يشهد قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) مرحلة تحول مفصلية، مع تصاعد تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تعيد تعريف طبيعة التطبيقات التقليدية وطريقة عملها.
لكن على الرغم من المخاوف المتزايدة من أن الذكاء الاصطناعي قد يهدد نماذج الأعمال القائمة، يرى بعض خبراء التكنولوجيا أن القطاع لا يواجه فصل النهاية، لكنه يمر بإعادة تشكيل عميقة، حيث تتحول البرمجيات من أدوات جامدة إلى أنظمة ذكية قادرة على فهم وتحليل واتخاذ القرارات نيابة عن المستخدمين.
يطرح هذا التحول أسئلة جوهرية حول مستقبل الاشتراكات السحابية التقليدية، وفرص الشركات في قيادة الجيل الجديد من الاقتصاد الرقمي.
في هذا السياق، يشير تقرير لصحيفة فايننشال تايمز البريطانية إلى تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة Salesforce، مارك بينيوف، والذي يستنكر المخاوف من حدوث "كارثة SaaS" التي ستصيب برامج الأعمال، حتى مع نشر المجموعة لتوقعات ضعيفة للإيرادات وسط مخاوف المستثمرين من أن الذكاء الاصطناعي سيعطل أعمالها.
- أعلنت المجموعة يوم الأربعاء أن إيراداتها السنوية ستتراوح بين 45.8 مليار دولار و 46.2 مليار دولار، وهو ما يقل عن تقديرات المحللين البالغة 46.1 مليار دولار، وفقًا لـ S&P Visible Alpha.
- واجهت شركة Salesforce، التي تبيع البرامج كخدمة (SaaS) لتتبع علاقات العملاء، ضغوطًا من المستثمرين خلال انهيار السوق الناجم عن المخاطر التي تشكلها الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي مثل Anthropic على شركات البرمجيات.
- تقوم المجموعة بالترويج لأداة الذكاء الاصطناعي "الوكيلة" الخاصة بها، Agentforce، والتي يمكنها اتخاذ إجراءات نيابة عن العملاء، بما في ذلك التعامل مع خدمة العملاء.
حاول بينيوف التقليل من المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل شركات البرمجيات كخدمة (SaaS)، قائلاً للمستثمرين إن الحديث عن نهاية هذا النموذج مبالغ فيه، بل إن الاعتماد عليه يتوسع مع تطور تقنيات الوكلاء الأذكياء (Agents) التي عززت كفاءته وقيمته للشركات.
وأوضح أن شركات الذكاء الاصطناعي تعتمد بشكل كبير على هذا النموذج، مشيراً إلى أن شركة Anthropic تدير عملياتها بالكامل عبر منصتي Salesforce وSlack، ومؤكداً أن هذا النهج يكاد يكون سائداً بين شركات القطاع.
انخفضت أسهم الشركة التي تتخذ من سان فرانسيسكو مقراً لها بنحو 27 بالمئة هذا العام، إلى جانب منافسيها مثل إنتويت وورك داي وسيرفيس ناو.
مرحلة مفصلية
في هذا الإطار، يقول خبير الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي من جامعة سان هوزه الحكومية بكاليفورنيا، الدكتور أحمد بانافع، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قطاع البرمجيات كخدمة (SaaS) يمر اليوم بمرحلة تحول مفصلية، مدفوعة بالصعود السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي.
- الحديث عن نهاية SaaS مبالغ فيه، لكن من الواضح أن شكله التقليدي لم يعد كما كان.
- شركات رائدة مثل Salesforce وWorkday وServiceNow نجحت خلال العقدين الماضيين في بناء نماذج أعمال قوية قائمة على الاشتراك السحابي، ما غيّر جذرياً طريقة استهلاك البرمجيات في العالم.
- الطفرة الحالية في الذكاء الاصطناعي، بقيادة شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle DeepMind، أعادت طرح سؤال جوهري في الأوساط الاستثمارية: إذا أصبح بإمكان وكيل ذكاء اصطناعي تنفيذ المهام مباشرة عبر واجهة محادثة، فهل تبقى الحاجة إلى التطبيقات التقليدية المليئة بالقوائم والواجهات المعقدة؟
ويبين بانافع أن التأثير لن يكون متساوياً على جميع شركات SaaS، موضحاً أن البرمجيات الأفقية العامة - مثل أدوات إدارة المهام أو إعداد التقارير البسيطة - هي الأكثر عرضة للضغط؛ نظراً لاعتمادها على مهام متكررة يمكن للذكاء الاصطناعي أتمتتها بسهولة. كما يشير إلى أن نموذج "الدفع لكل مستخدم" قد يخضع لإعادة تقييم، في حال تمكن وكيل ذكي واحد من تنفيذ مهام عدة موظفين.
وفي المقابل، يشدد على أن المؤسسات لا تشتري البرمجيات لمجرد الوظيفة التقنية، بل لمنظومة متكاملة تشمل الأمان، والامتثال التنظيمي، والتكامل مع الأنظمة الأخرى، وضمانات مستوى الخدمة، وهي عناصر يصعب على وكيل ذكاء اصطناعي مستقل توفيرها بمعزل عن منصة مؤسسية متكاملة.
كما يلفت إلى أن:
- شركات SaaS الكبرى بدأت بالفعل بإعادة هندسة منتجاتها لتصبح منصات تعمل بالذكاء الاصطناعي من الداخل، وليس مجرد إضافة ميزة ذكية على منتج تقليدي.
- المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً من مفهوم Software as a Service إلى ما يمكن تسميته .Intelligence as a Service
- "نحن لا نشهد موت SaaS، بل إعادة تشكيل عميقة له".
- البرمجيات لم تعد مجرد أدوات يستخدمها الموظف، بل أنظمة ذكية تعمل نيابةً عنه.
- من يواكب هذا التحول سيقود الجيل الجديد للاقتصاد الرقمي، أما من يتأخر فلن يختفي فوراً، لكنه سيتآكل تدريجياً في سوق سريع التغير.
فقاعة مضاربية
وإلى ذلك، يشير تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية إلى أنه:
- بعد سنوات من التساؤلات عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي يخلق فقاعة مضاربية في الأسواق، يجد المستثمرون أنفسهم اليوم أمام سؤال جديد: ماذا لو كانت الضجة حوله حقيقية بالفعل؟
- مصطلح "SaaS-pocalypse"، الذي يتصدر التداول لوصف موجة البيع الحادة والدراماتيكية الأخيرة في أسهم شركات البرمجيات كخدمة (SaaS) عالمياً، يستند إلى فكرة أن الذكاء الاصطناعي قد يتطور إلى درجة تجعل البرمجيات التقليدية غير ضرورية.
- التساؤلات القائمة: لماذا تدفع مقابل برامج مخصصة للمحاسبة، أو تحليلات المبيعات، أو الخدمات اللوجستية، أو إدارة المشاريع، بينما يمكنك ببساطة أن تطلب من ChatGPT أو Claude أو Gemini تنفيذ هذه المهام؟
- وصلت موجة البيع بقوة إلى أستراليا، متسببة في محو مليارات الدولارات من القيمة السوقية لشركات كانت تُعدّ يوماً من نجوم السوق، مثل شركة برمجيات المحاسبة Xero وشركة أنظمة التشغيل العالمية WiseTech.
- وفي الولايات المتحدة، تراجعت أسهم شركة Atlassian Corp، المعروفة بأدواتها للتعاون في بيئة العمل، بنسبة 50% منذ بداية يناير. كما انخفضت ثروة مؤسسي الشركة الأستراليين، مايك كانون-بروكس وسكوت فاركوهار، بنحو 8 مليارات دولار أميركي (11.5 مليار دولار أسترالي) خلال أسابيع قليلة، مع انهيار قيمة حصصهما الكبيرة في الشركة.
تحول جذري
أستاذ علم الحاسوب وخبير الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات في السيليكون فالي كاليفورنيا، الدكتور حسين العمري، يقول لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- الحديث عن نهاية عصر البرمجيات كخدمة (SaaS) يبدو للوهلة الأولى مبالغاً فيه، لكن من الواضح أننا أمام تحول جذري في طبيعة هذا النموذج.
- على مدى العقدين الماضيين، قامت شركات مثل Salesforce وMicrosoft وAdobe بترسيخ نموذج يقوم على الاشتراك الشهري في تطبيقات سحابية. كانت القيمة في إتاحة الوصول المستمر، التحديث التلقائي، والبنية السحابية.
- اليوم، ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي تغيّرت المعادلة.. إذ لم يعد التطبيق مجرد أداة تُستخدم، بل أصبح كياناً قادراً على الفهم والتحليل واتخاذ القرار.
- التحول لا يعني اختفاء SaaS، بل انتهاء مرحلة البرمجيات غير الذكية.
- التطبيقات التي تقدم وظائف ضيقة ومحدودة، مثل كتابة وصف منتج، أو إعداد تقرير دوري، أو تحليل بيانات بسيط، أصبحت قابلة للاستبدال بنموذج ذكاء اصطناعي عام مدعوم بوكلاء ذكيين (AI Agents) .. وهنا يكمن التهديد الحقيقي: ليس لعمالقة السوق، بل للطبقة الوسطى من أدوات SaaS.
ويضيف: "الأهم أن واجهات الاستخدام نفسها تتغير: القوائم والأزرار والنماذج التقليدية تتراجع أمام المحادثة كواجهة أساسية.. كما لم نعد نتعامل مع البرمجيات عبر النقر فقط، بل عبر الحوار والتوجيه"، مشيراً إلى أن هذا التحول يعيد تعريف مفهوم التطبيق ذاته.
ويتابع: في المرحلة المقبلة، ستبقى الاشتراكات، لكن الاشتراك لن يكون في أداة جامدة، بل في ذكاء رقمي يعمل نيابة عن المستخدم. أي أن القيمة ستنتقل من امتلاك ميزة برمجية محددة إلى القدرة على دمج البيانات والنماذج والأتمتة ضمن منظومة ذكية متكاملة.
يعتقد العمري بأنه خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، سيحدث فرز واضح في سوق SaaS ، فالشركات التي تضيف الذكاء الاصطناعي كميزة جانبية ستتراجع تدريجيًا، بينما ستصعد الشركات التي تعيد بناء منتجاتها بالكامل حول مفهوم الوكيل الذكي.. وعليه يتوقع إمكانية:
- اختفاء عدد كبير من أدوات SaaS المتخصصة الصغيرة.
- تحوّل التطبيقات الكبرى إلى منصات ذكاء مدمجة بالكامل.
- انتقال مركز القوة من واجهة الاستخدام إلى طبقة الذكاء.
- سباق على من يملك البيانات الأكثر جودة لتغذية النماذج.