تتجه الأنظار إلى الشرق الأوسط مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، في صراع يحمل في طياته أبعاداً تتجاوز حدود الضربة العسكرية المحدودة إلى اختبار أوسع لتوازنات القوة في المنطقة.

مع الضربات المفاجئة التي استهدفت مواقع القيادة والبنية العسكرية الإيرانية، والهجمات الإيرانية على عدد من دول المنطقة، عاد السؤال مجدداً حول ما إذا كانت المنطقة تقف أمام عملية خاطفة أم أمام حرب قد تمتد تداعياتها لأشهر وربما لسنوات.

أخبار ذات صلة

التصعيد في المنطقة.. آخر الأخبار
11 مليار دولار في 4 أيام.. كلفة الحرب على إيران تتصاعد

ورغم تأكيدات واشنطن بأن العملية العسكرية لن تتحول إلى "حرب أبدية"، يرى خبراء أن تعقيدات المشهد الإيراني وطبيعة الأهداف العسكرية والسياسية المطروحة تجعل من الصعب حسم الصراع في إطار زمني قصير.

فالحرب الحالية لا تتعلق فقط بتدمير القدرات النووية والعسكرية لطهران، بل ترتبط أيضاً بمحاولات إعادة صياغة سلوك النظام الإيراني وتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط.

وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، تتزايد المخاوف من تداعيات أوسع تتجاوز الميدان العسكري لتطال الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، خاصة مع مرور جزء كبير من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يجعل مسار الحرب ومدة استمرارها عاملاً حاسماً في تحديد حجم الارتدادات الجيوسياسية والاقتصادية على العالم.

أخبار ذات صلة

من أجل إيران..واشنطن تبحث نقل منطومات دفاع من كوريا الجنوبية
ترامب يتعهد اتخاذ إجراءات إضافية للحد من ارتفاع أسعار النفط

أمد الحرب

بحسب تقرير لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، فإنه منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات مفاجئة على إيران في نهاية الأسبوع الماضي، حرصت واشنطن على التأكيد على أن العمل العسكري سينتهي في غضون أسابيع ولن يتحول إلى ما يسمى حرباً أبدية.

لكن الخبراء يقولون إن الولايات المتحدة قد تتورط بسهولة في "عملية الغضب الملحمي" إذا أثبت النظام الإيراني أنه أكثر مرونة مما كان متوقعاً.

ونقلت الشبكة عن نائبة رئيس معهد بروكينغز ومديرة السياسة الخارجية، سوزان مالوني، قولها:

  • "ما نشهده سيكون أكثر تعقيداً مما كان يأمله البيت الأبيض".
  • "من الواضح أن بداية الصراع بدت ناجحة للغاية مع الإعلان السريع عن مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، وكان ذلك بمثابة اختراق هائل من نواحٍ عديدة، وتمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من إلحاق ضرر كبير بالقدرات العسكرية الإيرانية".
  • "لكن اليوم التالي سيكون معقداً للغاية أيضاً، ولست متفائلة بأننا سنشهد نهاية سريعة لهذا الصراع، لأن الإيرانيين يصعّدون الوضع في جميع أنحاء المنطقة وهذه هي خطتهم طويلة الأمد".

عندما بدأت الغارات الجوية تستهدف مواقع القيادة الإيرانية والمواقع العسكرية يوم السبت الماضي، مما أسفر عن مقتل خامنئي في مجمعه في غضون ساعات ، سرعان ما أصبح من الواضح أن الهجمات لن تكون حالة "مرة واحدة وانتهى الأمر". لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال في الأسبوع الماضي إن العملية العسكرية في إيران ستنتهي في غضون "أربعة إلى خمسة أسابيع" قبل أن يرجح إمكانية استمرارها لأكثر من ذلك. وقد أكد كبار المسؤولين، من نائب الرئيس جيه دي فانس إلى وزير الدفاع بيتر هيجسيث، أن هذا لن يكون صراعًا مطولًا ومنخفض الحرارة من النوع الذي شوهد في أفغانستان أو العراق.

أخبار ذات صلة

تكاليف تأمين السفن عبر مضيق هرمز تقفز 12 ضعفًا
حرب إيران تربك حسابات الصين الطاقوية.. ما القصة؟

