تتصاعد في الأوساط الاقتصادية الدولية نقاشات جادة ومتكررة حول مستقبل النظام النقدي العالمي، وسط مؤشرات متزايدة على تحولات محتملة في موازين القوى بين العملات الرئيسية.
وبينما تتسع الدعوات لتقليص الاعتماد على الدولار الأميركي، يبرز جدل واسع حول مدى واقعية الحديث عن تراجع هيمنته، في ظل استمرار حضوره القوي في الاحتياطيات والمدفوعات العالمية.
وبحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" إلى أن:
- هيكل العملات العالمية يُفترض أنه على وشك التغيير، حيث بات الدولار الأميركي على وشك فقدان مكانته كعملة مهيمنة في المدفوعات والاحتياطيات العالمية.
- يعكس هذا التصور رغبة الدول الأخرى الشديدة في التخلص من هيمنة الدولار و" تقليل المخاطر " المرتبطة بسياسات الولايات المتحدة.
- يجادل هؤلاء بالتأكيد على أن المنافسة الأكثر توازناً بدون عملة مهيمنة واحدة من شأنها أن تعزز الكفاءة والاستقرار، مع تحفيز كل دولة على تنفيذ سياسات محلية ودولية جيدة لدعم عملتها الخاصة.
- لكن التقرير يحذر من أن هذا الطرح قد يكون مثالياً أكثر من اللازم، إذ إن غياب عملة عالمية مهيمنة قد يؤدي إلى مزيد من الاضطراب وعدم الاستقرار في النظام المالي العالمي.
ويضيف التقرير: "ليس من المستغرب أن يشن قادة الدول الأخرى هجوماً مستمرا على الدولار، ويتحدثون باستمرار عن تنويع اقتصاداتهم بعيداً عنه.. فقد استغلت الولايات المتحدة هيمنتها على الدولار لمعاقبة خصومها وحلفائها على حد سواء، من خلال تقييد الوصول إلى المدفوعات العالمية".
لكن الدولار لا يزال يمثل نحو 57 بالمئة من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية والمدفوعات الدولية، ويهيمن على جوانب أخرى من التمويل الدولي. ولا تزال تدفقات رؤوس الأموال إلى الأصول الدولارية، بما في ذلك سندات الخزانة الأميركية، قوية.
- في غضون ذلك، لا تزال العملات المنافسة المحتملة للدولار تعاني.
- تفتقر منطقة اليورو إلى نظام مالي موحد وتماسك سياسي.
- ولا يزال اليوان الصيني مقيدًا بضوابط رأس المال، وسعر صرف مُدار بإحكام، وإطار مؤسسي ضعيف.
- كما تراجع الجنيه الإسترليني والين الياباني نتيجةً لركود اقتصاديهما.
- فيما أسفرت الجهود المبذولة للتنويع عن ارتفاع حصص الذهب ومجموعة من العملات الصغيرة في الاحتياطيات الدولية.
ويخلص التقرير إلى أن الدولار سيظل بالتالي العملة العالمية المهيمنة، على الأقل نسبياً، حتى وإن فقد بعضاً من بريقه.
قوة الدولار
من جانبه، يقول المدير التنفيذي لشركة VI Markets، الدكتور أحمد معطي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قوة الدولار في الأجل القصير تبدو منطقية في ظل حالة عدم اليقين التي تسيطر على الأسواق.
- المستثمرون والدول يلجأون إلى ما يُعرف باستراتيجية "تسييل الأصول"؛ إذ يتم التحول إلى السيولة والحفاظ على الدولار كملاذ آمن لحين اتضاح الرؤية، وهو ما يعزز الطلب عليه مؤقتاً.
- الولايات المتحدة لا تزال يُنظر إليها باعتبارها القوة المهيمنة على الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يدفع الأسواق إلى زيادة الاعتماد على الدولار خلال فترات التوتر، باعتباره الأكثر سيولة والأسرع في الاستجابة.
لكن على المدى الطويل، يرى معطي أن الصورة قد تختلف، مشيراً إلى أن الأزمات الأخيرة خلّفت “شرخاً نفسياً” لدى العديد من الدول والمستثمرين في علاقتهم مع الولايات المتحدة، خاصة في ظل السياسات التي اتبعتها الإدارة الأميركية خلال الفترة الماضية، وهو ما قد يدفع هذه الأطراف إلى إعادة تقييم استراتيجياتها.
ويوضح أن المرحلة المقبلة قد تشهد توجهاً متزايداً نحو تنويع الاحتياطيات والاعتماد على أصول بديلة، سواء عبر تعزيز حصة الذهب أو دعم عملات أخرى مثل اليوان الصيني، في ظل مساعٍ واضحة من بعض الاقتصادات الكبرى لتقليل الاعتماد على الدولار.
كما يشير إلى أن هذا التوجه بدأ ينعكس بالفعل في أسواق الدين، حيث ظهرت مؤشرات على تراجع الطلب على السندات الأميركية، وهو ما انعكس في ارتفاع عوائدها، خاصة على سندات العشر سنوات.
