تعزز الصين تحركاتها لحماية أمنها الطاقوي في وقت تتصاعد فيه الاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتتعرض فيه أسواق الطاقة العالمية لاختبارات قاسية بفعل الحرب الدائرة في المنطقة، بما يهدد سلاسل الإمداد ويرفع منسوب القلق بشأن استقرار تدفقات النفط والغاز.

تكشف بيانات حديثة أن بكين كثّفت مشترياتها من النفط خلال مطلع العام الجاري، في خطوة تعكس استراتيجية استباقية لبناء مخزونات استراتيجية تحصّن الاقتصاد الصيني في مواجهة صدمات محتملة في الإمدادات، وتمنحه هامش مناورة أوسع في ظل بيئة دولية تتسم بالتقلب وعدم اليقين.

أخبار ذات صلة

هل يكفي ضخ 400 مليون برميل لترميم ثقة الأسواق المهزوزة؟
الصراع في الشرق الأوسط يهدد طعام العالم!

تسلّط هذه التحركات الضوء على نهج صيني طويل الأمد يقوم على تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، بالتوازي مع الاستفادة من التحولات الجيوسياسية والعقوبات الغربية على بعض المنتجين، بما يسمح لبكين بتأمين إمداداتها والحفاظ على استقرار اقتصادها رغم العواصف التي تضرب سوق الطاقة العالمية.

بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" فإنه:

  • في أول شهرين من العام، قبل اندلاع القتال في الشرق الأوسط الذي شلّ خطوط إمداد الطاقة، كثّفت الصين مشترياتها من النفط كجزء من استراتيجية مستمرة لحماية البلاد من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
  • استوردت الصين، أكبر مشترٍ للنفط في العالم، 15.8 بالمئة نفطاً أكثر في شهري يناير وفبراير مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفقاً لبيانات الجمارك التي نشرتها الصين يوم الثلاثاء.
  • دأبت بكين على تعزيز مخزونها الاستراتيجي من النفط خلال العام الماضي، رغم استمرار انخفاض استهلاكها المحلي من النفط. ومن المتوقع أن يكون لهذا المخزون النفطي أهمية بالغة الآن.

ونقل التقرير عن محلل الطاقة في شركة تريفيوم تشاينا الاستشارية، كوزيمو ريس، قوله: "إن تخزين النفط يجري منذ فترة، وكان المنظمون الصينيون يستعدون بالفعل لتصاعد التوترات الجيوسياسية من إدارة ترامب. لقد كانت خطوة استراتيجية، وبالنظر إلى الماضي، كانت حكيمة للغاية".

أخبار ذات صلة

الاقتصاد الصيني أمام "اختبار مرونة".. ما القصة؟
صادرات الصين تقفز 22% رغم تراجع الشحنات إلى أميركا

أمن الطاقة

تقول الكاتبة الصحافية والمحللة الصينية سعاد ياي شين هوا، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • ضمان أمن الطاقة الوطني يُعد أحد الركائز الأساسية لقدرة الصين على مواجهة المخاطر الجيوسياسية في ظل البيئة الدولية المعقدة والمتقلبة.
  • بكين تعمل بشكل متواصل على بناء منظومة طاقة أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام الأزمات.
  • الصين انتهجت خلال السنوات الماضية سياسة تقوم على تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على منطقة جغرافية أو مسار بحري واحد، من خلال توسيع شبكة إمداداتها وتعدد قنوات النقل.
  • خطوط أنابيب النفط والغاز العابرة للحدود مع روسيا وكازاخستان وغيرها من الدول تمثل ضمانة مهمة لاستقرار تدفقات الطاقة إلى الصين، إلى جانب جهود بكين لتعزيز الإنتاج المحلي من النفط والغاز والفحم بما يدعم أمن الإمدادات.

وتضيف: "الاحتياطيات الاستراتيجية للطاقة تلعب دوراً محورياً في حماية الاقتصاد الصيني من الصدمات المفاجئة، حيث تعمل الصين على تطوير نظام متكامل لاحتياطيات النفط والغاز والفحم بما يسمح بالتعامل مع حالات الطوارئ مثل انقطاع الإمدادات أو النزاعات الدولية، ويضمن استمرار عمل الاقتصاد والمجتمع بصورة طبيعية".

وتشير إلى أن بكين تركز أيضاً على المدى الطويل على تسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، من خلال التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، إضافة إلى تعزيز استخدام المركبات الكهربائية، وهو ما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري التقليدي وتعزيز مرونة منظومة الطاقة.

وتستطرد: "استراتيجية أمن الطاقة الصينية تقوم على تحقيق توازن بين متطلبات الاستقرار في الوقت الراهن وتعزيز الأمن الطاقوي على المدى الطويل، من خلال الجمع بين تنويع الإمدادات وبناء الاحتياطيات الاستراتيجية، وبين الاستثمار المكثف في مصادر الطاقة الجديدة، بما يمكن الصين من الحفاظ على استقرارها الاقتصادي والحد من تأثير التقلبات الدولية والصراعات الجيوسياسية على مسار تنميتها".

أخبار ذات صلة

كبار مستوردي الطاقة في آسيا يسابقون الزمن لتأمين الإمدادات
ترامب: الاستيلاء على نفط إيران "سابق لأوانه" لكنه غير مستبعد

بيانات جديدة

وبينما تشهد فيه تجارة النفط تقلبات حادة في ظل الحرب الراهنة، فإن الصين على ما يبدو تستطيع بشكل أو بآخر النجاة من تداعيات الأزمة، فوفق تقرير لـ "وول ستريت جورنال"، فإن:

إيران تصدر كميات من النفط عبر مضيق هرمز أكثر مما كانت عليه قبل الحرب، مما يدل على سيطرتها على ممر مائي استراتيجي أغلقته أمام بقية منتجي النفط في المنطقة.

