في لحظة إقليمية مشحونة بتكدّس الأساطيل وارتفاع منسوب التهديدات، تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الاقتصاد العالمي على نحو غير مسبوق.
مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 12 بالمئة من التجارة البحرية العالمية بقيمة سنوية تتراوح بين 2.5 و3 تريليونات دولار، يقف في قلب معادلة شديدة الحساسية، فيما تؤمّن منطقة الشرق الأوسط قرابة ثلث إنتاج النفط العالمي ونحو 17 بالمئة من الغاز، بما يعادل 15 بالمئة من إجمالي احتياجات الطاقة عالمياً. ومع تضاعف تكلفة شحن النفط ثلاث مرات، وارتفاع متوسط استئجار الناقلة إلى 170 ألف دولار يومياً مقابل 50 ألفاً قبل التوترات، إضافة إلى زيادة كلفة التأمين بنحو 200 ألف دولار لكل عبور، تبدو الأسواق أمام اختبار صعب.
في هذا السياق، قدّم مدير مركز JSM للأبحاث والدراسات آصف ملحم، خلال حديثه إلى برنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، قراءة حاسمة لمسار التصعيد، معتبراً أن المنطقة تقف على أعتاب حرب يراها "قادمة"، وأن المفاوضات "لن تجدي نفعاً نهائياً".
المفاوضات والملف النووي: تشكيك في الجدوى
يرى ملحم أن جوهر الأزمة لا يرتبط بالملف النووي الإيراني بقدر ما يتجاوز ذلك إلى اعتبارات أخرى. ويقلل من أهمية الحديث عن الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، معتبراً أنها "لا أهمية لها عسكرياً"، لأن تأثيرها، وفق توصيفه، محدود بنطاق الانتشار المباشر للمواد السامة.
ويذهب ملحم أبعد من ذلك بالتشكيك في مبررات تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 بالمئة، متسائلاً عن جدوى هذه النسبة في مفاعلات الطاقة. ويستعرض في هذا السياق الأرقام المتعلقة بسوق الموليبدينيوم، الذي تقول طهران إن التخصيب يخدم إنتاجه لأغراض طبية، مشيراً إلى أن حجم السوق بلغ 4.48 مليارات دولار عام 2023، ومن المتوقع أن يصل إلى 7.28 مليارات دولار في 2033. ويتساءل عمّا إذا كانت هذه القيمة تبرر المخاطر التي "تكاد تشعل حرباً عالمية ثالثة".
ويؤكد أن إنتاج الموليبدينيوم يتطلب تخصيباً يتراوح بين 80 بالمئة و97 بالمئة، ما يعني عملياً بلوغ مستوى السلاح النووي، معتبراً أن تحقيق توازن استراتيجي مع إسرائيل أو الولايات المتحدة عبر امتلاك السلاح النووي "غير ممكن على الإطلاق". وبناءً عليه، يخلص إلى أن المسألة "مرتبطة بشيء آخر"، يتمثل في "ضرب إيران وإنهاء نظام الحكم"، واصفاً ذلك بأنه من "المخططات الواضحة".
عامل الوقت والداخل الأميركي
وفق ملحم، تلعب إيران على عامل الوقت، مستفيدة من كلفة الحشود العسكرية الأميركية الكبيرة في المنطقة. فإطالة أمد الحشد من دون تنفيذ عمل عسكري قد تنعكس، بحسب تقديره، سلباً على الداخل الأميركي، في ظل وجود خصوم سياسيين ينتظرون أي خطأ.
ويشير إلى أن استمرار المفاوضات والحشود قد يعرّض الإدارة الأميركية لضغوط داخلية متصاعدة، لافتاً إلى أن إيران عرضت خفض نسبة التخصيب من 60 بالمئة إلى 3.67 بالمئة، مع التعهد بإيقاف التخصيب سبع سنوات، إلا أن واشنطن – وفق حديثه – تطالب بوقفه نهائياً وأبداً.
سيناريوهات عسكرية واحتمالات مفتوحة
يتحدث ملحم خلال حديثه عن تقديرات تفيد بأن لدى الولايات المتحدة ما يكفي من الذخائر لقصف كثيف قد يستمر أسبوعاً أو أقل، لكنه يتساءل عمّا إذا كان ذلك كافياً لإنهاء نظام الحكم. ويشير إلى تحضيرات لسيناريوهات تتعلق بمرحلة ما بعد أي ضربة محتملة لتفادي الفوضى.
في المقابل، يلفت إلى قدرات صاروخية إيرانية قد تطال سفناً حربية أو حاملات طائرات، مستنداً إلى تحليلات لمسار أحد الصواريخ التي أطلقت خلال مواجهة سابقة استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، معتبراً أن شكله ومساره قد يدلان على صاروخ عابر للقارات. ويؤكد أن أي إصابة لسفينة أو إسقاط طائرات سيُستثمر إعلامياً، ما قد ينعكس سلباً على مسار الحرب.
النفط والتضخم: أزمة مؤجلة؟
اقتصادياً، يكشف ملحم أن لدى إيران، وفق تقديرات بلومبرغ، 48 مليون طن من النفط عالقة في البحار، نصفها قرب السواحل الماليزية، غير قادرة على بيعها، في ظل منافسة مع روسيا على السوق الصينية.
ويرجّح أنه في حال اندلاع حرب طويلة، سترتفع أسعار جميع المواد والخدمات، من المطاط والبلاستيك إلى الأسمدة والنقل. ويقدّر أن البنوك قد تضطر إلى ضخ سيولة إضافية لمعالجة أثر ارتفاع الأسعار، محذراً من أن هذه السيولة قد تبقى في السوق بعد انتهاء الحرب، ما يمهّد لارتفاع تضخمي لاحق.
ويشبّه السيناريو المحتمل بأزمات سبعينات القرن الماضي، وما أعقب الثورة الإسلامية الإيرانية، وكذلك مرحلة ما بعد جائحة كورونا، معتبراً أن العالم قد يكون أمام "أزمة مؤجلة" لا تظهر آثارها فوراً، بل تتكشف تدريجياً مع تراكم السيولة واستمرار الضغوط السعرية.
بين حتمية الحرب التي يتوقعها ملحم، ومراوحة المفاوضات التي يراها بلا جدوى، تقف الأسواق العالمية أمام معادلة شديدة التعقيد: تصعيد عسكري محتمل في قلب إمدادات الطاقة، مقابل تداعيات تضخمية قد لا تنفجر فوراً، لكنها تترسخ بهدوء في بنية الاقتصاد العالمي. وفي ظل هذه الاحتمالات المفتوحة، يبقى عامل الوقت، كما يؤكد، عنصراً حاسماً في رسم مسار المرحلة المقبلة، سياسياً واقتصادياً على حد سواء.