تلقّى الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضربة من داخل المؤسسة القضائية، بعدما قضت  المحكمة العليا الأميركية بعدم قانونية الرسوم الجمركية التي فرضها في أبريل الماضي استناداً إلى قانون الطوارئ الوطنية، معتبرة أن صلاحية إقرارها تعود إلى الكونغرس لا إلى السلطة التنفيذية.

الحكم أبطل الرسوم المرتبطة بإعلان الطوارئ حصراً، من دون المساس بتلك المفروضة بموجب القانون التجاري، ما يفتح الباب أمام تباين قانوني دقيق في أدوات السياسة الحمائية.

ورغم ذلك، لم يتراجع ترامب، واعتبر القرار إهانة للولايات المتحدة تمنح شركاء تجاريين مثل الصين والهند والاتحاد الأوروبي أفضلية تفاوضية، قبل أن يلجأ إلى فرض رسوم بنسبة 15 بالمئة على معظم الواردات، مع استثناءات محدودة ولمدة 150 يوماً قابلة للتجديد بموافقة الكونغرس. في الأثناء، تطالب 300 ألف شركة باسترداد 134 مليار دولار، ما ينذر بكلفة مالية وسياسية باهظة.

ضربة مؤلمة لترامب من داخل بيته

الولايات المتحدة بين الرسوم وقرار المحكمة العليا

قال ريان ليمند، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي في NeoVision لإدارة الثروات، خلال حديثه لبرنامج "بزنس مع لبنى" على سكاي نيوز عربية، إن استرداد الأموال التي فرضت كرسوم جمركية من قبل إدارة ترامب يمثل مهمة صعبة جدًا، موضحًا أن هذه الأموال قد أنفقت بالفعل في ميزانية الحكومة الأميركية، مما يجعل عملية الاسترداد شبه مستحيلة.

وأشار ليمند إلى أن أحد مستشاري الرئيس السابق، هوارد لوتنيك، قام بشراء حقوق إعادة هذه الرسوم بنسبة 30 بالمئة، ما يثير جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة ويضع قضية الرسوم تحت علامات استفهام عديدة.

وأوضح ليمند أن الرئيس ترامب ملزم بالامتثال لحكم المحكمة العليا (Supreme Court) بشأن هذه الرسوم، ويجب عليه الحصول على موافقة الكونغرس، حيث قد يرفض الأخير الرسوم إذا اعتبرها غير محقة، وهو ما يعكس الرأي العام الأميركي في ظل الغلاء المتزايد للسلع المستوردة مع اقتراب الانتخابات.

وأضاف أن الأمر لا يقتصر على الشركات الكبرى، بل يشمل المستهلكين العاديين، الذين دفعوا الرسوم على سلع يومية مثل الحليب، ومن غير المرجح أن يحصلوا على استرداد يذكر.

ليمند: الذهب قد يصل إلى 10 آلاف دولار قبل نهاية ولاية ترامب

زيارة ترامب للصين: قراءة في الدلالات الاقتصادية

أوضح ليمند خلال حديثه  أن زيارة ترامب المرتقبة للصين جاءت بعد صدور حكم المحكمة العليا، معتبراً أن الرئيس الأميركي كان مدركًا لتداعيات هذا الحكم، وهو ما يوضح التنازل الكبير الذي قام به تجاه الصين، التي أصبح موقعها قوة اقتصادية وتجارية. ولفت إلى أن الصين تتحكم بالميزان التجاري العالمي، وتدير ديونها واقتصادها بشكل مستقل، بينما تعتمد بقية الدول على السياسات الأميركية.

وأشار إلى أن الصين، من خلال شراء كميات كبيرة من الذهب لدعم عملتها المحلية اليوان، تمارس استراتيجية تعزيز موقفها الاقتصادي دون الانخراط في هيمنة توسعية، موضحًا أن الهدف الصيني ليس السيطرة على العالم، بل الحفاظ على دورها كمصدر رئيسي ومنتج ومركز تكنولوجي عالمي.

أخبار ذات صلة

ترامب يهاجم المحكمة العليا ويتوعد بإجراءات "فظيعة"
أزمة الرسوم الجمركية الأميركية تربك أسواق سندات الخزانة

ردود فعل أوروبية: تجميد الاتفاقيات التجارية

وأكد ليمند أن أوروبا قد جمدت الاتفاقيات التجارية التي كانت قد أبرمت مع إدارة ترامب، مشيرًا إلى أن الرسوم الجديدة بنسبة 15 بالمئة على بعض السلع ليست إضافة حقيقية للرسوم السابقة، لكنها أثرت على الأسواق بشكل ملموس. وأشار إلى أن الكونغرس الأميركي، في ظل هذه الضغوط الشعبية وقرب الانتخابات، من المرجح أن يرفض استمرار الرسوم، مما يعكس تحولات سياسية واقتصادية داخلية مهمة.

النظام العالمي والهيمنة الاقتصادية

في تحليله للتغيرات الاقتصادية العالمية، أشار ليمند إلى أن الولايات المتحدة تواجه تحديات في استمرار الدولار كعملة احتياطية، مقارنة بتاريخ الجنيه الاسترليني بعد فك ارتباطه بالذهب عام 1914. وأوضح أن التحولات جارية بوتيرة بطيئة، مع ارتفاع استخدام نظم دفع بديلة، مثل النظام الصيني، من قبل الهند وأوروبا ودول أخرى في أميركا الجنوبية وأفريقيا، وهو ما يشير إلى إعادة تشكيل النظام المالي العالمي دون انهيار مفاجئ للدولار.

وأشار إلى أن العولمة تتراجع تدريجيًا مقابل نفوذ محلي ودولي جديد، موضحًا أن النظام العالمي السابق قد تغير إلى ما لا عودة، وهو تحول يستند إلى تغييرات عملية، لا مؤامرات، كما وصف بعض التحليلات الأميركية.

أخبار ذات صلة

رسوم ترامب الجديدة تصبّ في مصلحة الصين والبرازيل
مخاوف تجارية عالمية ترفع الذهب وتضغط على الدولار

الصين: استراتيجية غير توسعية واستقلال اقتصادي

شدد ليمند على أن الصين لا تسعى للهيمنة العالمية، بل تركز على تعزيز مكانتها كمصدر ومنتج ومركز تكنولوجي. وأكد أن الحضارة الصينية، بتاريخها الممتد 5000 عام، تتميز بسياسة اقتصادية مستقرة وغير توسعية، بخلاف التجارب الأميركية، حيث تفرض الولايات المتحدة هيمنتها على عدد كبير من الدول.

وأضاف أن الصين تركز على تطوير اقتصادها الداخلي وإدارة سياساتها المالية والتجارية بعقلانية، دون السعي للسيطرة على العالم.

تحولات اقتصادية عالمية

خلص ريان ليمند إلى أن التحولات الاقتصادية الراهنة تشير إلى تغير في موازين القوة العالمية، حيث أصبحت الصين لاعبًا محوريًا في التجارة الدولية، بينما تواجه الولايات المتحدة ضغوطًا سياسية داخلية تؤثر على قراراتها الاقتصادية. وأوضح أن هذه التغيرات مستمرة وبطيئة، لكنها حاسمة في إعادة تشكيل النظام المالي والتجاري العالمي، مما يجعل التكيف مع هذه التحولات ضرورة استراتيجية للمستثمرين والشركات على حد سواء.

بعد تجريده من سلاح الرسوم.. ما خيارات ترامب لمواجهة الصين؟