تسارع الولايات المتحدة لاحتواء تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة على أسواق الطاقة العالمية، مع تصاعد المخاوف من تبعات تعطل أحد أهم شرايين الإمدادات النفطية في العالم؛ فمضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، بات مجدداً في قلب معادلة الأمن الجيوسياسي وسلامة التجارة البحرية.
تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى طمأنة الأسواق وشركات الشحن عبر حزمة إجراءات تجمع بين الحماية العسكرية والضمانات المالية، في محاولة للحفاظ على تدفق الطاقة ومنع اضطراب الإمدادات في وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية للسفن التجارية في المنطقة.
لكن رغم هذه التحركات، تبقى الأسواق بين تفاؤل حذر وشكوك حقيقية؛ إذ يتعلق الأمر بمدى قدرة هذه التدابير على إعادة الثقة لشركات الشحن وشركات التأمين في بيئة بحرية تتزايد فيها المخاطر العسكرية يوماً بعد يوم.
خطة ترامب
- أعلن الرئيس الأميركي، الثلاثاء، أن البحرية الأميركية ستبدأ بمرافقة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز (الذي تمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية) إذا لزم الأمر.
- كتب ترامب في منشور على "تروث سوشيال": "مهما حدث، ستضمن الولايات المتحدة التدفق الحر للطاقة إلى العالم".
- في المنشور نفسه، أعلن ترامب أنه أمر مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية بتوفير "تأمين ضد المخاطر السياسية وضمانات للأمن المالي لجميع التجارة البحرية، وخاصة الطاقة، التي تمر عبر الخليج".
تهدف هذه الإجراءات إلى طمأنة ناقلات النفط والغاز التي تعبر المضيق. وقد ارتفعت أسعار الطاقة بشكل كبير منذ أن حذرت إيران من أنها قد تبدأ بمهاجمة السفن في هذا الممر المائي الاستراتيجي.
- وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قال، الأربعاء إن البحرية الأميركية تركز حاليا على الحرب مع إيران وإنها سترافق ناقلات النفط عبر مضيق هرمز "بمجرد أن يكون بمقدورها ذلك"، بحسب ما ذكره لقناة فوكس نيوز.
- ردا على سؤال عما إذا كانت أي سفن تجارية قد طلبت مساعدة البحرية الأميركية في الخليج، أجاب "لا، ليس بعد.. سنفعل ذلك بمجرد أن يكون بمقدورنا ذلك. في الوقت الراهن، تركز بحريتنا، وبالطبع قواتنا المسلحة، على أمور أخرى، وهي نزع سلاح النظام الإيراني".
التغطية التأمينية
يقول المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لا يعود إلى حصار فعلي بقدر ما يرتبط بانهيار التغطية التأمينية والارتفاع الحاد في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب.
- الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تدفع شركات التأمين البحري الكبرى ونوادي الحماية والتعويض إلى إلغاء أو تقييد تغطية مخاطر الحرب للسفن العاملة في المنطقة، ما أدى إلى تقطع السبل بأكثر من 150 سفينة وانخفاض حاد في حركة ناقلات النفط.
- غياب التغطية التأمينية يجعل من الصعب على معظم مالكي السفن مواصلة العمل.
- ارتفاع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب أضاف مئات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة الرحلة الواحدة، وهو ما أسفر عملياً عن "إغلاق فعلي" للمضيق رغم بقائه مفتوحاً من الناحية القانونية والملاحية.
ويلفت الرفاعي إلى أن إدارة دونالد ترامب طرحت حلين رئيسيين يتمثلان في تقديم ضمانات تأمينية مدعومة من الحكومة، إلى جانب مرافقة البحرية الأميركية لناقلات النفط. غير أنه يرجّح استمرار حالة الحذر في الأسواق، مؤكداً أن دعم التأمين لا يلغي المخاطر الميدانية الفعلية المتمثلة في الهجمات الصاروخية أو الطائرات المسيّرة أو الألغام البحرية في مناطق النزاع.
