في قفزة رقمية هي الأكبر منذ سنوات، كشفت الحكومة السورية عن ملامح موازنة عام 2026، التي استقرت عند سقف 10.5 مليار دولار، مسجلةً زيادة تعادل خمسة أضعاف ما كانت عليه في عام 2024.

وتأتي هذه الموازنة في توقيت تحاول فيه البلاد الخروج من تركة حرب استمرت أربعة عشر عاماً، معولةً على تحقيق فائض مالي لأول مرة، وتوجيه نحو 40 بالمئة من الإنفاق نحو قطاعات الخدمات وإعادة إعمار البنى التحتية المدمّرة.

وبينما يتحدث المسؤولون عن "نقلة نوعية" في إدارة المال العام وتعزيز الشفافية عبر المنصات الرقمية، تبرز تحديات الواقع الميداني كاختبار حقيقي لهذه الأرقام الطموحة. فإلى أي مدى ستنجح موازنة سوريا 2026 في الانتقال فعلياً من مرحلة سد العجز إلى مسار التنمية المستدامة؟ وهل ستكون هذه الاعتمادات المالية كافية لإنهاء سنوات طويلة من العجز المالي والركود الاقتصادي الذي أثقل كاهل المواطن والدولة على حد سواء؟

أخبار ذات صلة

ليرة سوريا الجديدة.. هل تملك الضمانات الحقيقية لمنع التضخم؟
سوريا تبدأ استبدال عملتها الوطنية في الأول من يناير 2026

  لغة الأرقام: قفزة في الموازنة نحو مستويات 2010

وفقاً للبيانات الرسمية، تقدر الموازنة العامة المقرة لعام 2026 بنحو 10.5 مليار دولار، وهو ما يمثل زيادة تعادل ثلاثة أضعاف عن عام 2025، وخمسة أضعاف عن موازنة عام 2024. وتعكس هذه الأرقام نمواً ملحوظاً، حيث سجل الناتج المحلي زيادة بنسبة 30 إلى 35 بالمئة في العام الماضي ليصل إلى 32 مليار دولار، مع توقعات بوصول الناتج المحلي خلال العام الجاري إلى ما بين 50 و60 مليار دولار. حيث كان الناتج المحلي عام 2010، 60 مليار دولار تقريباً.

كما تشير الأرقام الرسمية إلى تحقيق فائض في الموازنة لأول مرة، مدعوماً باستعادة الدولة لموارد حيوية في قطاعات الطاقة والغذاء والمياه بعد بسط سيطرتها على نحو 25 بالمئة إضافية من مساحة البلاد.

أخبار ذات صلة

سوريا تستهدف مضاعفة إنتاج الغاز بحلول 2026
حصرية: المركزي السوري سينهي 7 عقود من تمويل العجز الحكومي

 الأولويات الميدانية: 40% من الإنفاق للخدمات الأساسية وإعادة الإعمار

وفي سياق التوجهات الحكومية، أكد الرئيس أحمد الشرع أن إنهاء مشكلة المخيمات وتأهيل البنى التحتية يتصدر الأولويات، مشيراً إلى رصد مبلغ 3 مليارات دولار كصندوق لدعم البنى التحتية في القرى والبلدات المتضررة بتمويل حكومي مباشر.

 وأوضح الرئيس أن 40 بالمئة من موازنة هذا العام مخصصة لقطاعات الصحة والتعليم والخدمات، مع توجيه مبالغ خاصة لتحسين المرافق في المناطق الشرقية (دير الزور، الحسكة، الرقة) بالتوازي مع باقي المدن السورية.

