في الظاهر، قد يبدو الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا تُدار من خلال الأكواد والخوارزميات، ولكن خلف هذا المشهد يجري تشييد عالم مادي بالغ التكلفة يتمثل بمراكز البيانات، التي تمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة على التفكير والتنفيذ في أجزاء من الثانية.

وبحسب تقرير نشرته "بلومبرغ"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن الأموال المطلوبة لبناء مراكز البيانات اللازمة للاستعداد لثورة الذكاء الاصطناعي، تتجاوز حاجز الـ 3 تريليونات دولار ويمكن أن تصل إلى 5 تريليونات دولار، في حين أن أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، مثل أمازون ومايكروسوفت وميتا بلاتفورمز، غير مستعدة لتغطية هذا المبلغ من مواردها المالية فقط، رغم أنها تتوق للتوسع في هذا المجال.

أخبار ذات صلة

ماسك يتعهد بنقل مراكز البيانات إلى الفضاء
ألفابت تعتزم رفع إنفاقها على الـ AI إلى 185 مليار دولار

إذاً، من أين سيأتي التمويل؟

الإجابة بسيطة ومعقدة في الوقت نفسه: من كل مكان، من سندات الشركات الكبرى، وديون الشركات ذات التصنيف الائتماني المنخفض، والائتمان الخاص، ومحافظ القروض المعقدة المدعومة بأصول، حيث يقول مات ماكوين، الذي يشرف على الائتمان العالمي والمنتجات المُسندة في بنك أوف أميركا، إن الأرقام المطلوبة لا مثيل لها، ولم يرها أي شخص ممن عملوا في هذا المجال لمدة 25 عاماً، وبالتالي يجب البحث في جميع السبل لإنجاح هذا الأمر.

ومع تزايد الطلب على تمويل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فإن "الدين" سيتحوّل إلى أداة مركزية لتمويل الابتكار، حيث قدم تقرير "بلومبرغ" دليلاً شاملاً لمصادر التمويل المتاحة حالياً لبناء مراكز البيانات، والتي هي كالآتي:

أخبار ذات صلة

سيمنس إنرجي تعتزم استثمار مليار دولار في أميركا
الثورة الصناعية الخامسة: لماذا تتقدم الإمارات بثبات؟

1. سندات ذات تصنيف استثماري:

تُعد سوق السندات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري أحد أهم مصادر التمويل للشركات في العالم، لذا يتم الاعتماد على هذه السوق بشكل كبير لتمويل تطوير الذكاء الاصطناعي.

وتُعتبر السندات ذات التصنيف الاستثماري "الملاذ الآمن" في سوق الدين، فهي ديون تصدرها شركات ذات ملاءة مالية قوية وتصنيف ائتماني مرتفع (مثل A أو BBB)، وتتميز بمخاطر تخلف عن السداد منخفضة جداً، مما يجعلها الخيار الأول للمستثمرين المحافظين، رغم أنها تقدم عوائد أقل مقارنة بالسندات عالية المخاطر.

ولكن سوق السندات ذات التصنيف الاستثماري، لا تنظر إلى جميع الشركات العملاقة في مجال الحوسبة السحابية على قدم المساواة، فمثلاً تعتبر السوق أن شركة أوراكل من الأكثر خطورة، لأنها أكثر مديونية مقارنة بأرباحها، علماً أن تصنيف الشركة هو أعلى بخطوتين فقط من تصنيف "غير المرغوب فيه".

كما تعتبر السوق أن أوراكل تستثمر الكثير في الذكاء الاصطناعي، لدرجة أنها تحرق الأموال، ولذلك ارتفعت تكلفة وحجم عقود التأمين المتداولة مقابل ديون أوراكل بشكل حاد في نهاية العام الماضي، حيث قام البنوك والمستثمرون بالتحوط من المخاطر.

أخبار ذات صلة

كيف توزع استثماراتك في الذكاء الاصطناعي عام 2026؟

في المقابل، اقترضت شركات ألفابت، وأمازون، وميتا، وأوراكل 93 مليار دولار من سوق سندات الشركات الأميركية ذات التصنيف الاستثماري بحلول عام 2025، أي ما يعادل 6 في المئة تقريباً من إجمالي الديون التي تم إصدارها العام الماضي. وقد استوعبت هذه السوق، التي تبلغ قيمتها حوالي 8 تريليونات دولار، الجولة الأولى من إصدارات السندات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بسهولة، في وقت يتوقع فيه بنك جيه بي مورغان حصول صفقات بقيمة 300 مليار دولار سنوياً في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وذلك على مدى السنوات الخمس المقبلة.