مدة الحرب

يقول خبير العلاقات الدولية والشؤون الأميركية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الدكتور أحمد سيد أحمد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • المدة الزمنية للحرب على إيران لا يمكن الجزم بها بشكل قاطع، نظراً لارتباطها بعدة عوامل معقدة ومتداخلة.
  • رغم تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى أن العمليات قد تستغرق ما بين أربعة وخمسة أسابيع، ثم عاد لاحقاً ليؤكد أنها قد تمتد لفترة أطول وربما حتى شهر سبتمبر وفق بعض التقديرات الأميركية، فإن تحديد زمن الحرب يظل مرهوناً بمدى تحقيق الأهداف التي أعلنتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
  • طبيعة هذه الحرب تختلف عن المواجهة التي وقعت في يونيو 2025، حيث كانت الأهداف حينها محددة، وتم خلالها توجيه ضربات سريعة للمنشآت النووية الإيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان خلال يوم واحد، قبل أن تتوقف العمليات بعد نحو 12 يوماً. أما في الحرب الحالية، فالأهداف أوسع وأكثر تعقيداً، كما أن الولايات المتحدة منخرطة فيها بثقلها العسكري الكامل، وليس فقط في إطار دعم إسرائيل كما حدث سابقاً.

ويشير إلى أن واشنطن وتل أبيب حدّدتا عدة أهداف رئيسية للحرب؛ يتمثل الهدف الأول في تدمير ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، الذي تعرض بالفعل لأضرار كبيرة في الضربات السابقة، إضافة إلى السيطرة على مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 بالمئة. أما الهدف الثاني فيتعلق بتدمير أو تحييد البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني (..).

ويضيف أن الهدف الثالث يتمثل في إضعاف أو تدمير القدرات البحرية الإيرانية، خصوصاً الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري، والتي تشكل تهديداً للسفن الحربية الأميركية والتجارة الدولية. في حين يتركز الهدف الرابع على إنهاك البنية التحتية العسكرية الإيرانية، وخاصة الحرس الثوري ومراكزه المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد.

ويبيّن أن هذه الأهداف العسكرية قد تتطلب أسابيع أو حتى أشهر لتحقيقها، خصوصاً في ظل وجود منصات صاروخية متحركة يصعب استهدافها، فضلاً عن الطبيعة الجغرافية المعقدة لإيران التي تضم مناطق جبلية ومخابئ تحت الأرض.

ويشير الدكتور أحمد سيد أحمد إلى أن الهدف الخامس والأكثر تعقيداً هو الهدف السياسي، والمتمثل في تغيير سلوك النظام الإيراني أو إحداث تغيير في بنية النظام نفسه. ويوضح أن هذا الهدف يطرح عدة سيناريوهات؛ منها إسقاط النظام بالكامل، وهو خيار قد يؤدي إلى انهيار الدولة وتحول إيران إلى دولة فاشلة، وهو ما لا تفضله واشنطن. بينما تميل إسرائيل إلى سيناريو تفكيك النظام عبر دعم بعض قوى المعارضة المسلحة والأقليات داخل إيران.

أما السيناريو الثالث، الذي يبدو أكثر براغماتية بالنسبة للإدارة الأميركية، فيقوم على محاولة فتح قنوات مع أجزاء من النظام الإيراني بعد إضعاف قياداته المتشددة، بهدف التوصل إلى ترتيبات سياسية تضمن تغيير سلوك طهران دون انهيار الدولة.

ويضيف أن مدة الحرب ستتأثر أيضاً بالاستراتيجية الإيرانية القائمة على الاستنزاف، حيث تسعى طهران إلى رفع تكلفة العمليات العسكرية على الولايات المتحدة وإسرائيل عبر استمرار إطلاق الصواريخ، ومحاولة تهديد الملاحة البحرية والتجارة الدولية.

ويردف قائلاً: رغم التفوق العسكري الكبير للولايات المتحدة، التي دفعت بقوات ضخمة تشمل حاملات طائرات ومدمرات ومئات الطائرات، فإن إيران تحاول استخدام أدوات غير تقليدية لإطالة أمد الصراع.

ويختتم الدكتور أحمد سيد أحمد تحليله للمشهد الراهن بالتأكيد على أن الحرب الحالية ليست حرباً خاطفة، نظراً لتعدد أهدافها وتعقيدها. فبينما قد يتم تحقيق بعض الأهداف العسكرية في فترة زمنية أقصر نسبياً، فإن الأهداف السياسية ستظل العامل الرئيسي الذي قد يطيل أمد الحرب ويجعل مسارها مفتوحاً على عدة احتمالات.

التداعيات الاقتصادية

على الصعيد الاقتصادي، نقلت رويترز عن النائب الأول للمدير العام لصندوق النقد الدولي، دان كاتس، قوله يوم الثلاثاء الماضي، إن تأثير الحرب الجارية في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي ​سيعتمد على مدة استمرارها وحجم الأضرار التي تُلحقها بالبنية التحتية والصناعات في ‌المنطقة، ولا سيما ما إذا كانت الزيادات في أسعار الطاقة ستدوم لفترة قصيرة أم ستستمر.

