يراهن المستثمرون العالميون بقوة مع مطلع عام 2026 على عودة الأصول الصينية إلى دائرة الضوء، في تحوّل لافت يعكس إعادة تموضع واسعة لرؤوس الأموال نحو ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وسط تصاعد الضبابية الجيوسياسية وتراجع اليقين في الأسواق الغربية.

يأتي هذا الرهان مدفوعًا بمكاسب متزامنة ونادرة في سوق الأسهم واليوان، أعادت إلى الأذهان دور الصين كوجهة استثمارية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

تعزّز التقارير الدولية هذا المزاج التفاؤلي، مع رفع مؤسسات مالية كبرى تقييماتها للأسهم الصينية، مستندة إلى جاذبية التقييمات، وتحسّن توقعات الأرباح، والسياسات الصناعية الداعمة، في وقت تتداول فيه الأسواق الأميركية والأوروبية قرب قمم سعرية مثقلة بالمخاطر. كما أسهم استقرار النظام المصرفي وتعافي بعض مؤشرات النشاط الصناعي في ترسيخ قناعة بأن الاقتصاد الصيني دخل مرحلة توازن أكثر صلابة.

أخبار ذات صلة

البورصات في الصين ترفع متطلبات التمويل بالهامش إلى 100%
توقعات الفائدة 2026.. الأسواق تتأرجح بين التثبيت والخفض

رفع التقييمات

يشير تقرير لـ "بلومبيرغ" إلى أن:

  • المستثمرون يكثفون رهاناتهم على الأسهم والعملة الصينية مع بداية عام 2026، مما يشير إلى تحول أكثر حسمًا نحو أصول البلاد في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين العالمية.
  • رفعت شركات الاستثمار العالمية، من مجموعة غولدمان ساكس إلى مجموعة بيرنشتاين سوسيتيه جنرال، تقييمها لثاني أكبر سوق للأسهم في العالم، مشيرة إلى التقييمات الجذابة والسياسات الصناعية الداعمة وتوقعات الأرباح المتفائلة .
  • مع سماح بكين لليوان بتجاوز مستوى 7 يوانات للدولار، يُضاعف المشاركون في السوق استثماراتهم في العملة، ويتوقع البعض أن يرتفع سعره إلى 6.25 يوان هذا العام. ومن بين الجهات التي تُفضّل اليوان: سيتي غروب، وبي إن بي باريبا لإدارة الأصول، وبنك أوف أميركا.

جاءت هذه الموجة التفاؤلية المتزايدة في أعقاب الارتفاع المتزامن النادر الذي شهدته الصين في سوق الأسهم والعملة العام الماضي، وهي دورة إيجابية قد تعزز الثقة في أصول البلاد.

سارة الياسري: قرار ترامب يضغط على أرباح البنوك

كما أن المرونة غير المتوقعة التي أظهرتها بعض قطاعات ثاني أكبر اقتصاد في العالم، بدءًا من ازدهار الصادرات ووصولًا إلى تعافي النشاط الصناعي واستقرار النظام المصرفي، تبعث الأمل في أن القطاعات المتأخرة، مثل العقارات وأسهم المستهلكين، قد تستحق إعادة النظر فيها.

ونقل التقرر عن استراتيجية الاستثمار في معهد فرانكلين تمبلتون، كريستي تان، قولها: "يمكن أن يساعد اليوان القوي في دعم الأسهم من خلال تحسين العوائد المقومة بالدولار ومعنويات المخاطرة. وفي الوقت نفسه، يمكن أن تدعم التدفقات الحقيقية إلى سوق الأسهم، مدفوعة بالأرباح والثقة، العملة".

ارتفع مؤشر رئيسي لأسهم الشركات الصينية المدرجة في بورصة هونغ كونغ بأكثر من 22 بالمئة العام الماضي، ليصبح بذلك أحد أفضل المؤشرات الرئيسية أداءً في العالم.

وعزز اليوان قيمته بأكثر من 4 بالمئة مقابل الدولار في عام 2025، مسجلاً أفضل مكاسبه في خمس سنوات. وكانت هذه المرة الأولى التي يرتفع فيها العملتان معاً منذ عام 2017.

