تجد أوروبا نفسها أمام اختبارٍ تجاري وسياسي غير مسبوق، بعد أن أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلط أوراق العلاقة عبر الأطلسي بفرض تعريفة جمركية عالمية ثابتة بنسبة 15 بالمئة، رغم انتكاسة قضائية سابقة حدّت من بعض صلاحياته.
يتصاعد القلق داخل العواصم الأوروبية من تحوّل الشراكة الاقتصادية التاريخية إلى ساحة شدّ وجذب مفتوحة على سيناريوهات التصعيد.
تتعامل بروكسل مع التطورات الأخيرة بوصفها أكثر من مجرد خلاف تجاري عابر؛ إذ ترى في الرسوم الجديدة اختباراً لصلابة النظام التجاري القائم على القواعد، وتهديداً مباشراً لتوازن الاتفاقات التي أُبرمت بشق الأنفس.
آخر التطورات
- أصدرت المحكمة الأميركية العليا الأسبوع الماضي حكماً يقضي بأن ترامب قد تجاوز سلطته القانونية لفرض إجراءات "يوم التحرير" التي اتخذها العام الماضي، مما أدى إلى دخول الأسواق المالية في مرحلة جديدة من عدم اليقين بشأن وجهة السياسة التجارية الأميركية.
- إدارة ترامب أعلنت أنها ستتوقف عن تحصيل الرسوم الجمركية التي قضت المحكمة العليا بأنها غير قانونية لأنها فُرضت باستخدام صلاحيات الطوارئ ، في الوقت الذي حاول فيه المستثمرون استيعاب أحدث موجة من الرسوم البديلة التي فرضها الرئيس الأميركي.
- ردّ ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع بفرض تعريفة جمركية عالمية ثابتة جديدة بنسبة 15 بالمئة بموجب تفويض قانوني منفصل، لتحل محل التعريفات التي تم إلغاؤها.
- يجعل قرار المحكمة العليا أكثر من 175 مليار دولار من إيرادات الخزانة الأمييكية السابقة عرضة لاسترداد محتمل، بناءً على تقدير من قبل خبراء اقتصاديين في نموذج ميزانية بن وارتون.
- على الصعيد الأوروبي، يستخدم البرلمان الأوروبي ورقة تعليق تنفيذ الاتفاق الجمركي المبرم مع الولايات المتحدة، ضمن أدوات المراقبة والتقييم لأحدث تلك التطورات، وعلى خلفية قرارات ترامب فرض رسوم عالمية جديدة، رغم الهزيمة القضائية التي تعرضت لها سياسته الجمركية.
وكتب خبراء الاقتصاد في بنك آي إن جي: "تؤكد الإعلانات الصادرة منذ حكم المحكمة العليا بقوة أن ترامب ليس لديه أي نية لإزالة ما يصفه بـ (أجمل كلمة من قاموس اللغة الإنجليزية)"، وفق ما نقلته الغارديان.
وأضافوا: "لقد عاد عدم اليقين، ونظراً لأحدث استعراض للقوة من قبل القادة الأوروبيين، فإن خطر التصعيد الآن أعلى مما كان عليه قبل عام."
ضغوط متزايدة
يقول خبير الشؤون الأوروبية محمد رجائي بركات، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- القرارات التي يتخذها ترامب تضع الدول الأوروبية أمام ضغوط متزايدة تدفعها إلى تبني مواقف أكثر حزمًا في مواجهة السياسات الأميركية.
- فرض رسوم جمركية بنسبة 15 بالمئة على مختلف الدول، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي، خلق حالة من القلق والتوتر داخل العواصم الأوروبية.
- تذبذب القرارات الأميركية، بين الإعلان عن إجراءات جديدة ثم التراجع عنها أو تعديلها، وضع المسؤولين الأوروبيين، سواء على مستوى الحكومات أو داخل المفوضية الأوروبية، في حالة من الحيرة بشأن كيفية صياغة ردود متماسكة ومستقرة على السياسات الأميركية.
- بعض الدول الأوروبية بدأت بالفعل اتخاذ خطوات عملية، من بينها تعليق بعض أطر الشراكة مع الولايات المتحدة، في مؤشر واضح على تصاعد التوتر في العلاقات عبر الأطلسي.
ويضيف أن الرأي العام الأوروبي بدأ يتحرك بشكل ملحوظ، مؤكداً أن هناك حالة متنامية من الغضب الشعبي تجاه السياسات الأميركية، وأن هذا الغضب لم يعد مقتصراً على الحكومات فقط، بل بات يشمل شرائح واسعة من المجتمعات الأوروبية، وهو ما قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة العلاقات بين الجانبين.