2. السندات عالية العائد والقروض ذات الرافعة المالية

تُخصص هذه الأسواق التي يبلغ حجمها الإجمالي حوالي 3 تريليونات دولار في الولايات المتحدة، للشركات ذات المخاطر العالية. وفي العام الماضي، تم عقد ثلاث صفقات بيع لسندات عالية المخاطر، بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 7 مليارات دولار لتمويل بناء مراكز بيانات جديدة محددة. وبينما يتم بيع السندات ذات التصنيف الاستثماري بفائدة تتراوح بين 4 بالمئة و4.5 بالمئة، فإن السندات عالية العائد، يتم بيعها بفائدة تتراوح بين 7 بالمئة و9 بالمئة.

3. السندات القابلة للتحويل

السندات القابلة للتحويل تُشبه مزيجاً بين الدين والأسهم، حيث تُمكّن الشركة من الاقتراض مع خيار تحويل الدين إلى أسهم، في حال ارتفع سعر السهم إلى مستوى مُحدد مُسبقاً، إذ يُؤدي الارتفاع في قيمة الأسهم إلى انخفاض تكاليف الاقتراض بشكل ملحوظ، فمثلاً باعت شركة CoreWeave سندات قابلة للتحويل بقيمة 2.25 مليار دولار في ديسمبر بفائدة 1.75 بالمئة فقط.

أخبار ذات صلة

سجواني: داماك تطوّر مراكز بيانات حول العالم بقدرة 4000 ميغا
العام الأول لترامب.. قادة التكنولوجيا يسجلون مكاسب قياسية

4. التمويل المهيكل

لا يعتمد التمويل المهيكل على القروض التقليدية البسيطة، بل يقوم على "هندسة" حلول تمويلية مخصصة للمشاريع الضخمة التي تعجز الوسائل العادية عن تغطيتها.
وتبدأ العملية عبر تجميع أصول متنوعة (مثل عقود إيجار مراكز البيانات)، ووضعها في كيان قانوني مستقل، ثم تحويلها إلى أوراق مالية أو شرائح ائتمانية تُباع للمستثمرين بناءً على درجات متفاوتة من المخاطر والعوائد.

ويقول تشونغ سين، رئيس قسم أبحاث سندات الرهن العقاري التجاري في جي بي مورغان، إن أسواق التمويل المهيكل، مولت تاريخياً مراكز البيانات لخدمات الحوسبة السحابية التقليدية، وليس لأحمال الذكاء الاصطناعي الضخمة، مشككاً في قدرة هذه الأسواق على استيعاب صفقات الذكاء الاصطناعي الضخمة التي شهدها العالم العام الماضي.

5. سندات "بينيه" أو Beignet Bonds

ليس مصطلحاً مالياً تقليدياً، بل هو اسم رمزي وتجاري لواحد من أضخم وأحدث الابتكارات في عالم تمويل الذكاء الاصطناعي، وتحديداً لشركة Meta.

وكلمة Beignet تدل على نوع من المعجنات الشهيرة في مدينة نيو أورلينز الأميركية، حيث أطلقت ميتا هذا الاسم الرمزي على مشروع تمويل ضخم لبناء مركز بيانات عملاق في ولاية لويزيانا.

وتعتمد هذه السندات على فكرة "التمويل من خارج الميزانية العمومية"، فبدلاً من أن تقترض ميتا المال مباشرة وتضعه كديون في سجلاتها، تم إنشاء شركة SPV أو شركة ذات غرض خاصة، وقامت هذه الشركة المستقلة بإصدار السندات واقترضت حوالي 27 مليار دولار.

والمستثمرون الذين اشتروا هذه السندات يثقون في أن ميتا ستدفع إيجاراً لمركز البيانات لسنوات طويلة، وهذا الإيجار هو الذي سيُسدد منه ثمن السندات.

وقد فعلت ميتا ذلك لحماية تصنيفها الائتماني، وكي لا تظهر مديونية الشركة ضخمة جداً أمام المستثمرين في سوق الأسهم.

6. الاكتتابات الخاصة

الاكتتابات الخاصة هي عملية إصدار وبيع أوراق مالية، مثل السندات أو القروض، مباشرة لمستثمرين محددين بدل طرحها في السوق العامة. وتُستخدم هذه الطريقة غالباً من قبل الشركات الكبرى لتمويل مشاريع كبيرة، حيث يتيح ذلك التفاوض على شروط الدين بما يتناسب مع احتياجات المستثمرين.