أخبار ذات صلة

الاقتصاد الأميركي أمام اختبار حاد للثقة
توتر واشنطن وطهران.. ماذا يعني لأسواق النفط والطاقة؟

المزاج الاستثماري

يوضح خبير أسواق المال، محمد سعيد، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • الأسواق العالمية شهدت تحولًا واضحًا في المزاج الاستثماري لصالح الأصول الصينية، وهو ما انعكس بوضوح في أداء العملة، بعدما وصل اليوان مستوى السبعة يوانات مقابل الدولار لأول مرة منذ نحو عامين ونصف، في إشارة قوية على عودة الثقة العالمية في الاقتصاد الصيني.
  • هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مزيج اقتصادي متكامل، في مقدمته الأداء القوي للصادرات الصينية التي فاقت التوقعات وحققت فوائض تجارية ضخمة تجاوزت حاجز التريليون دولار، ما وفر دعمًا حقيقيًا للعملة المحلية وعزز مكانتها كمخزن للقيمة، في وقت يتجه فيه العالم تدريجيًا لتقليص الاعتماد على الدولار.
  • هذا التطور تزامن مع بيئة مالية عالمية تصب في مصلحة بكين، مع بدء البنوك المركزية الغربية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في خفض أسعار الفائدة لمواجهة تباطؤ النمو وضعف سوق العمل، وهو ما أدى إلى تراجع نسبي في قوة الدولار وانخفاض جاذبية الأصول المقومة به.

وفي المقابل، يؤكد أن البنك المركزي الصيني يدير المشهد بحنكة، عبر سياسات نقدية وتحفيزية مرنة تدعم الطلب المحلي دون الإضرار بقوة اليوان، ما خلق تباينًا واضحًا جعل الصين تبدو للمستثمرين كفرصة استثمارية جذابة.

ويتابع أن الأسهم الصينية تتداول حاليًا عند مستويات تقييم منخفضة للغاية، مع مضاعفات ربحية تعكس خصمًا يقترب من 40 بالمئة مقارنة بالأسواق الأميركية والأوروبية، التي وصلت إلى مستويات سعرية مرتفعة قد تكون مبالغًا فيها.

عام ذهبي للأسواق الصينية .. والمكاسب بتريليونات الدولارات

ويؤكد سعيد أن جاذبية السوق الصينية لا تقتصر على رخص الأسعار، بل تمتد إلى تحسن نوعي في أساسيات الشركات، مدعومًا بسياسات الحكومة الجديدة التي تهدف إلى كبح المنافسة السعرية غير المستدامة ووقف حروب الأسعار، بما يسمح بتحسين هوامش الربحية ورفع توقعات أرباح المساهمين خلال 2026 بوتيرة تفوق معدلات النمو السابقة.

كما يلفت إلى أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة ركزت بشكل واضح على التكنولوجيا والاستقلال التقني، وهو ما تجسد في قفزات نوعية مثل نموذج DeepSeek في مجال الذكاء الاصطناعي، الذي أعاد تشكيل نظرة العالم لقدرات الصين التقنية، مؤكدًا انتقالها من مجرد مركز تصنيع منخفض التكلفة إلى لاعب عالمي رائد في الابتكار والتصنيع المتقدم.

ويختتم خبير أسواق المال بالقول:

  • هذه العوامل مجتمعة أسست لما يمكن تسميته بـ "الدورة الإيجابية المتكاملة"، حيث يسهم ارتفاع اليوان في تعزيز عوائد المستثمر الأجنبي بالدولار وتقليص تكاليف التحوط، ما يشجع عودة قوية لرؤوس الأموال الأجنبية.
  • بدأت السيولة المحلية تتحرك بشكل لافت، مع اتجاه الأسر الصينية إلى تحويل جزء من مدخراتها الضخمة من الودائع البنكية منخفضة العائد وسوق العقارات الذي لا يزال في طور التعافي، نحو سوق الأسهم بحثًا عن عوائد أعلى وتوزيعات أرباح أفضل.
  • الرهان في 2026 هو رهان استراتيجي طويل الأجل، قائم على تحول هيكلي عميق في الاقتصاد الصيني من النمو الكمي إلى الجودة والابتكار، وسط بيئة دولية مهيأة لعودة التنين الصيني إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي.

بحسب تقرير لـ "غلوبال تايمز"،يقول محللون إن الارتفاع الذي شهدته الأسهم الصينية منذ بداية عام 2026 يُعد مؤشراً إيجابياً على استمرار السوق الصاعدة البطيئة طويلة الأجل طوال العام.

أخبار ذات صلة

بين تفاؤل المستثمرين وحذر الأسواق.. من يحدد مسار الذهب؟
مكاسب آسيوية وضغوط على وول ستريت مع تصاعد التهديدات ضد باول

في الوقت نفسه، يتزايد إقبال المستثمرين على تسارع وتيرة التطور التكنولوجي في الصين وظهور قوى إنتاجية نوعية جديدة، مما سيعزز نمو سوق رأس المال.

