تتجه أسعار الهواتف الذكية والساعات الرقمية وأجهزة الكمبيوتر إلى مسار تصاعدي، في ظل اختلال عميق في سوق رقائق الذاكرة (RAM) التي تُعد مكوّناً أساسياً في مختلف الصناعات الإلكترونية.

فثلاث شركات فقط تسيطر على نحو 90 بالمئة من إنتاج هذه الرقائق عالمياً، فيما يُخصَّص ما يقارب 70 بالمئة من إجمالي الإنتاج لمراكز البيانات المشغّلة لنماذج الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي أفضى إلى نقص حاد في الإمدادات الموجهة إلى قطاعات الهواتف والحواسيب والسيارات والألعاب الإلكترونية.

ويزداد المشهد تعقيداً مع صعوبة توسيع الطاقة الإنتاجية، إذ يتطلب إنشاء مصانع جديدة استثمارات ضخمة وفترة زمنية لا تقل عن عامين. وفي موازاة ذلك، تحوّلت الشركات المُصنِّعة نحو الرقائق المخصّصة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لاعتبارات الربحية، ما بدأ ينعكس عملياً على السوق، مع ترجيح تأجيل PlayStation الجديد من قبل سوني إلى 2028 أو 2029، وتحذير سامسونغ المستهلكين من ارتفاع الأسعار خلال العام الجاري.

أزمة رقائق الذاكرة تربك العالم

اختلال هيكلي في سوق الذاكرة… عنق زجاجة يضغط على الاقتصاد الرقمي

يشخّص مؤسس شركة AI360 للابتكارات بشار الكيلاني واقع سوق شرائح الذاكرة بوصفه أزمة "هيكلية" لا "لوجستية"، فارقاً بذلك بينها وبين اختناقات سلاسل الإمداد التي رافقت جائحة "كوفيد-19". ففي حين كانت أزمة الـMemory Chips آنذاك ناجمة عن تعثرات نقل وتوريد، يؤكد الكيلاني أن الخلل الحالي يرتبط ببنية الصناعة ذاتها، وبتركيز الإنتاج في نطاق ضيق من الشركات والجغرافيا، بما يفرض ضغوطاً ممتدة زمنياً على العرض والأسعار.

تمركز الإنتاج: أربع أو خمس شركات في جغرافيا واحدة

يرى الكيلاني أن جوهر الأزمة يكمن في تركّز صناعة الذاكرة لدى أربع أو خمس شركات فقط، مع تمركز معظمها في كوريا الجنوبية. هذا التركّز، وفق توصيفه، يعكس اختلالاً في ديناميكية السوق، إذ تصبح الصناعة رهينة عدد محدود من اللاعبين وفي بيئة جغرافية واحدة، ما يحدّ من مرونة العرض ويضاعف حساسية السوق لأي متغيرات تقنية أو جيوسياسية.

الكيلاني: نقص رقائق الذاكرة أزمة هيكلية وليست لوجستية

ويشير إلى أن بناء مصنع جديد لإنتاج الذاكرة يتطلب استثمارات تتراوح بين 15 و20 مليار دولار، فضلاً عن فترة تشغيل تمتد بين سنتين إلى ثلاث سنوات قبل الدخول الفعلي إلى السوق. هذه الكلفة الرأسمالية المرتفعة والزمن اللازم للتشغيل يعمّقان الطابع الهيكلي للأزمة، ويجعلان الاستجابة السريعة لزيادة الطلب أمراً بالغ التعقيد.

الذكاء الاصطناعي: قفزة طلب تبتلع العرض

في المقابل، يربط الكيلاني تصاعد الأزمة بالقفزة النوعية في الطلب الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فبحسب تقديره، تستهلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي ما بين خمسة إلى ثمانية أضعاف حجم الذاكرة المستخدم في التطبيقات التقليدية. ومع ازدياد الاعتماد على الخوارزميات والبيانات الضخمة، يتضاعف الطلب على الذاكرة بوصفها مكوّناً أساسياً في البنية الحوسبية.

هذا التسارع في الطلب لم يكن، وفق حديثه، متوقعاً بالوتيرة الحالية، رغم تداول الحديث عن الذكاء الاصطناعي سابقاً. والنتيجة هي فجوة متزايدة بين سرعة نمو الطلب وقدرة العرض على الاستجابة، ما أفضى إلى ما يسميه "اختلافاً بين سرعة العرض والطلب"، وهو جوهر الإشكال الهيكلي القائم.

