وسط تصاعد التوترات في منطقة الخليج، تتكشف أبعاد استراتيجية معقدة للنظام الإيراني، تمتد بين مفاهيم القوة التقليدية والمرونة التكتيكية على مستوى الميدان والدبلوماسية.
في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، قدم الباحث السياسي والاستراتيجي أمجد طه، والباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عبدالله صوالحة قراءة معمقة لمستوى التحولات الإيرانية، تأثيرها على الأمن الإقليمي، وتداعياتها على التحالفات الدولية.
المرونة البطولية.. فلسفة التراجع التكتيكي
يرى الباحث السياسي والاستراتيجي أمجد طه أن فهم السلوك الإيراني يتطلب العودة إلى ما يصفه النظام الإيراني بـ"فلسفة المرونة البطولية".
ويشير إلى أن هذه الفلسفة طرحت بشكل واضح من قبل المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في عام 2011، في سياق تفسيره لما جرى عام 2009 مع انطلاق المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
وبحسب طه، تقوم هذه الفلسفة على مبدأ التراجع التكتيكي المؤقت بهدف تحقيق غاية استراتيجية أكبر. ويستشهد في ذلك بالتشبيه الذي استخدمه خامنئي عندما قال إن العدو قد يمسك يد خصمه أثناء المعركة، وإذا استمر هذا الأخير في المقاومة فقد تنكسر يده، لذلك يكون الخيار الأفضل هو السير مع حركة الخصم مؤقتا حتى تتاح فرصة الهجوم مجددا.
في هذا السياق، يوضح طه أن هذا المفهوم يندرج ضمن آلية تفكير النظام الإيراني في التعامل مع الأزمات، حيث يتم اللجوء إلى التراجع المؤقت أو المرونة التكتيكية عندما تفرض موازين القوى ذلك، من دون التخلي عن الأهداف الكبرى للنظام.
التفاوض كأداة لبقاء النظام
ويؤكد طه أن هذا المنطق يفسر أيضا موقف إيران من مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة. فبحسب ما نقل عن علي لاريجاني، فإن طهران لا ترى مشكلة في الدخول في مفاوضات حتى مع الولايات المتحدة.
وبناء على ذلك، فإن المفاوضات بالنسبة لإيران ليست مسألة مبدئية بقدر ما هي أداة ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى الحفاظ على النظام وتعزيز موقعه.
ويربط طه بين هذا المنطق وبين ما يحدث في الميدان، موضحا أن إيران تتعامل مع التفاوض باعتباره امتدادا للصراع العسكري، إذ إن الطرف الذي يحقق التفوق في ساحة المعركة هو الذي يفرض شروطه على طاولة التفاوض.
الاقتصاد وسلاح التحالفات الدولية
وفي قراءته للتداعيات المحتملة لتحركات إيران، يلفت طه إلى أن استخدام الورقة الاقتصادية قد يؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة لطهران، إذ يمكن أن يدفع العالم إلى تشكيل تحالف دولي واسع لمواجهتها.
ويشير في هذا الإطار إلى أن تداعيات أي تهديد للاقتصاد العالمي قد تمتد إلى دول عديدة، من أوروبا إلى آسيا، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وكوريا الجنوبية، وحتى الصين التي قد تتأثر أيضاً بهذه التحركات.
كما يتحدث طه عن استهداف المخازن النفطية الإيرانية في عدد من المناطق، بما في ذلك طهران وجزيرة خرج، مشيرا إلى أن مثل هذه التطورات تحد من قدرة إيران على تصدير النفط.
وبحسب قراءته، فإن هذه المعطيات قد تسهم في تعزيز الجهود الأميركية لتشكيل تحالف دولي يرى في سلوك النظام الإيراني تهديدا للأمن الدولي، خصوصاً في ظل الهجمات التي استهدفت الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
معادلة الخليج وإيران
وفيما يتعلق بعلاقة إيران بدول الخليج، يوضح طه أن دول الخليج تؤكد باستمرار أنها تتعامل مع إيران باعتبارها جارا، في حين أن طهران تتعامل مع هذه الدول بمنطق الخصومة.
ويشير إلى أن هذه المعادلة قد تتغير في أي لحظة إذا ما تطورت الظروف، مؤكدا أن دول الخليج تمتلك القوة الاقتصادية والقدرة على بناء التحالفات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تتعامل مع هذه القوة بحكمة.
ويضيف أن المنطقة لم تكن ترغب في الوصول إلى خيار الحرب، إذ كانت الخيارات المطروحة قبل ذلك تتمثل في السلام والضغط من أجل دفع الولايات المتحدة إلى التفاوض مع إيران.