الاقتصاديين في صندوق "فيرست سيفرونت" في شنتشن، يشيرون إلى أنه من المتوقع أن تستمر هذه الجولة من السوق الصاعدة من ثلاث إلى خمس سنوات، أو حتى من خمس إلى عشر سنوات، مسجلةً بذلك أول صعود بطيء وطويل الأمد في تاريخ أسهم الفئة "أ"، بما يتماشى مع توقعات المستثمرين. وسيستمر تأثير الأرباح القوي في جذب رؤوس الأموال من الأفراد والمؤسسات.

رهانات قوية

من جانبها، تقول الكاتبة الصحافية الصينية، سعاد ياي شين هوا، لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية":

  • الرهانات القوية التي تبديها الأسواق الدولية في 2026 على الأسهم الصينية واليوان الصيني لا تعكس مجرد موجة مضاربات قصيرة الأجل، بل تمثل نتيجة تراكم مجموعة من العوامل الأساسية، وتعبر عن إعادة تقييم شاملة لاستقرار الاقتصاد الصيني على المديين المتوسط والطويل.
  • متانة الأداء الاقتصادي الصيني باتت أكثر وضوحًا، إذ يواصل الاقتصاد الحفاظ على نمو ضمن نطاق معقول رغم تعقيد البيئة الخارجية، مستندًا إلى سياسات كلية تقوم على مبدأ "الاستقرار مع التقدم".
  • السياسات المالية التوسعية المعتدلة، إلى جانب سياسة نقدية مرنة ومتوازنة، توفر للأسواق رؤية أوضح وتوقعات أكثر استقرارًا.

وتشير إلى أنه في وقت تعاني فيه بعض الاقتصادات الكبرى من تضخم مرتفع، وديون ثقيلة، وحالة عدم يقين في السياسات، تصبح قابلية التنبؤ بالاقتصاد الصيني ميزة نادرة تعزز ثقة المستثمرين وتجذب رؤوس الأموال العالمية.

أخبار ذات صلة

هل تقود أسهم الدفاع الزخم في "وول ستريت" خلال 2026؟
"بيع أميركا" يعود إلى الواجهة بعد تصعيد ضد رئيس الفيدرالي

وتتابع أن إصلاحات سوق رأس المال في الصين تتعمق بوتيرة متواصلة، حيث واصلت بكين تحسين نظام سوق الأسهم، وتعزيز آلية التسجيل، ورفع مستويات الشفافية والإفصاح، الأمر الذي يعزز القيمة الاستثمارية طويلة الأجل. كما تؤكد أن تطوير آليات الربط بين السوق الصينية والأسواق الدولية أسهم في زيادة جاذبية الأصول الصينية لدى المستثمرين الأجانب.

وتوضح الكاتبة أن المزايا الهيكلية للاقتصاد الصيني تتعزز بشكل لافت في مجالات التكنولوجيا والصناعة المتقدمة، لافتة إلى أن قطاعات الطاقة الجديدة، والذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات عالية التجهيز، تواصل إطلاق إمكانات نمو قوية، ما يشكل ركيزة أساسية لتعافي تقييمات الأسهم الصينية. وتشير إلى أن الرهان هنا لا يقوم على انتعاش مؤقت، بل على مستقبل "قوى الإنتاج الجديدة النوعية" ودورها في ترقية الهيكل الصناعي على المدى الطويل.

وتؤكد سعاد ياي أن:

  • استقرار سعر صرف اليوان الصيني يشكل عامل جذب إضافيًا، مدعومًا باحتياطيات الصين الكبيرة من النقد الأجنبي، وقدرتها القوية على إدارة تدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود.
  • اليوان بدأ يبرز كعملة ذات وظيفة "مرساة استقرار" في ظل تقلبات العملات العالمية الكبرى، ما يعزز شهية المستثمرين الدوليين للاحتفاظ بالأصول المقومة به.
  • اختلاف دورات السياسة النقدية بين الصين والاقتصادات الغربية يفتح نافذة فرص جديدة.

وتختتم بالقول إن الرهانات القوية على الأسهم الصينية واليوان في العام 2026 تعكس في جوهرها ثقة متزايدة في متانة الاقتصاد الصيني، واستقرار سياساته، وآفاقه الواعدة في التحول الصناعي والتكنولوجي، مؤكدة أن هذه الرهانات ليست مجرد خيار مالي قصير الأجل، بل تصويت طويل الأمد لصالح استدامة النموذج التنموي الصيني.

الياسري: الأسهم الأميركية والذهب في مسار صاعد