وتلعب شركات التأمين دوراً رئيسياً في هذه السوق، إذ تبحث عن صفقات يمكن شراؤها والاحتفاظ بها لتغطية التزاماتها الطويلة الأجل. وتوفر الاكتتابات الخاصة استقراراً أكبر مقارنة بالسندات المتداولة علناً، مع عوائد محددة، وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق، ما يجعلها أداة مثالية للمستثمرين المؤسساتيين.

7. الائتمان الخاص

في عالم المال، يبرز "الائتمان الخاص" كقوة تمويلية موازية للبنوك التقليدية، حيث تقوم صناديق استثمارية متخصصة بإقراض الشركات مباشرة بعيداً عن الأسواق العامة أو البورصات. وتعد هذه الصناديق "الممول الجريء" لثورة الذكاء الاصطناعي، إذ توفر سيولة ضخمة لبناء مراكز البيانات وتطوير البنية التحتية التقنية المعقدة.

وتكمن جاذبية هذا النوع من التمويل في سرعة التنفيذ والمرونة العالية في صياغة العقود، مقابل فوائد أعلى تدر أرباحاً مجزية للمستثمرين مثل صناديق التقاعد.

ويبلغ حجم قروض الائتمان الخاص، القائمة حالياً للشركات العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر من 200 مليار دولار. ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى ما بين 300 و600 مليار دولار بحلول عام 2030، وفقاً لبنك التسويات الدولية.

8. قروض تمويل المشاريع

على مدى عقود، موّلت "قروض تمويل المشاريع" إنشاء المطارات ومحطات توليد الطاقة بالغاز الطبيعي ومزارع الرياح وغيرها الكثير.
ويتم منح هذه القروض بناءً على قدرة المشروع على توليد الأرباح مستقبلاً، حيث يكون المشروع نفسه هو "الضامن" والمسدد للدين من تدفقاته النقدية، مما يحمي الميزانيات العمومية للشركات الأم من المخاطر المباشرة.

أما الجهات التي تقف خلف إصدار هذه القروض، فهي تحالفات مالية كبرى تقودها البنوك الاستثمارية، وتشارك فيها صناديق الائتمان الخاص لمرونتها العالية، وشركات التأمين التي تبحث عن أصول طويلة الأمد.

وتعمل هذه الجهات معاً عبر "شركات غرض خاص" (SPV) لضخ مليارات الدولارات اللازمة لبناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مما يحول الطموحات التقنية إلى واقع مادي ملموس وممول بالكامل.

إعادة تشكيل أسواق التمويل

ومن المتوقع أن تصبح القنوات المالية التي ذكرها تقرير "بلومبرغ" محركات رئيسية للنمو والابتكار التكنولوجي في العقود المقبلة، ما سيعيد تشكيل أسواق التمويل العالمية. ففي العام الماضي، لجأت الشركات والمشاريع المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى أسواق الدين لجمع ما لا يقل عن 200 مليار دولار، وهو على الأرجح رقم أقل بكثير من الواقع، نظراً لأن العديد من الصفقات كانت خاصة. كما تشير التوقعات إلى إصدارات بمئات المليارات من الدولارات لعام 2026 وحده، حيث قد يؤدي الطلب المتزايد على السيولة إلى رفع تكاليف الاقتراض في جميع أنحاء الشركات الأميركية.

مخاطر توسّع الإقراض

ولكن، وسط هذه الطفرة في الحلول التمويلية، تبرز مخاطر كامنة في توسّع الإقراض، فماذا لو لم يتبنَّ عدد كافٍ من الأفراد والشركات تقنيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وماذا سيحصل إذا جاءت الإيرادات أقل من التوقعات. وأيضاً هناك مخاطر أخرى أقل وضوحاً، فالتكنولوجيا تتطور بسرعة فائقة في سباق الذكاء الاصطناعي، إذ قد يصبح مركز البيانات الذي يُبنى اليوم قديماً، ووحدات معالجة الرسومات والرقائق الموجودة داخله، قديمة بسرعة وبشكل غير متوقع، وذلك قبل سداد الدين المستحق.

وربما يكون الخطر الأكبر الذي يواجه المستثمرين، هو اتساع أساليب تمويل الذكاء الاصطناعي، فمع تزايد القروض والسندات والشركات ذات الأغراض الخاصة، يصبح من الصعب تحديد حجم استثمارات أي شركة أو محفظة في مجال الذكاء الاصطناعي.