تحذيرات أوروبية
حذرت أوروبا يوم الاثنين من أن اتفاقها التجاري الذي تم التوصل إليه بشق الأنفس مع واشنطن قد يكون الآن في خطر بعد أن كشف ترامب عن تعريفة جمركية شاملة بنسبة 15 بالمئة على جميع الواردات خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما دفع البرلمان الأوروبي إلى تأجيل التصويت المقرر على الاتفاقية، وفقًا لرويترز .
وأعرب مسؤولون في أوروبا ولندن عن قلقهم واستيائهم إزاء أحدث اضطراب في العلاقات التجارية العالمية، قائلين إن سياسة التعريفات الجمركية الجديدة التي انتهجها ترامب قد تقلب الاتفاقيات التجارية الموقعة مع الولايات المتحدة العام الماضي رأساً على عقب، بحسب ما نقلته تقرير لشبكة سي إن بي سي الأميركية.
طلب المسؤولون مزيداً من التوضيح من البيت الأبيض بشأن ما يعنيه إطار سياسة التعريفات الجمركية الجديد عملياً بالنسبة لاتفاقياتهم التجارية، والتي شهدت فرض رسوم جمركية بنسبة 15 بالمئة على معظم صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة، وفرض رسوم جمركية بنسبة 10 بالمئة على تلك القادمة من المملكة المتحدة.
توجه واضح
من جانبه، يقول خبير العلاقات الاقتصادية الدولية، محمد الخفاجي، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":
- قرار الإدارة الأميركية فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنحو 15 بالمئة على الواردات، بعد إلغاء المحكمة العليا بعض الرسوم السابقة، يعكس توجهاً واضحاً نحو استخدام السياسة التجارية كأداة ضغط لإعادة صياغة شروط التبادل مع الشركاء الدوليين.
- هذه الخطوة أثارت ردود فعل أوروبية سريعة وقوية لأنها تُنظر إليها كتصعيد أحادي غير مسبوق في العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي.
- القادة الأوروبيون يعتبرون الرسوم الجديدة محاولة للإكراه التجاري، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى المطالبة بتوضيحات قانونية من واشنطن، خصوصاً في ظل بطلان بعض الإجراءات السابقة بحكم القضاء الأميركي.
- هذا الغموض التنظيمي يجعل من الصعب تنفيذ الاتفاقيات التجارية القائمة أو التقدم نحو اتفاقيات جديدة في المرحلة الراهنة.
ويضيف أن قرار البرلمان الأوروبي تعليق إجراءات اعتماد الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه في 2025 يعكس تنامي الشكوك الأوروبية بشأن توازن العلاقة التجارية مع الولايات المتحدة، خاصة وأن الاتفاق كان يتضمن رسوماً على صادرات الاتحاد مقابل تسهيلات للسلع الأميركية واستثمارات متبادلة، وهو ما كان محل انتقادات داخلية حتى قبل التصعيد الأخير.
ويشير الخفاجي إلى أن دولاً رئيسية داخل الاتحاد مثل ألمانيا وفرنسا بدأت تتحدث بوضوح عن أدوات الرد الممكنة، بما في ذلك استخدام آلية مكافحة الإكراه التجاري وفرض تعريفات مضادة أو قيود على الشركات الأميركية داخل السوق الأوروبية، لافتاً إلى أن بروكسل تدرس بالفعل إجراءات قد تشمل سلعاً أميركية استراتيجية في حال استمرار التصعيد.
ويبيّن أن حالة التعليق أو المراجعة التي طالت الاتفاقات التجارية القائمة خلقت بيئة من عدم اليقين القانوني والتجاري، حيث تتطلع شركات أوروبية إلى إمكانية استرداد الرسوم الإضافية التي دفعتها خلال الفترة الماضية، الأمر الذي يزيد من تعقيد مهمة القادة الأوروبيين في إقرار أي اتفاق تجاري جديد مع واشنطن.
ويختتم حديثه قائلاً:
- أوروبا تواجه اختباراً تاريخياً في علاقتها التجارية مع الولايات المتحدة.
- قد تتحول العلاقة من شراكة استراتيجية راسخة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى تنافس تجاري حاد إذا استمرت السياسات الحمائية الحالية.
- الاتحاد الأوروبي يسعى للحفاظ على نظام تجاري قائم على القواعد، لكنه في الوقت نفسه يستعد لردود دبلوماسية وتجارية قد تشمل تعريفات مضادة وأدوات قانونية لحماية مصالحه الاقتصادية.