يعمق اضطراب أسواق الغاز منظومة الطاقة العالمية، متجاوزًا حدود التقلبات السعرية العابرة ليكشف عن تحولات هيكلية تعيد رسم خريطة الإمدادات ومراكز النفوذ، وذلك في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما ترتب عليها من اختناقات حادة في سلاسل التوريد.
دفع إغلاق مضيق هرمز بنحو خمس إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالمياً إلى دائرة التعطل، ما فجّر موجة صعود حادة في الأسعار، خاصة في أوروبا التي تواجه فاتورة اقتصادية باهظة.
يوسع هذا المشهد المضطرب فجوة الرابحين والخاسرين، حيث تتدفق المكاسب نحو منتجي النفط والغاز وشركات الشحن والدفاع، فيما تتكبد قطاعات حيوية مثل الطيران والصناعة خسائر قاسية، لتتعمق بذلك تداعيات الأزمة وتتحول إلى صدمة اقتصادية ممتدة تهدد بإشعال موجة تضخم جديدة وإعادة تشكيل سياسات النقد العالمية.
إعادة هيكلة
وإلى ذلك، يقول خبير أسواق المال،محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الأزمة الحالية في أسواق الغاز الطبيعي تتجاوز كونها تقلبات سعرية مؤقتة.
- تمثل الأزمة إعادة هيكلة شاملة لخريطة الطاقة العالمية في ظل تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.
- إغلاق مضيق هرمز أدى إلى تعطّل نحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميًا، لا سيما الإمدادات القطرية.
- هذه التطورات دفعت أسعار الغاز في أوروبا للارتفاع بشكل حاد، وهو ما يكبد اقتصادات القارة خسائر بمليارات الدولارات.
- الولايات المتحدة لم تشهد سوى ارتفاعات محدودة في السوق المحلية، إلا أن التحول الأهم تمثل في صعود سوق الغاز الطبيعي المسال الأميركي كمركز ثقل عالمي، حيث أصبح المصدر الرئيسي لتعويض نقص الإمدادات.
ويؤكد أن الرابح الأكبر من هذه الأزمة هم منتجو النفط والغاز خارج منطقة الصراع، وفي مقدمتهم الشركات الأميركية الكبرى، إلى جانب مصدري الغاز الطبيعي المسال، الذين يحققون مكاسب ضخمة نتيجة التنافس العالمي على الشحنات. كما يلفت في الوقت نفسه إلى أن شركات الشحن البحري تسجل قفزات غير مسبوقة في الإيرادات، مع ارتفاع تكاليف النقل والتأمين بشكل حاد.
ويضيف أن مكاسب الأزمة امتدت أيضاً إلى مصافي التكرير وشركات الدفاع، فضلًا عن بعض المنتجين في أوروبا، في حين برزت أسهم الطاقة في المنطقة كملاذ نسبي للمستثمرين في بداية الأزمة.
ويرجّح سعيد أن تسرّع هذه التطورات من وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة على المدى الطويل.
وفي المقابل، يشدد على أن عدداً من القطاعات يواجه خسائر كبيرة، خاصة الطيران والسياحة، نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وتغير مسارات الرحلات، إلى جانب الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والكيماويات والمعادن، التي تعاني من ضغوط حادة على هوامش الربحية.
كما يشير إلى أن الضغوط طالت قطاعات المرافق والتشييد والتجزئة، نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القدرة الشرائية، ما يعكس اتساع نطاق التأثير ليشمل معظم مفاصل الاقتصاد.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، يوضح أن الدول المستوردة للطاقة تتحمل العبء الأكبر، سواء في أوروبا أو الأسواق الناشئة، مع ارتفاع فواتير الاستيراد واضطرار الحكومات لاتخاذ إجراءات قد تؤثر سلبًا على النمو.
ويختتم سعيد حديثه بالتأكيد على أن العالم يواجه واحدة من أكبر صدمات الطاقة في السنوات الأخيرة، محذرًا من أن تداعياتها قد تقود إلى موجة تضخم عالمية جديدة، وتدفع البنوك المركزية إلى تأجيل خطط خفض أسعار الفائدة لفترة أطول.
كيف تتأثر الأسواق الأميركية؟
وفيما يتعلق بأبرز المستفيدين في الولايات المتحدة، ينقل تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية عن دويتشه بنك، تأكيده على أن الشركات التي تستهدف العملاء ذوي الدخل المرتفع قد تكون الأكثر قدرة على التكيف مع موجة ارتفاع أسعار الوقود، في ظل تداعيات الصراع المستمر في الشرق الأوسط.
وتشير المحللة كريستينا كاتاي إلى أن:
- الشركات التي تعتمد على قاعدة عملاء من ذوي الدخل المرتفع تحقق عادة علاقة إيجابية مع ارتفاع أسعار الوقود، حيث لا يتأثر إنفاق هذه الفئة بنفس القدر.. من بين هذه الشركات: Ulta Beauty وCostco وCasey’s General Stores.
