلاً من ثقة حقيقية.

لكن  كبير محللي الأسواق المالية في شركة FXPro ميشال صليبي، فبينما يرى أن أوروبا "قد تستفيد من استقرار التجارة العالمية وتراجع تكاليف الاستيراد واضطرابات الطاقة والشحن"، إلا أنه يشير لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن القارة العجوز  "قد تواجه في المقابل منافسة أشد من المنتجات الصينية منخفضة التكلفة، لا سيما في قطاعات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا الخضراء والبطاريات والصناعات الثقيلة، وهو ما قد يزيد الضغوط على الصناعات الأوروبية التي تعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف الطاقة وضعف النمو".

تانغين: ترامب يواجه الكثير من الأزمات الاقتصادية الداخلية

وبشكل عام، يشدد على أن:

  • أي تقارب أو اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة والصين لن يقتصر تأثيره على البلدين فقط، بل سيعيد رسم موازين القوى التجارية والصناعية والمالية على مستوى العالم، خصوصًا بعد التوترات الحادة التي شهدتها العلاقات بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما مع تصاعد الحرب التجارية والرسوم الجمركية.
  • نتائج أي تقارب ستختلف بحسب طبيعة الاتفاق، سواء كان تجاريًا أو تكنولوجيًا أو جمركيًا أو متعلقًا بسلاسل الإمداد والطاقة.. "كل نوع من الاتفاقات يحمل تأثيرات مختلفة على الاقتصادات والأسواق العالمية".

ويتفق مع يرق في الإشارة إلى أن "الرابح الأكبر من أي تهدئة بين واشنطن وبكين سيكون الاقتصاد العالمي والأسواق المالية"، مشيرًا إلى أن تخفيف حدة التوترات التجارية من شأنه دعم التجارة العالمية ورفع شهية المخاطرة في الأسواق، إلى جانب تعزيز استقرار سلاسل التوريد وتقليص الضغوط التضخمية الناتجة عن اضطرابات التجارة.

قطاع التكنولوجيا.. على رأس القطاعات المستفيدة

وينبه إلى أن أسهم التكنولوجيا، خصوصًا الشركات الصينية والأميركية وقطاع الرقائق الإلكترونية، ستكون من أبرز المستفيدين، إلى جانب قطاعات الشحن والنقل العالمي والعملات المرتبطة بالنمو مثل الدولار الأسترالي واليوان الصيني.

وفيما يتصل بقطاع التكنولوجيا، يشار إلى أن الوفد التجاري الأميركي المرافق للرئيس ترامب خلال قمته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، يضم شركات كبرى من بينها ميتا وتسلا وبلاك روك، في خطوة تعكس سعي هذه الشركات لحل ملفات عالقة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

على خلاف زيارة ترامب إلى الصين عام 2017، التي طغت عليها المراسم الضخمة وصفقات التجارة، فإن الوفد الحالي يبدو أقل زخماً من الناحية الاحتفالية، ويضم في معظمه شركات تسعى إلى دفع أولويات تجارية طويلة الأمد داخل السوق الصينية، بحسب ما نقلته رويترز عن مصدرين مطلعين على التحضيرات.

  • "إلى جانب بوينغ وكارغيل المرتبطتين باتفاقيات شراء، فإن بقية الشركات موجودة بشكل أساسي لطرح مطالب تتعلق بإمدادات المدخلات الحيوية"، وفق الخبيرة الاستراتيجية الجيوسياسية في مجموعة "روديوم" ريفا غوجون.
  • "قد يساعد ذلك إدارة الولايات المتحدة في تعزيز رسالتها بأن الصين، لكي تكون مؤهلة حتى لمناقشة نطاق أوسع من الاستثمارات، يجب أن تكون شريكاً استثمارياً موثوقاً وألا تستخدم سلاسل الإمداد كسلاح ضغط".

خاسرون محتملون

وبينما حدد المحللون أبرز المستفيدين المحتملين -دولاً وقطاعات- جزئياً من أي تقارب بين الولايات المتحدة الأميركية، فإن ثمة خاسرين محتملين في الوقت نفسه.

