تثير الرهانات المتزايدة على الأحداث السياسية تساؤلات عميقة حول طبيعة المعلومات التي تستند إليها هذه التوقعات، خاصة عندما تتسم بدقة لافتة في توقيتات حساسة.
تدفع هذه الظاهرة مراقبي الأسواق إلى التساؤل عمّا إذا كانت تعكس كفاءة عالية في تحليل المعطيات المتاحة، أم أنها تشير إلى تسرب معلومات غير معلنة تمنح بعض المتعاملين أفضلية غير عادلة.
تكشف منصات المراهنات على الأخبار عن تحول لافت في كيفية تفاعل الأفراد والمؤسسات مع التطورات الجيوسياسية، حيث امتد الأمر من مجرد متابعة الأحداث، إلى استثمارها والتكهن بنتائجها. فيما يطرح هذا التحول إشكاليات قانونية وتنظيمية جديدة، خصوصاً مع تزايد التشابه بين هذه الممارسات وما يُعرف في الأسواق المالية بالتداول بناءً على معلومات داخلية.
تضع هذه التطورات الجهات التنظيمية أمام تحدٍ متصاعد، يتمثل في كيفية التمييز بين "ذكاء السوق" القائم على تحليل المعلومات العامة، وبين استغلال معلومات غير متاحة للجميع. كما تفتح الباب أمام نقاش أوسع حول الحاجة إلى أطر تنظيمية حديثة قادرة على مواكبة هذا النوع من الأنشطة، الذي يقع في منطقة رمادية بين المراهنة والتداول المالي.
بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية، فإن:
- 16 رهاناً حققوا أرباحاً بلغت 100 ألف دولار لكل منهم، متوقعين بدقة توقيت الغارات الجوية الأميركية على إيران في 27 فبراير.
- وفي وقت لاحق، ربح مستخدم واحد أكثر من 550 ألف دولار بعد أن راهن على سقوط المرشد الإيراني علي خامنئي، قبل لحظات من اغتياله.
- وفي 7 أبريل، قبيل إعلان دونالد ترامب وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار مع إيران، راهن متداولون بمبلغ 950 مليون دولار على انخفاض أسعار النفط. وقد كان.
يضيف التقرير: "تنبأت هذه الرهانات وغيرها من الرهانات التي تمت في الوقت المناسب بدقة بالتوقيت الدقيق للتطورات الرئيسية في الحرب، مما أدى إلى مكاسب هائلة وإثارة مخاوف بين المشرعين والخبراء بشأن التداول الداخلي المحتمل".
- امتدت المراهنات - التي كانت في السابق مقتصرة إلى حد كبير على الأحداث الرياضية - لتشمل الآن عقودًا على أحداث إخبارية حيث يمكن أن تمنح المعلومات الداخلية بعض المتداولين ميزة.
- أتاح انتشار أسواق المراهنات الإلكترونية مثل بولي ماركت وكالشي إمكانية المراهنة على أي حدث إخباري تقريبًا.
- كما أصبح شراء مشتقات السلع الأساسية، مثل العقود الآجلة للنفط، أسهل من أي وقت مضى، حيث يراهن المتداولون على سعر النفط في المستقبل.
فيما يقول قادة بعض الوكالات الفيدرالية الأميركية وبعض أعضاء الكونغرس إنهم يريدون قمع التداول المشبوه الذي يجري عبر مختلف الأسواق، لكن من غير الواضح مدى التقدم الذي سيحرزه المنظمون، بحسب التقرير.
وينقل التقرير عن أستاذ القانون في جامعة كولومبيا، جوشوا ميتس، قوله: "هل تكمن المشكلة في عدم وجود تشريعات أم في عدم وجود آليات إنفاذ؟ إن وجود قانون لا يمكن إنفاذه بفعالية نظراً للقيود التكنولوجية، هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان".
توسع متسارع
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في Cedra Markets، جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- منصات المراهنات تشهد توسعاً متسارعاً في الوقت الحالي.