غير أن تجربة الاتفاق النووي في عهد إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، بحسب طه، كشفت أن الدول العربية لم تكن حاضرة على طاولة المفاوضات رغم أن الاتفاق منح إيران نحو 15 مليار دولار، الأمر الذي جعل المنطقة تتحمل تبعات هذا الاتفاق لاحقاً.
ويؤكد طه أن الدول العربية تسعى اليوم إلى أن تكون جزءا من أي مفاوضات مقبلة، نظرا لدورها الاقتصادي العالمي وموقعها في منظومة التجارة والطاقة.
صعوبة التفاوض في المرحلة الحالية
من جهته، يرى الباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية عبدالله صوالحة أن إنهاء الحرب يعد هدفا مرغوبا على المستوى الدولي والدبلوماسي، إلا أن المعطيات الحالية تجعل التفاوض أمرا غير مرجح في هذه المرحلة.
ويعزو صوالحة ذلك إلى سببين رئيسيين، أولهما ما يصفه بغياب مفهوم الدولة في إيران. ويقول إن إيران انتقلت من مرحلة الدولة إلى ما بعد الدولة، في إشارة إلى تفكك الأجهزة السياسية والإدارية وعدم قدرة النظام على اتخاذ قرار موحد.
أما السبب الثاني، فيتعلق بعدم اكتمال الأهداف العسكرية التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي يجعل مرحلة التفاوض مؤجلة إلى حين تغير المعطيات الميدانية.
الواقع العسكري يفرض إيقاع السياسة
ويؤكد صوالحة أن الواقع العسكري هو العامل الحاسم في تحديد المسار السياسي والإعلامي للصراع. ويستشهد في ذلك بتصريحات المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، الذي تحدث عن استهداف أكثر من 5500 هدف.
ويرى أن التباين في التصريحات السياسية، سواء من جانب الولايات المتحدة أو من الأطراف الأخرى، قد يكون جزءا من استراتيجية مدروسة تقوم على طرح سيناريوهات متعددة لإرباك صانع القرار الإيراني.
ويشرح أن هذه السيناريوهات تتراوح بين احتمال إرسال قوات برية، أو تنفيذ عمليات خاصة بواسطة قوات الكوماندوز، أو السيطرة على جزيرة خرج التي تمثل منفذاً مهماً لتصدير النفط الإيراني، إضافة إلى سيناريو دعم الأقليات داخل إيران.
وبحسب صوالحة، فإن طرح هذه الاحتمالات يهدف إلى تشتيت قدرات النظام الإيراني وإجباره على توزيع موارده بين احتمالات متعددة.
صراع يتجاوز حدود المنطقة
ويشير صوالحة إلى وجود تيارين داخل الولايات المتحدة فيما يتعلق بالحرب مع إيران. الأول يركز على التداعيات الاقتصادية وتأثيرها على الانتخابات الأمريكية وأمن الطاقة، بينما يسعى التيار الآخر إلى تأكيد موقع الولايات المتحدة باعتبارها القوة العالمية القادرة على فرض إرادتها.
كما يرى أن الحرب لا تقتصر على مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بل تتداخل فيها أبعاد أوسع تتعلق بالصراع مع الصين، بما في ذلك المنافسة التكنولوجية والسيطرة على الموارد والموانئ وشبكات اللوجستيات.
وفي تقييمه للوضع الداخلي في إيران، يذهب صوالحة إلى أن النظام الإيراني بصيغته التي عرفها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية قد انتهى فعليا، معتبرا أن الدولة تحولت إلى ما يشبه بنية ميليشيوية.
ويستند في ذلك إلى تحذيرات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية تحدثت عن استخدام إيران للمنشآت المدنية مثل المدارس والمستشفيات لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة.
ويرى أن هذا السلوك يعكس تحولا في طبيعة الدولة، إذ لم تعد تقوم بدورها التقليدي في حماية المواطنين، بل باتت تستخدم السكان والمنشآت المدنية كأصول استراتيجية ضمن المواجهة العسكرية.
وبحسب صوالحة، فإن هذا النمط من السلوك يشبه إلى حد كبير ما قامت به جماعة الحوثي عندما استهدفت الملاحة البحرية في البحر الأحمر.
احتمالات التحرك الإقليمي
وفي ضوء هذه التطورات، يلمح صوالحة إلى احتمال أن تشهد المرحلة المقبلة تحركات عربية، مشيراً إلى أن دول الخليج تمتلك خطوطا حمراء في هذا السياق، وإن كانت تفاصيلها ذات أبعاد عسكرية وأمنية لا يمكن الإفصاح عنها.
ويخلص إلى أن طبيعة الصراع الراهن، بما يتضمنه من أبعاد عسكرية واقتصادية واستراتيجية، تجعل مسار الأحداث مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، في ظل استمرار المواجهة وتعقيد البيئة الإقليمية والدولية التي تتحرك ضمنها.