أخبار ذات صلة

بلاكستون تستثمر حوالي 4 مليارات يورو بمركز بيانات في ألمانيا
كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل أسواق المعادن حتى 2040؟

تحوّل في وظيفة أسواق الدين

ويقول الخبير والمستشار المصرفي بهيج الخطيب، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد طفرة استثمارية في قطاع جديد، بل تحوّل تاريخي في وظيفة أسواق الدين نفسها، فتقليدياً كانت هذه الأسواق تموّل أصولاً ذات تدفقات نقدية واضحة وبطيئة نسبياً مثل، مصانع، بنى تحتية، طاقة وعقارات، أما مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، فهي أصل هجين، كثيف رأس المال، سريع التقادم التكنولوجي، وغير مضمون الطلب النهائي، وبالتالي فإن هذا التحوّل يفرض على المصارف والمستثمرين إعادة تعريف مفاهيم المخاطر، لأن الرهان لم يعد فقط على قدرة المقترض على السداد، بل على سرعة تبنّي التكنولوجيا نفسها وعلى عمرها الاقتصادي الفعلي.

وبحسب الخطيب فإن الملفت هو أن شركات التكنولوجيا العملاقة ورغم ميزانياتها الضخمة، اختارت عن قصد عدم تمويل فاتورة مراكز البيانات من حقوق المساهمين، وهذا القرار يعكس منطقاً مالياً واضحاً يتمثل بنقل المخاطر إلى أسواق الدين، وتحديداً إلى مستثمرين يبحثون عن العائد في عالم يشهد انحساراً في الفرص التقليدية، مشيراً إلى أنه مع تعدد مصادر التمويل، يُصبح الدين أداة لتوزيع المخاطر أكثر منه مجرد وسيلة تمويل، فالسندات والائتمان الخاص والتمويل المهيكل، جميعها حلول تسمح بتفتيت الفاتورة العملاقة لبناء مراكز البيانات إلى شرائح متفاوتة المخاطر، ما يجعلها "قابلة للهضم" من قبل النظام المالي العالمي.

مخاطر التفاؤل المبكر

ويحذر الخطيب من خطورة التوسّع السريع للمشاريع، فكلما زادت شهية المستثمرين لتمويل مراكز البيانات، كلما زاد خطر التسعير الخاطئ للمخاطر، حيث أن التجربة التاريخية تُظهر أن أسواق الدين تميل إلى الإفراط في التفاؤل خلال المراحل الأولى من أي ثورة تكنولوجية، قبل أن تعود وتُعيد التسعير بقسوة، مشدداً على أنه إذا تبيّن لاحقاً أن توقعات الطلب على أنظمة الذكاء الاصطناعي كان مبالغاً بها، أو أن المنافسة الشديدة تسببت بضغط حاد على هوامش الربح، فإن أول من سيتأثر ليس شركات التكنولوجيا نفسها، بل حاملو الديون أنفسهم.

ضبابية أعلى

ويعتبر الخطيب أن الابتكارات التمويلية، مثل سندات "بينيه"، تجسد استراتيجية ذكية لعزل المخاطر وحماية الميزانيات العمومية للشركات الكبرى، إلا أن هذا النهج يولد "هندسة مالية معقدة" تتسم بالضبابية، فمع تعدد الشركات ذات الغرض الخاص (SPVs)، وتشابك عقود الإيجار والضمانات المتبادلة، يصبح من الصعب على المستثمرين، وحتى الجهات الرقابية، تكوين صورة كاملة عن حجم التعرض الحقيقي لمخاطر الذكاء الاصطناعي داخل النظام المالي.

اختبار تسعير الابتكار

وختم الخطيب حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، بالإشارة إلى أن تمويل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى اختبار قاس لمدى قدرة الأسواق على تسعير الابتكار، إذ أن النجاح هنا لن يُقاس فقط بحجم الأموال التي تم جمعها، بل بمدى قدرة النظام المالي على امتصاص الصدمات إذا تغيّرت التوقعات، سواء تباطأ تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، أو تراجعت العوائد المتوقعة، أو تسارعت وتيرة التقادم التكنولوجي بما يجعل بعض هذه الاستثمارات أقل جدوى قبل سداد ديونها.

ترامب فجر أزمة جيوسياسية في أوروبا .. والأسواق تدفع الفاتورة