- إنها تختلف جذرياً عن أسواق الأسهم التي تخضع لأطر تنظيمية واضحة.
- هذا النشاط برز بشكل كبير مع التطورات الجيوسياسية الأخيرة، سواء فيما يتعلق بإعلان إيران حول مضيق هرمز أو التصريحات المرتبطة باتفاقات ووقف إطلاق النار التي أعلنها الرئيس دونالد ترامب، حيث تم تسجيل رهانات بملايين الدولارات على تحركات أسعار النفط.
- الشكوك تصاعدت أيضاً بعد تداول معلومات عن قيام بعض المقربين من دوائر صنع القرار بتنفيذ رهانات قبل صدور قرارات رسمية بوقت قصير، وهو ما يعكس تعقيدات تتجاوز مفهوم التداول بناءً على معلومات داخلية التقليدي.
ويضيف أن "هذه المراهنات المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية والعسكرية أكثر تشعباً وصعوبة من حيث التنظيم، مقارنةً بـالـ Insider Trading المرتبط عادةً بشركات محددة ويمكن تتبعه قبل إعلانات الأرباح أو صفقات الاستحواذ.
ويؤكد أن الحاجة إلى وضع أطر تنظيمية لهذا النوع من النشاط أصبحت ضرورية، إلا أن تطبيقها يظل تحدياً كبيراً في ظل غياب جهة رقابية واضحة، وصعوبة تتبع الأطراف المشاركة، خاصة مع استخدام أدوات مالية مشتقة وتنوع المصادر، إضافة إلى محدودية الشفافية في بعض الحالات.
ويختتم يرق حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" بالتأكيد على أن هذه السوق مرشحة لمزيد من التوسع خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار حالة عدم اليقين السياسي، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق العالمية يصعب تفسيرها وفق الأدوات التقليدية.
إجمالي الرهانات
وكشف تحليل أجرته صحيفة نيويورك تايمز عن أن إجمالي قيمة الرهانات بلغ 855 ألف دولار، حيث ربح 16 حساباً أكثر من 100 ألف دولار لكل منها.
في ليلة 27 فبراير، أي قبل يوم من شنّ الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، شهدت منصة "بولي ماركت" إقبالاً غير مسبوق من حوالي 150 حساباً على المراهنة على شنّ الولايات المتحدة ضربة على إيران في اليوم التالي.
بعد ذلك بوقت قصير، حقق مستخدم مجهول الهوية على منصة بولي ماركت، تحت حساب باسم "ماغاميمان"، أرباحاً تجاوزت 553 ألف دولار بعد أن راهن على "عزل" خامنئي من السلطة قبل لحظات من اغتياله، وذلك وفقًا لشكوى قدمتها منظمة "ببليك سيتيزن"، وهي منظمة معنية بحماية المستهلك، إلى لجنة تداول السلع الآجلة (CFTC)، وهي الهيئة الفيدرالية التي تنظم أسواق العقود الآجلة.
تشير الشكوى أيضاً إلى شركة لتحليل العملات الرقمية حددت ستة "مشتبه بهم من الداخل" حققوا أرباحًا إجمالية قدرها 1.2 مليون دولار على منصة بولي ماركت بعد اغتيال خامنئي.
شهدت الفترة نفسها ارتفاعًا ملحوظًا في المراهنات في 7 أبريل، حيث راهنت 50 حساباً على الأقل في منصة بولي ماركت على أن الولايات المتحدة وإيران ستتوصلان إلى وقف إطلاق النار قبل ساعات من إعلان ترامب ذلك في منشور على منصة تروث سوشيال. وكان الرئيس قد صرّح سابقًا بأن "حضارة بأكملها ستموت الليلة" إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز.
لكن لم يقتصر نشاط المتداولين على منصة Polymarket فقط: فقد شهدت أنشطة تداول العقود الآجلة للنفط ارتفاعات مماثلة قبل ساعات فقط من إعلان ترامب عن تحديثات بشأن الصراع من شأنها أن تخفض أسعار النفط.