أخبار ذات صلة

ما مدى واقعية تراكم طلبات بـ1.6 تريليون دولار في مجال الـAI؟
"راماغيدون" يقترب: لماذا أصبحت الذاكرة "عنق الزجاجة" الجديد؟

الجيوسياسة والبنية التحتية: ضغوط إضافية على السوق

لا يفصل الكيلاني أزمة الذاكرة عن السياق الجيوسياسي الأوسع، مشيراً إلى الصراع بين الصين والولايات المتحدة، والتسابق في بناء مراكز البيانات الكبرى، وتوسيع البنية التحتية الرقمية. هذه العوامل تضيف طبقة جديدة من الضغط على سلاسل التوريد، وتزيد من تعقيد المشهد الصناعي.

ويخلص إلى أن انعكاسات هذه الظاهرة لن تقتصر على قطاع بعينه، بل ستمتد إلى أسعار الإلكترونيات عموماً، من الهواتف إلى السيارات، وكل ما يعتمد على التكنولوجيا، وهو اليوم — كما يقول — "تقريباً كل شيء نتعامل معه". فارتفاع كلفة المكوّنات الأساسية، وفي مقدمتها الذاكرة، سينعكس تباعاً على أسعار السلع.

من السلع إلى الخدمات: انتقال أثر الكلفة

يؤكد الكيلاني أن التأثير لن يتوقف عند المنتجات المادية، بل سيمتد إلى الخدمات الرقمية. فكل خدمة تعتمد على بنية تحتية رقمية، وإذا ارتفعت كلفة هذه البنية، سترتفع تلقائياً كلفة الخدمة المقدمة. ومن ثم، فإن اختلال سوق الذاكرة يتحول إلى عامل ضاغط على منظومة الاقتصاد الرقمي بأكملها.

أخبار ذات صلة

مراكز بيانات في الفضاء.. هل يتحقق حلم إيلون ماسك؟
الهند تسعى إلى تصنيع أشباه موصلات متطورة

وفي تقديره، من الصعب تحديد نسبة موحدة للارتفاعات المتوقعة في أسعار الأجهزة، لأن مساهمة الذاكرة تختلف من تطبيق إلى آخر. فبعض الأجهزة تعتمد بكثافة على الذاكرة، بينما تكون الزيادة أخف في الأجهزة التي تُدمج فيها الذاكرة ضمن شرائح المعالجة الأساسية. إلا أنه يرجّح أن يشهد السوق نقصاً في الإمدادات خلال الفترة المقبلة، مع انعكاس ذلك على أسعار العديد من السلع والخدمات.

عنق الزجاجة: سنتان إلى ثلاث سنوات من الضغوط

يقدّر الكيلاني أن السنتين إلى الثلاث المقبلة ستكون "الأصعب" وتشكل عنق الزجاجة الفعلي، قبل أن تبدأ طاقات إنتاجية جديدة وسلاسل توريد بديلة بالدخول إلى السوق. ويرى أن عدداً من الدول يتجه للاستثمار في هذا المجال، إدراكاً منها لعدم صحة تركّز الصناعة في نطاق محدود.

أخبار ذات صلة

قطاع البرمجيات "في أزمة".. ما السبب؟
سباق الذكاء الاصطناعي يشعل إنفاقا تاريخيا لشركات التكنولوجيا

إلا أن هذه الاستثمارات، بحسب الكيلاني حتى وإن انطلقت، تحتاج إلى وقت طويل وخبرة متراكمة، مشيراً إلى تميز كوريا الجنوبية في هذا القطاع تحديداً، في مقابل تركيز شركات أخرى تاريخياً على وحدات المعالجة المركزية (CPU) ووحدات معالجة الرسومات (GPU) أكثر من الذاكرة. ويستحضر هنا مرحلة سابقة كانت فيها الذاكرة تُعامل كسلعة اعتيادية (Commodity)، مع وفرة في العرض وإغراق للأسواق، ما حدّ آنذاك من جاذبية الاستثمار فيها.

فرصة استثمارية في قلب الأزمة

في ضوء التحول الجاري، يرى الكيلاني أن القطاع يطرح فرصة أمام المستثمرين للدخول، مدفوعاً بتغير معادلة العرض والطلب. فالذكاء الاصطناعي، الذي "بدأ يلتهم" أضعاف عدد الشرائح المطلوبة سابقاً، أعاد رسم خريطة الجدوى الاستثمارية للقطاع، وغيّر النظرة إليه من نشاط منخفض الهوامش إلى ركيزة استراتيجية في الاقتصاد الرقمي.

أزمة رقائق الذاكرة تربك العالم