تضم القائمة دول جنوب شرق آسيا على سبيل المثال، حيث "تراقب حكومات هذا الدول عن كثب أي تحول كبير في الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية مقارنة بتلك المفروضة على صادراتها"، بحسب شبكة "سي إن بي سي" الأميركية، التي نقلت عن  الباحث الزائر الأول في معهد ISEAS-Yusof Ishak ستيفن أولسون، قوله: "إذا انخفضت مستويات التعريفات الجمركية على الصادرات الصينية، فإن المبرر التجاري لنقل الإنتاج من الصين إلى دول مثل فيتنام سينخفض ​​أيضاً".

لكن صليبي يخالف هذا الرأي، ويرى أن دول شرق آسيا مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة وفيتنام وماليزيا وتايلاند ستكون من أبرز المستفيدين، لاعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد وقطاعات التكنولوجيا والرقائق والإلكترونيات.

ويتفق معه يرق جزئياً، والذي يرى أن دول المنطقة المذكورة ستكون أيضاً من الرابحين من أي انفراج في العلاقات الأميركية الصينية، نظراً لاعتمادها الاقتصادي والتجاري على الطرفين، مؤكداً أن استقرار سلاسل التوريد سيمنح هذه الاقتصادات دفعة إيجابية بعد الضغوط التي تعرضت لها خلال فترة التوترات التجارية. لكنه يلفت في المقابل إلى أن بعض الدول مثل فيتنام قد تتأثر نسبياً، بعدما استفادت سابقاً من انتقال عدد من المصانع الصينية إليها هرباً من الرسوم الأميركية.

ويضاف لقائمة "الخسائر المحتملة" أيضاً اليابان؛ فبحسب ما نقلته الشبكة الأميركية عن  كبير الاستراتيجيين في شركة بي سي إيه للأبحاث، مات جيرتكين، فإن:

  • صفقة محتملة في مجال الطاقة، توافق فيها بكين على شراء المزيد من النفط والغاز الطبيعي الأميركي، قد تدفع أسعار السلع العالمية إلى الارتفاع.
  • أي تقدم في مجال التجارة، بما في ذلك التزامات الصين بالاستثمار المباشر في الاقتصاد الأميركي، قد يؤدي إلى تراجع حصة السوق اليابانية والأوروبية.

روسيا تنتظر

وفي سياق آخر، ستحظى القمة بمتابعة دقيقة في موسكو، حيث بات الدعم الصيني يكتسب أهمية متزايدة. وقد دفع آخر لقاء مباشر بين ترامب وشي ، في أكتوبر الماضي، المسؤولين الروس إلى التحرك سريعاً لإعادة تأكيد تحالف موسكو مع بكين.

ومن المتوقع أن يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكين الأسبوع المقبل، بعد أيام قليلة من مغادرة ترامب.

ماذا عن الهند واليابان؟

وبالعودة لحديث يرق، فإنه يبين أن الهند واليابان قد تكونان من أكثر المتضررين من أي تقارب واسع بين واشنطن وبكين.. ويضيف:

  • الهند كانت تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز صناعي عالمي بديل للصين اعتماداً على العمالة منخفضة الكلفة والصناعات الإلكترونية، وهو ما قد يتراجع مع تحسن العلاقات بين القوتين الاقتصاديتين الأكبر في العالم.
  • اليابان تواجه تحديات اقتصادية متزايدة بسبب المنافسة الصينية في قطاعات الإلكترونيات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب مخاوفها الأمنية المرتبطة بأي تفاهمات أميركية صينية، خصوصاً فيما يتعلق بملف تايوان.

لكن صليبي يرى أن اليابان قد تستفيد اقتصاديًا من انتعاش التجارة العالمية وارتفاع الطلب الصناعي، خاصة مع ارتباط شركاتها بسلاسل التوريد الأميركية والصينية، لكنه يلفت في الوقت ذاته إلى أن أي تقارب قوي بين واشنطن وبكين قد يقلل من الأهمية الاستراتيجية لليابان كبديل صناعي وتكنولوجي للصين في المنطقة، ما قد ينعكس على موقعها التفاوضي والجيوسياسي.