 الإصلاح الإداري والمالي: منصة إلكترونية لتعزيز الشفافية

من جانبه، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية أن موازنة 2026 تشكل "نقلة نوعية" في إدارة المال العام، مع تركيز حكومي شديد على مكافحة الفساد. وأطلقت الوزارة منصة إلكترونية خاصة بالموازنة خلال معرض دمشق الدولي لتعزيز الشفافية في رصد الاعتمادات والحد من الهدر. وبحسب مستشار الوزير شفيق الحسيني، فقد تم تصنيف الجهات العامة إلى طابع إداري واقتصادي لتطبيق الممارسات المثلى وتحديد سقوف إنفاق استرشادية تضمن كفاءة العمليات الحكومية.

أخبار ذات صلة

الشيباني يبحث في واشنطن ربط اقتصاد سوريا بـ"النظام العالمي"
ما المكاسب الأولية لسوريا بعد العودة إلى سويفت؟

وعلى صعيد الرواتب، أقر الرئيس الشرع زيادة الأجور العامة بنسبة 50 بالمئة، مع زيادات نوعية لقطاعات تخصصية كالأطباء والمهندسين، مؤكداً أن إجمالي الزيادة في الأجور مع تحسين سعر الصرف وصل إلى نحو 550 بالمئة. وفيما يخص النشاط الاقتصادي، شدد وزير المالية برنية على تشجيع الاستثمار وتأمين دور فاعل للقطاع الخاص في إعادة الإعمار، مؤكداً أن الدولة لا تسعى لمنافسة أو "مزاحمة" هذا القطاع في مشروعاته الاستثمارية.

بين طموح الأرقام وواقع الموارد

في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية" قال الأكاديمي والمستشار الاقتصادي الدكتور زياد أيوب عربش: "في السياق السوري الحالي لابد من  رؤية الأمور بديناميكيتها، فكما يمكن للناتج المحلي بيسر أن يتجاوز عتبة الـ40 مليار دولار خلال عامين، يمكن بالعكس أن ينهار. وبالتالي ممكن أن تتحقق الايرادات المنتظرة في الموازنة ويتم الإنفاق خاصة الاستشماري منه ويقلع الاقتصاد، أو بالعكس لا تستطيع الدولة إلا تأمين الحد من الانفاق الجاري والبقاء بالاعتماد على المساعدات خاصة إذا لم يتم تطوير حقول النفط المستعادة".

  وأوضح أن موازنة 2025 سجلت فائضاً للمرة الأولى في تاريخ سورية الحديث، فيما تتجه تقديرات الناتج المحلي الإجمالي لعام 2026 _وحسب تصريح الرئيس السوري- إلى ما بين  60 و65 مليار دولار ، وهو ما يعادل مستويات عام 2010 (ما قبل الأزمة).

وأضاف الدكتور عربش: "ولكن وراء هذه الأرقام، تطرح أسئلة جوهرية: هل هذا النمو محصلة إنتاج حقيقي، أم تضخم كالتمويل بالعجز أم دمج أنشطة كانت خارج المنظومة الرسمية كمناطق قسد وخاصة الحقول المستعادة واقتصاد ادلب (حيث يمثل دمجهما بالناتج أرقام جوهرية)".

فالناتج المحلي الإجمالي الذي  هو مجموعة القيم المضافة (أي ما أنتجه الاقتصاد فعلياً بعد خصم تكلفة المدخلات). الذي كان قد سجل زيادة جوهرية في ثلاث قطاعات وبالتالي متابعة تأثيرها على  الموازنة العامة وفقاً للدكتور عربش:

  • التجارة الخارجية: تجاوز الاستيراد فيها 4 مليارات دولار (سيارات وسلع استهلاكية) حيث استنفدت احتياطيات القطع أو على الأقل لم توجه نحو الإنتاج بل الاستهلاك.
  • قطاع الخدمات: كمكاتب الصرافة التي تعكس حراكاً مالياً غير مسبوق.
  • القطاع غير المنظم : نما من 35 إلى 70 بالمئة من الاقتصاد. اليوم، باتت حركة النقود أوسع، وتحفز الطلب الكلي، وإن كانت تطرح تساؤلات حول الانتظام والشفافية.