- في المقابل، تعاني متاجر الخصومات مثل BJ’s Wholesale Club وBurlington Stores من علاقة سلبية مع أسعار الوقود، إذ يميل المستهلكون من ذوي الدخل المنخفض إلى تقليص إنفاقهم مع ارتفاع تكاليف الطاقة.
- شركة Sprouts Farmers Market تتأثر سلباً بارتفاع أسعار الوقود، نظراً لكونها وجهة تسوق ثانوية، حيث يفضل المستهلكون تقليل التنقل والتركيز على المتاجر القريبة في فترات ارتفاع الأسعار.
- من ناحية أخرى، تواجه بعض الشركات مخاطر إضافية بسبب انكشافها الجغرافي على أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. وتتصدر Birkenstock هذه القائمة بانكشاف يبلغ 37% من إيراداتها، تليها VF Corp وRalph Lauren وNike بنسب متفاوتة. كما حذرت كاتاي من تأثير قوة الدولار الأميركي على الشركات العالمية، إضافة إلى الضغوط المتزايدة على المستهلك الأوروبي.
ويضيف التقرير: يمتد تأثير الأزمة إلى سلع أخرى مثل المواد الخام النفطية والألياف الصناعية، إلا أن توفر مخزونات من السلع النهائية لدى معظم الشركات العالمية - تكفي لنحو فصلين- يخفف من الضغوط قصيرة الأجل على هوامش الأرباح.
الشركات الأميركية
في هذا السياق، يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets،جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- خريطة الرابحين والخاسرين في ظل أزمة الطاقة الحالية باتت أكثر وضوحاً.
- تتصدر الشركات المنتجة للغاز قائمة المستفيدين، مع استثناء نسبي لبعض شركات الغاز في الشرق الأوسط.
- الشركات الروسية والأميركية كانت من أبرز المستفيدين، خاصة الشركات التي تجمع بين إنتاج النفط والغاز مثل ExxonMobil، حيث عزز ارتفاع الأسعار من إيراداتها بشكل مباشر.
- شركات نقل الغاز استفادت أيضاً من زيادة الطلب على الشحن، في ظل اضطرابات الإمدادات العالمية، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وبالتالي تحقيق أرباح إضافية.
ويضيف يرق: "الشركات المنتجة للغاز حققت مكاسب مزدوجة، نتيجة ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب، ما انعكس إيجاباً على هوامش أرباحها".
في المقابل، تكبدت الشركات المرتبطة بالقطاع الصناعي خسائر ملحوظة، خاصة الصناعات الثقيلة التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة.
ويشير إلى أن شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية تأثرت بشكل واضح، لاعتمادها على غاز الهيليوم في عمليات الإنتاج، إلى جانب شركات الأسمدة التي تعتمد على مدخلات مرتبطة بالغاز مثل النيتروجين، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التشغيل. كما امتد التأثير إلى شركات النقل الصناعي وسلاسل الإمداد، التي واجهت ضغوطاً كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والتعبئة.
ويؤكد أن الفجوة السعرية بين أسواق الطاقة في أوروبا والولايات المتحدة خلقت فرصاً لتحقيق أرباح عبر عمليات المراجحة، حيث تمكن بعض المتعاملين من الاستفادة من فروقات الأسعار الكبيرة بين النفط والغاز في السوقين.
ويختتم يرق حديثه بالإشارة إلى أن الشركات الأميركية تظل من أكبر المستفيدين إجمالاً في هذه المرحلة، في ظل قدرتها على استغلال تحولات السوق ومرونتها في التعامل مع تقلبات الإمدادات العالمية.
الفائزون والخاسرون في أوروبا
وعلى صعيد أوروبا، كان المستفيدون الأوضح من الحرب هم منتجو النفط والغاز الأوروبيون، الذين تتحرك إيراداتهم بالتوازي مع سعر السلعة التي أعادت الحرب تسعيرها بشكل كبير، وفق euronews.
وتضم القائمة عديداً من الشركات من بينها شركة الطاقة النرويجية العملاقة "إكوينور"، حيث يتهافت المستثمرون على واحدة من أكبر شركات إنتاج النفط والغاز في القارة، والتي تمتلك أصولاً كبيرة خارج منطقة النزاع.
لكن المكاسب الأكثر إثارة للدهشة جاءت من زاوية غير متوقعة: الوقود الحيوي؛ ذلك أنه مع ازدياد تكلفة الوقود الأحفوري التقليدي وتزايد هشاشة سلاسل التوريد، أصبحت بدائل الطاقة أكثر جاذبية بشكل كبير لكل من المشترين والمستثمرين.