ويشير إلى أن الهند حققت مكاسب استراتيجية خلال فترة التوتر الأميركي الصيني الماضية، مع انتقال استثمارات وشركات عالمية إليها بحثًا عن بدائل للصين، إلا أن أي تقارب واسع ومستدام بين واشنطن وبكين قد يؤدي إلى تباطؤ وتيرة انتقال الشركات إلى الهند، وبالتالي تراجع بعض المكاسب الجيوسياسية والاقتصادية التي حققتها خلال السنوات الأخيرة.

ما الذي يراقبه العالم؟

وإلى ذلك، تقول الكاتبة الصحافية والمحللة الصينية سعاد ياي شين هوا، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • أي تحسن في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة، حتى وإن جاء بشكل تدريجي أو ضمن اتفاقات محدودة، سيحمل انعكاسات إيجابية على الاقتصاد العالمي، لأن العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم تؤثر بشكل مباشر على التجارة الدولية وأسواق المال وسلاسل الإمداد.
  • السنوات الماضية شهدت تصاعداً في التوترات بين بكين وواشنطن، سواء عبر الحروب التجارية أو القيود التكنولوجية أو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، الأمر الذي تسبب في زيادة حالة عدم اليقين عالمياً. وتشير إلى أن أي عودة للحوار والتنسيق بين الطرفين ستسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي العالمي ورفع ثقة المستثمرين.

وتضيف أن الصين ستستفيد من توفير بيئة خارجية أكثر استقراراً تساعد على دعم النمو الاقتصادي ومنح الشركات قدرة أكبر على التخطيط طويل المدى، بينما قد تستفيد الولايات المتحدة من تخفيف الضغوط المرتبطة بالتضخم وسلاسل الإمداد، إضافة إلى تقليل أعباء المواجهة الاقتصادية والسياسية على أكثر من جبهة.

وتلفت إلى أن بعض الأطراف قد تواجه تحديات جديدة نتيجة هذا التقارب، وعلى رأسها أوروبا، التي عززت خلال السنوات الأخيرة شراكتها مع واشنطن في الملفات الأمنية والاستراتيجية، بالتوازي مع تقليل اعتمادها الاقتصادي على الصين. وترى أن أي تقارب صيني أميركي قد يقلل من بعض المكاسب الجيوسياسية التي حققتها أوروبا خلال مرحلة التوتر، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعات المتقدمة.

كما تشير إلى أن اليابان بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية على أساس التنافس الأميركي الصيني، سواء في مجالات الأمن أو التكنولوجيا أو سلاسل الإمداد، وبالتالي فإن تهدئة العلاقات قد تمنحها استقراراً أكبر في شرق آسيا، لكنها قد تقلل في الوقت نفسه من أهمية دورها ضمن الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة.

وتوضح أن الهند استفادت خلال السنوات الأخيرة من انتقال بعض الاستثمارات والصناعات بعيداً عن الصين نتيجة التوترات بين بكين وواشنطن، لكن أي استقرار جديد في العلاقات الاقتصادية بين الطرفين قد يدفع الشركات العالمية لإعادة النظر في السوق الصينية، وهو ما قد يزيد من مستوى المنافسة التي تواجهها الهند.

وفي المقابل، تؤكد أن دول شرق آسيا تبدو أكثر ارتياحاً تجاه أي تهدئة بين الصين والولايات المتحدة، لأن اقتصادات المنطقة تعتمد بشكل أساسي على استقرار التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، كما تخشى هذه الدول من انقسام العالم إلى معسكرات اقتصادية متنافسة.

وتختم سعاد ياي شين هوا تصريحها بالتأكيد على أن تحسن العلاقات الصينية الأميركية لا يمكن اختزاله في مفهوم الرابح والخاسر فقط، لأن أي تغير في طبيعة العلاقة بين بكين وواشنطن ستكون له انعكاسات واسعة على الاقتصاد والنظام الدولي بأكمله، مشددة على أن الدول التي استفادت خلال السنوات الماضية من أجواء التوتر والمواجهة ستجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها خلال المرحلة المقبلة.