وذكر المستشار الاقتصادي الدكتور عربش أنه منذ خمسة أيام  تمت زيادة الرواتب بثلاثة مراسيم (زيادة بنسبة 50 بالمئة لموظفي القطاع العام ولاحقاً المتقاعدين،  مع زيادة نوعة لبعض المهن، و رفع الحد للأجور للجميع. هذه القرارات صدرت بتوقيت حرج، دون مساعدة هذه المرة. حيث تراهن الحكومة على بلوغ إنتاج النفط 200 إلى 250 ألف برميل يومياً بما يعني توفير مليار دولار كفاتورة مستوردات كانت تدفعها سورية والحصول على مليار دولار كعوائد تصدير . كما أن تصدير مزيد من الفوسفات يعني عودة الميزان التجاري لتسجيل فائض خاصة وأن الدولة قد حدت من استيراد السيارات ووضعت عدة رسوم جمركية على العديد من السلع.

ويرى أن زيادة الرواتب مهما بلغت قيمتها لن تكفي ما لم تُصَحَب بسياسات تحمي القدرة الشرائية من التآكل السريع. ومن هنا، فإن نجاح تنفيذ بنود الموازنة يفترض :

  • ضبط الأسعار عبر سياسات رقابية وتدخلية متوازنة.
  • دعم الشبكات الاجتماعية لتوجيه المؤشرات لمستحقيها.
  • تخفيض التكاليف على القطاعين الخاص والأهلي، لتحفيز أصحاب العمل على الاستثمار كون الموازنة لم تظهر بعد لنعرف حجم استثمارات هذا القطاع، لكن الموازنة تحت المجهر.. والإصلاحات المالية ضرورية لتتبع كل الإيرادات وأوجه الإنفاق الفعلي خاصة الاستثماري .

ولفت إلى أن هذا العام لا يمكن " التجريب بالموازنة". ليس فقط لأن خطاب وزير المالية مقنع ومتجانس، بل أيضاً لأن كل حسابات الوزارة تحت المجهر، كون الاتفاقية مع صندوق النقد الدولي واضحة، حيث زارت بعثة الصندوق دمشق في تشرين الثاني 2025، لمناقشة إعداد موازنة 2026 وأكدت على  التزام الصندوق ببرنامج مكثف للتعاون وتقديم مساعدات فنية في مجالات:

  • تحسين إدارة الإيرادات وإقرار تشريعات ضريبية جديدة.
  • وضع استراتيجية لمعالجة الديون.
  • تنظيم القطاع المالي وإعادة تأهيل أنظمة الدفع والمصارف.
  • إعادة بناء قدرات البنك المركزي لتنفيذ سياسة نقدية فعالة.

تحديات الموازنة

وأشار عربش إلى أن أهم تحديات الموازنة هي الشفافية وبنقاط عديدة:

  • مكافحة غسل الأموال والامتثال حيث أكد وزير المالية أن الوزارة عازمة على إصلاح التشريعات والأنظمة المالية لمكافحة غسل الأموال، وفقاً لمعايير مجموعة العمل المالي (FATF).
  • دمج القطاع غير المنظم.. كضرورة وعدالة حيث يوجد في سورية، ثلاثة عوالم اقتصادية متداخلة هي، القطاع المنظم (الشركات المسجلة التي تدفع ضرائب وهو قطاع ضعيف حالياً)، القطاع غير المنظم (الشرعي لكن غير المرخص) وينقسم إلى ما هو شرعي لكن غير مصرح به كلياً أو جزئياً، كالبائع على بسطة، أو المشغل الصغير. ويمثل شرياناً لحياة ملايين السوريين، و *اقتصاد المناطق (يضم اقتصاديّ منطقة "حكومة الإنقاذ" و"قسد" . ودمج كل ماذكر أعلاه في الاقتصاد الرسمي يعني جودوميزانية واضحة وتعكس فعلياً الواقع الكلي.