وأضاف في مؤتمر مستقبل التمويل الذي نظمه معهد ميلكن في واشنطن أنه إذا استمرت حالة عدم اليقين الناجمة عن الصراع واستمر تأثيرها ​على أسعار الطاقة، "أتوقع أن تتوخى البنوك المركزية الحذر وتستجيب للوضع مع تفاقمه".

السيناريوهات المحتملة

من جانبه، يقول خبير العلاقات الدولية والاقتصادية محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • إن مرور ستة أيام على اندلاع الحرب مع إيران يشير إلى أن الصراع تجاوز مرحلة الضربة المحدودة، ودخل مرحلة اختبار الإرادات الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
  • الحروب في المنطقة غالبًا لا تُحسم بسرعة عندما تكون مرتبطة بتوازنات إقليمية ودولية معقدة.
  • المواجهة الحالية لا تقتصر على حرب جيوش تقليدية، بل تمثل حرباً متعددة الطبقات، حيث تعتمد إسرائيل والولايات المتحدة على التفوق الجوي والتكنولوجي لاستهداف البنية العسكرية والنووية الإيرانية، في حين تعتمد إيران على استراتيجية الرد غير المتماثل عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة (..).

ويشير الخفاجي إلى أن تقديرات البنتاغون تشير إلى امتلاك إيران آلاف الصواريخ الباليستية بمديات مختلفة، ما يمنحها القدرة على مواصلة الرد لفترة طويلة حتى في حال تعرض بنيتها العسكرية لضربات قاسية. لكنه يلفت إلى أن إيران ربما باتت تواجه مشكلة في منصات الإطلاق بعد أن دمر سلاح الجو الأميركي والإسرائيلي عددًا كبيرًا منها، وهو ما يضغط على قدراتها العسكرية ويدفعها إلى تسريع وتيرة التصعيد في محاولة لحسم المعركة.

ويوضح أن الحرب الحالية تحمل بعدًا جيوسياسيًا أوسع، إذ لا تقتصر على صراع ثنائي، بل تمثل جزءًا من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى منذ سنوات إلى منع إيران من التحول إلى قوة نووية أو قوة إقليمية مهيمنة، بينما ترى طهران أن الحفاظ على نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن يمثل عمقها الاستراتيجي، وقد سعت خلال الفترة الأخيرة إلى توسيع نفوذها في عدد من الدول الأفريقية أيضًا، ما يعني أن المعركة تتجاوز الأراضي الإيرانية لتشمل مستقبل ميزان القوة في المنطقة.

كما يشدد على أن للحرب بعدًا اقتصاديًا عالميًا واضحًا، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20 بالمئة من تجارة النفط العالمية، وأي تهديد للملاحة فيه يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وهو ما بدأ بالفعل بالظهور في الأسواق، متوقعًا أن تتزايد التداعيات على الاقتصاد العالمي خلال الأيام المقبلة، ما يجعل الصراع ذا تأثيرات اقتصادية عالمية وليس إقليمية فقط.

ويضيف: "استمرار الحرب قد يدفع قوى كبرى مثل الصين وروسيا إلى لعب دور سياسي أكبر لاحتواء الأزمة، نظرًا لأن استقرار أسواق الطاقة والتجارة العالمية يمثل مصلحة استراتيجية لهما"، مشيرًا إلى أن الصين بدأت بالفعل تحركات دبلوماسية في هذا الاتجاه من خلال تعيين مبعوث خاص للمنطقة.

ويبيّن الخفاجي أن مسار الحرب يمكن قراءته عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  • يتمثل الأول في سيناريو الضربة المحدودة، حيث تنجح الضربات الجوية في تدمير جزء كبير من البنية العسكرية والنووية الإيرانية، ما يدفع طهران إلى قبول وقف التصعيد خلال أسابيع.
  • أما السيناريو الثاني فهو سيناريو الحرب الإقليمية، حيث تتوسع المواجهة عبر جبهات متعددة، بما في ذلك في لبنان والعراق والبحر الأحمر، ما يحول الحرب إلى صراع يمتد لعدة أشهر ويهدد أمن الطاقة العالمي.
  • في حين يتمثل السيناريو الثالث في حرب الاستنزاف الطويلة، وهو من أخطر الاحتمالات، إذ قد تتحول المواجهة إلى حرب صواريخ وطائرات مسيّرة وهجمات غير مباشرة تستمر لمدة عام أو أكثر، وهو نمط قريب من الحروب غير المتكافئة التي اعتمدتها إيران خلال العقود الماضية، إلا أنه يظل احتمالًا مستبعدًا بدرجة كبيرة.

ويختم الخفاجي بالقول إن المؤشر الأهم بعد الأيام الأولى من الحرب هو أن الطرفين لا يسعيان فقط لتحقيق نصر عسكري، بل لفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط، ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد من سيكسب الحرب، بل كيف سيعاد رسم ميزان القوة الإقليمي بعد انتهائها.