في 23 مارس، راهن متداولون بمبلغ 580 مليون دولار في سوق العقود الآجلة للنفط، وذلك قبل 15 دقيقة فقط من تصريح ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي بأن الولايات المتحدة تجري محادثات "مثمرة" مع إيران، وفقًا لصحيفة فايننشال تايمز. وحقق المتداولون أرباحاً طائلة بعد أن أدت تصريحات ترامب إلى موجة بيع في أسواق النفط، ما تسبب في انهيار أسعار النفط.
وتكرر الأمر نفسه في 7 أبريل، وهذه المرة عندما أنفق التجار 950 مليون دولار على العقود الآجلة للنفط، راهنين على أن سعر النفط سينخفض قبل ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار مع إيران.
نموذج هجين
وإلى ذلك، يشير خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لدى حديثه مع موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" إلى أن:
- التوسع السريع في أسواق التنبؤ أو المراهنات على الأحداث الإخبارية يعكس بروز نموذج هجين يطمس الحدود بين المقامرة والأسواق المالية.
- هذا النموذج يعيد إنتاج ظاهرة التداول بناءً على معلومات داخلية بشكل أكثر غموضاً وأقل قابلية للضبط.
- حجم هذا القطاع قفز بشكل هائل خلال عام واحد فقط (..) بالتزامن مع دخول رؤوس أموال مؤسسية (..) ما يعني أن هذه الأسواق لم تعد هامشية أو تجريبية، بل أصبحت جزءاً من البنية المالية الأوسع.
ويشير إلى أن الوقائع الأخيرة تكشف بوضوح الإشكاليات المرتبطة بهذه الأسواق، حيث تحدثت تقارير عن باهظة على أحداث جيوسياسية، بعضها تم قبل ساعات فقط من وقوعها، مثل رهان ضخم على النفط قبيل إعلان وقف إطلاق النار، لافتاً إلى أن مثل هذه الحالات يصعب تفسيرها دون افتراض الوصول إلى معلومات غير علنية.
ويؤكد الخفاجي أن الإطار التنظيمي الحالي يعاني من فجوتين رئيسيتين:
- الأولى تعريفية تتعلق بطبيعة هذه المنصات، وما إذا كانت أدوات مالية تخضع للتشريعات أم مجرد مراهنات.
- أما الفجوة الثانية فهي رقابية، إذ لا يُطلب من السياسيين أو المسؤولين الإفصاح عن تداولاتهم في هذه الأسواق، خلافاً لما هو معمول به في أسواق الأسهم، ما يفتح الباب أمام استغلال المعلومات الحساسة.
ويضيف أن طبيعة هذه الأسواق تزيد من تعقيد الرقابة مقارنة بالأسواق التقليدية، حيث يتم التداول أحياناً عبر منصات لامركزية أو خارج الحدود، ويشارك فيها أطراف قد يكونوا صحافيين أو موظفين حكوميين أو حتى جهات تؤثر مباشرة في الحدث نفسه، بينما يتمثل "الأصل المتداول" في معلومة مستقبلية لا أصل مالي تقليدي.
ويلفت إلى أن الجهات التنظيمية نفسها تعترف بحجم التحدي، إذ تؤكد هيئة تداول السلع الآجلة الأميركية أن التداول بناءً على معلومات داخلية في هذه الأسواق غير قانوني وقابل للملاحقة، لكنها تواجه صعوبات تتعلق بنقص الموارد وتعقيد إثبات المخالفات.
ويختتم الخفاجي حديثه بالتأكيد على أن العالم بات أمام شكل جديد وأكثر خطورة من التداول القائم على المعلومات غير العلنية، نظراً لتقاطعه مع السياسة والإعلام والأمن القومي، ما يستدعي تطوير أطر تنظيمية مختلفة لا تكتفي بنقل قواعد أسواق المال التقليدية، بل تعالج خصوصية هذه المنصات من حيث تعريفها القانوني، وفرض الإفصاح، ومنع تضارب المصالح، وربما حظر مشاركة أصحاب النفوذ فيها بشكل كامل.