ويختتم معطي حديثه بالتأكيد على أن العالم قد يكون بصدد مرحلة إعادة تشكيل للنظام المالي، حيث تسعى الدول إلى تقليل انكشافها على الاقتصاد الأميركي، والاستعداد لمرحلة أكثر تنوعًا في مراكز القوة النقدية.
رؤية مستقبلية
وينقل معهد المشاريع الأميركية AEI، عن الزميل الأول في معهد أميركان إنتربرايز والمدير السابق لقسم التمويل الدولي في مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي،ستيف كامين، قوله:
- هيمنة الدولار ما تزال قائمة عالمياً، لكنها باتت أقل حصانة مما كانت عليه في السابق، مع تزايد المؤشرات التي تدفع نحو إعادة تقييم تدريجي لمكانته في النظام النقدي الدولي.
- السيناريو الأكثر ترجيحا لا يزال يتمثل في استمرار الدولار كعملة مهيمنة خلال السنوات المقبلة، غير أن درجة الثقة في هذا الامتداد تراجعت مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عامين، في ظل تصاعد مجموعة من الضغوط الداخلية داخل الاقتصاد الأميركي.
- الخطر الحقيقي على الدولار لا يأتي من منافسين خارجيين مثل الصين أو منطقة اليورو، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها. فبحسب رؤيته، فإن توسع السياسات الحمائية وارتفاع الرسوم الجمركية، إلى جانب تضخم الدين العام وتزايد القيود على الهجرة، كلها عوامل تُضعف الأسس الإنتاجية والمالية التي تدعم قوة الدولار عالميًا.
- إن أي تهديد لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي أو تآكل الثقة في المؤسسات وسيادة القانون من شأنه أن يسرّع هذا المسار.
وفي توصيف لافت، يستخدم كامين استعارة "النمل الأبيض" للدلالة على أن هذه العوامل لا تُسقط الهيمنة فجأة، بل تنخرها تدريجياً على مدى طويل، بما يؤدي إلى تآكل بطيء في مكانة الدولار بدل انهيار مفاجئ.
يضع كامين ملف الدين العام الأميركي في صدارة التحديات المستقبلية، محذراً من أن استمرار ارتفاعه قد يقوض ثقة المستثمرين على المدى البعيد. كما يقلل في الوقت نفسه من حجم المكاسب الاقتصادية المباشرة المرتبطة بهيمنة الدولار، معتبراً أن أبرز ما تمنحه هذه الهيمنة هو النفوذ الجيوسياسي وقدرة الولايات المتحدة على فرض العقوبات، أكثر من كونها مصدرًا لفوائد مالية كبيرة.
هشاشة الاقتصاد العالمي
من جانبها، ترى خبيرة أسواق المال، حنان رمسيس، أن:
- هشاشة الاقتصاد العالمي لا تعزز بالضرورة هيمنة الدولار كعملة دولية.
- قوة الدولار تظل مرتبطة بشكل أساسي بعوامل داخلية أميركية، في مقدمتها أسعار الفائدة وأداء الاقتصاد، إلى جانب ثقة العالم في المؤسسات والسياسات الأميركية.
- هذه العوامل نفسها تفتح الباب أمام تذبذبات حادة في قيمة الدولار ما بين الارتفاع والانخفاض.
وتشدد على أن رفع أسعار الفائدة يمثل المحرك الرئيسي لصعود الدولار، في حين أن توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التثبيت أو الخفض يعكس تحديات مرتبطة بالتضخم داخل الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم. وفي هذا السياق، يسعى الفيدرالي إلى تعزيز جاذبية أدوات الدين الأمريكية، خاصة سندات الخزانة، كوسيلة لحماية مكانة الدولار، إلا أن المنافسة تظل قائمة بقوة مع عملات رئيسية أخرى مثل اليورو والين.
وتوضح أن التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية تدفع بعض الدول إلى توسيع نطاق التعامل بالعملات المحلية في التبادل التجاري، كما هو الحال في بعض الشراكات بين روسيا ودول أخرى، وهو ما قد يقلل تدريجياً من الاعتماد على الدولار. كما تلفت إلى أن أي تقدم فعلي لتكتل بريكس وإطلاق عملة موحدة له قد يشكل تحدياً إضافياً لهيمنة الدولار مستقبلاً.
وفيما يتعلق بالسياسات الأميركية، تعتبر رمسيس أن حالة عدم الاستقرار، خاصة في ظل توجهات دونالد ترامب، تسهم في زيادة الضغوط على النظام الاقتصادي العالمي، مشيرة إلى أن تصاعد النزاعات الجيوسياسية يُستخدم أحياناً كأداة لدعم الاقتصاد الأميركي عبر تنشيط مبيعات السلاح وتعزيز التحالفات الدفاعية.