بينما يقوم منتجو النفط في المنطقة بخفض الإنتاج والبحث عن طرق جديدة تتجاوز المضيق، فإن إيران تمارس أعمالها كالمعتاد، وفقًا لبيانات شركة تتبع ناقلات النفط "كيبلر"، حيث تقدم شريان حياة ماليًا لطهران في الوقت الذي تتعرض فيه لهجوم لاذع من الولايات المتحدة وإسرائيل.

منذ بدء الحرب في 28 فبراير، قامت سبع ناقلات بتحميل النفط قبالة السواحل الإيرانية، وفقًا لكبلر.. خلال الأيام الستة الماضية، بلغ متوسط ​​ما حملته الناقلات يوميًا من النفط الإيراني 2.1 مليون برميل، وهو أعلى من مليوني برميل يوميًا كانت إيران تصدرها في فبراير، بحسب كبلر.

والصين المستفيد الأكبر.. فحسب التقرير، فإن مستويات صادرات إيران يمكن أن تتفاوت من أسبوع لآخر، لكن الزيادة الأخيرة تُظهر أنه على عكس المنتجين الآخرين، فإن شحناتهم لا تعاني من أي عوائق وأن الصين لم تفقد شهيتها للنفط الخام الإيراني.

وتشير بيانات شركة كبلر إلى أن معظم النفط الإيراني الذي يعبر المضيق أو يتجه نحوه يتجه إلى الصين على متن ناقلات تابعة لما يُعرف بالأسطول الخفي. وهذه ناقلات قديمة تستخدمها إيران وروسيا، وغالباً ما تخضع لعقوبات أميركية، لنقل النفط الخام سراً.

إعادة التوازن

من جانبها، تقول خبيرة النفط والغاز لوري هايتايان، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • الصين تراقب عن كثب السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة، خصوصاً منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للبيت الأبيض.
  • واشنطن تنظر إلى بكين بوصفها الخصم الاستراتيجي الأبرز، وتسعى إلى إعادة التوازن في العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
  • ما يشبه "الحرب الباردة الاقتصادية" بين الولايات المتحدة والصين يظهر في عدة ملفات، من بينها المعادن الاستراتيجية التي تحتاجها واشنطن في صناعاتها العسكرية والتكنولوجية، إضافة إلى التقنيات المرتبطة بالطاقة المتجددة ومستقبل الطاقة.
  • الصين استوعبت مبكراً طبيعة هذا التنافس، ولذلك اتجهت إلى تعزيز أمنها الطاقوي عبر زيادة احتياطاتها ومخزوناتها من النفط والغاز، بما يمكّنها من مواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات نتيجة صراعات جيوسياسية أو حروب قد تؤثر في تدفقات الطاقة العالمية.

وتشير إلى أن بكين استفادت كذلك من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على دول مثل إيران وفنزويلا؛ إذ سارعت إلى توسيع علاقاتها مع هذه الدول ليس بدافع سياسي بحت، وإنما ضمن استراتيجية تهدف إلى تحقيق توازن مع واشنطن، وفي الوقت نفسه الحصول على النفط والموارد الطبيعية بأسعار أقل من السوق العالمية وتخزينها بكميات كبيرة.

وتضيف:

  • الأزمة الروسية بعد العقوبات الغربية أتاحت للصين فرصة إضافية لتعزيز إمداداتها من الطاقة، حيث وسعت تعاونها مع موسكو، مستفيدة من الموارد الطبيعية الروسية، وهو ما عزز قدرتها على تكوين مخزونات استراتيجية تدعم أمنها الطاقوي.
  • الصين أصبحت بمثابة منفذ اقتصادي للعديد من الدول التي تواجه عقوبات غربية، حيث توفر لها سوقاً لتصريف مواردها الطبيعية، وفي المقابل تحصل بكين على إمدادات الطاقة بأسعار تفضيلية.
  • الصين تبدو اليوم أكثر تحوطاً في مواجهة أي اضطرابات محتملة في سوق الطاقة، إذ تمتلك مخزوناً استراتيجياً كبيراً من النفط والغاز، إضافة إلى إمكانية الاعتماد جزئياً على الغاز والنفط الروسيين.

كما تشير إلى أن النفط الإيراني ما زال يجد طريقه إلى الأسواق، وخاصة إلى الصين، رغم العقوبات (..) في ظل امتناع الولايات المتحدة حتى الآن عن استهداف ناقلات النفط بشكل مباشر.

وترى هايتايان أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد يستخدم هذا الملف كورقة سياسية في تعامله مع الصين، خصوصاً خلال اللقاءات المرتقبة مع القيادة الصينية، سواء للضغط على بكين أو لدفعها إلى لعب دور في التأثير على سلوك إيران في المنطقة.

وتختتم بالقول: الصين صاغت استراتيجيتها الطاقوية والاقتصادية بحيث تقلل من تأثرها بالتوترات الجيوسياسية، مدركة أن المنافسة الكبرى مع الولايات المتحدة ما تزال في إطارها التجاري والاقتصادي، لكنها تسعى إلى تحصين نفسها مسبقاً ضد أي تداعيات قد تنشأ عن هذا الصراع.

هوان: بكين تركز على استقرار سلاسل الإمداد العالمية