ومع ذلك يرى الدكتور عربش أن  الإمكانات الكامنة لسورية كبيرة وبالتالي تصبح الموزانة منطقية لابل يمكن مضاعفتها إذا استغلت الموارد وتمت محاربة الهدر، مشيراً إلى أن 70% من موارد سورية مهدورة أو غير مستغلة بينما الإمكانات هائلة:

  • النفط: استعادة 100 ألف برميل للسوق المحلي يوفر مليار دولار من فاتورة الاستيراد، وتصدير 100 ألف برميل إضافية يعود بإيرادات مماثلة.
  • الزراعة: العام الماضي، ونتيجة جفاف قاسي، كنا ندفع مليون دولار يومياً لاستيراد القمح. هذا العام، الموسم وفير.
  • الفوسفات : من المتوقع أن يصل التصدير إلى مليار دولار. العام الماضي: 265 ألف طن + 210 آلاف، والعام الحالي متوقع 3 ملايين، وبحلول 2027 يراهنون على تصدير 10 ملايين طن.

 ويتساءل عربش هل نكتفي بتصدير النفط والفوسفات لزيادة الإيرادات دون تنمية شاملة باتجاه التصنيع المحلي والتكامل الإقليمي؟ أم نستخدم هذه الإيرادات كقاعدة لانطلاق صناعي وزراعي وخدمي يعيد بناء الاقتصاد من الداخل؟ فالفعل المنتج هو ضمانة الاستدامة ولن يكون لأي موازنة  معنى دون زيادة الإنتاج ودون خلق بيئة حاضنة للقطاع الخاص والأهلي، فلم يعد هناك مبرر لعدم بلوغ التشغيل الكامل واستغلال الطاقات السورية التي ظلت مهدورة أو مستنزفة أو غير مستغلة، بحسب تعبيره.

السياسات المالية كبوابة للخروج من "القاع"

ويرى الباحث الاقتصادي المختص بالشأن السوري عصام تيزيني، في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، أن موازنة عام 2026 تمتلك مقومات النجاح في الانتقال نحو التنمية، نظراً لكون عمليات تمويل الرواتب والإنفاق باتت تعتمد على الإيرادات الحكومية المباشرة وليس عن طريق العجز أو الاستدانة كما كان متبعاً سابقاً.

وأوضح تيزيني أن توفر هذه السيولة جاء نتيجة سياسة مهمة شملت إيقاف الهدر، وضبط العطاءات الفاسدة، ووقف عملية طباعة الأموال لتمويل النفقات، معتبراً أن السياسة المالية تسير باتجاه إيجابي سيسهم في زيادة درجة تعافي الاقتصاد السوري، ومنحه القدرة على النهوض والخروج من "القاع" الذي كان متمركزاً فيه ما قبل عام 2025.

وحول قدرة الموازنة على إنهاء سنوات العجز المالي والركود الاقتصادي، أكد تيزيني أن المؤشرات العامة الملموسة، وخاصة ثبات سعر الصرف، تعزز هذا التوجه، مشيداً بالسياسة الضريبية المتطورة والعادلة التي طُبقت العام الماضي وأدت إلى تحصيل ضريبي ممتاز.

ورغم تفاؤله، دعا تيزيني إلى ضرورة الحذر خلال عام 2026 وعدم التسرع في إطلاق الأحكام القطعية، معتبراً أن ترسيخ النتائج قد يحتاج إلى عام إضافي.

كما أشار الباحث الاقتصادي تيزيني إلى أن قراءة الموازنة هي عملية استشراف للمستقبل لا يمكن التنبؤ بها بدقة ما لم تتوفر معطيات كاملة عن الميزانية السابقة وما تحقق من خلالها، لافتاً إلى أن الموازنة الحالية أُقرت وفق مؤشرات العمل المالي المتاحة، ومختتماً بالقول إن "السياسة المالية" الحالية تُعد من أنجح السياسات التي تمارسها الحكومة الاقتصادية في سوريا في الوقت الراهن.

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة: سوريا أمامها مستقبل جذاب