ويشير إلى أن المرافقة البحرية قد توفر قدراً من الطمأنينة لبعض المشغلين، على غرار ما جرى خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكنها لا تعالج جذور التهديد، بل قد تجعل القوافل المرافقة أهدافاً استراتيجية بحد ذاتها.
ويختم الرفاعي حديثه بالتأكيد على أن القضية الأساسية بالنسبة للأسواق لا تتعلق بالوعود السياسية بقدر ما ترتبط بمدى تحسن بيئة الأمن والتأمين بشكل فعلي ومستدام، بما يمكّن شركات الشحن من استئناف عملياتها الاعتيادية بثقة.
تفاؤل حذر.. وشكوك
وتحت عنوان "هل يستطيع ترامب إعادة السماح بمرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز؟" ذكرت صحيفة التايمز أن ثمة شكوكاً وارتباكاً حول عرض الرئيس ترامب للتأمين البحري وإعلانه أن البحرية الأميركية سترافق السفن في الخليج.
بينما على الجانب الآخر نقلت "نيويورك تايمز" عن محللي نفط إشارتهم لأهمية تلك الخطوة.
وقال كبير مسؤولي الاستثمار في شركة بيكرينغ إنرجي بارتنرز، إنرجي بارتنرز: إن "عرض المساعدة قد يُحدث فرقاً".
وتبعاً لذلك توقع أن تستأنف ناقلات النفط في نهاية المطاف المرور عبر المضيق، لكنه أضاف: "ما سيتعين علينا مراقبته هو من سيكون شجاعاً بما يكفي لتجربة ذلك".
وعود ترامب
يقول رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets جو يرق، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- إن وعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتقديم حماية لقطاع الشحن منحت الأسواق قدراً من الطمأنينة، لكنها تبقى طمأنينة مؤقتة مرتبطة بمدى ترجمة هذه الوعود إلى خطوات عملية على أرض الواقع.
- الأسواق تفاعلت إيجابياً بشكل أولي، وشهدت ارتدادات بعد خسائر حادة، مدفوعة بالتصريحات السياسية، إلا أن المرحلة المقبلة ستعتمد على التنفيذ الفعلي.
- "نحن بانتظار رؤية الإجراءات التي ستتخذها الإدارة الأميركية لحماية الملاحة، وكيف ستتمكن من تأمين التغطية الكاملة للسفن، خصوصاً في ظل التهديدات القائمة".
ويشير إلى أنه، رغم حديث واشنطن عن إضعاف القدرات البحرية الإيرانية، إلا أن وجود الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري يبقى عاملاً مقلقاً، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذه الزوارق على تعطيل حركة الملاحة أو تهديد ناقلات النفط.
ويؤكد أن شهية شركات الشحن لتحمل المخاطر ستظل عاملاً حاسماً، خاصة بعد استهداف ناقلات نفط مؤخراً، ما يعزز حالة الحذر في القطاع. ويقول إن أي إشارات إيجابية تنعكس سريعاً على الأسواق، لكن الاستدامة تتطلب استقراراً فعلياً في الممرات البحرية.
ويلفت إلى أن إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز سيكون له تأثير كبير على أسعار النفط، وبالتالي على الاقتصاد الأميركي ومعدلات التضخم، وهو ما يشكل بدوره عاملاً حساساً في المشهد السياسي الداخلي، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات النصفية وانعكاس ذلك على حظوظ الحزب الجمهوري.
ويضيف: "تكاليف الشحن شهدت ارتفاعات ملحوظة، حيث تضاعفت أسعار استئجار بعض ناقلات الغاز لتصل إلى نحو 200 ألف دولار يومياً، ما يعكس حجم المخاطر المسعّرة حالياً في السوق".
ويختم بالقول إن أسعار النفط والغاز سجلت ارتفاعات لكنها ما زالت ضمن نطاقات محدودة نسبياً، مشدداً على أن الأيام القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد الاتجاهات المستقبلية للأسواق، تبعاً للتطورات الميدانية ومدى فعالية الإجراءات المعلنة.