الرد إلى الآن اقتصر على أمرين. الأول الرد المعرفي. وهو أسهل أنواع الردود، وذلك لأنها مسألة بلا دليل. وهناك رد آخر سياسي، وهو إبراز الدوافع الحقيقية من وراء هذا التصريح.

نتانياهو كما هو واضح يريد أن يقول إن العدو الحقيقي للشعب اليهودي هم الفلسطينيون، يريد نقل الذاكرة التاريخية عن المحرقة من برلين إلى القدس. وهو يريد ذلك لسببين فيما يبدو.

الأول والأبرز هو لتبرير سياساته ضد الفلسطينيين، ولتخويف اليهود في إسرائيل والعالم من أن أي حقوق فلسطينية تهدد الوجود اليهودي في إسرائيل بالطريقة نفسها التي هدد فيها النازيون اليهود في أوروبا.

والسبب الثاني يعود إلى ضعف تأثير المحرقة بين اليهود المعاصرين. فمنذ عقد تقريبا صارت تتعالى أصوات يهودية شاكية من أن الأجيال اليهودية الناشئة لم تعد متصلة بالمحرقة وجدانيا. لقد صارت شيئا من التاريخ الأليم لأي يهودي – بل لأي إنسان – ولكن لم تعد دافعاً لدعم إسرائيل.

وبالنسبة لليهود المتطرفين فإن هذا يعني ضعف الخوف الوجودي، الذي عاشه كثير من اليهود وكان وقودا لكثير من سياساتهم اليمينية والمتطرفة.

نتانياهو يحتاج إلى أن يشعر اليهود بخطر وجودي، ولذلك يريد إحياء المحرقة. ولكنه لا يريد إحياؤها بربطها ببرلين أنه يحتاج علاقاته مع ألمانيا. ولأن النازية انتهت ولم يعد لها وجود. فاختار أن يحيي المحرقة بربطها بعدوه الأساسي وهو الشعب الفلسطيني.

الردود انهالت على نتانياهو. أغلبها ركز على فساد دعواه من الناحية التاريخية. ولكن الكل يعلم أن المسألة لا علاقة لها بالحقيقة التاريخية من عدمها. لذلك اتجه آخرون نحو دوافعه السياسية ورغبته في إثارة الخوف والكراهية ضد الفلسطينيين.

هذا كله جيد. ولكن لا بد أيضا من أن يعلن الفلسطينيون وغيرهم من أننا جميعا نرفض المحرقة. وقد تكررت الإدانات من زعامات فلسطينية وعربية للمحرقة ولكن لا بد أن تستمر وتعاد. والسبب أن بعض العرب قد أثنى على المحرقة وصار انطباع الكثير من الغربيين أن العرب من حيث المبدأ يؤيدون المحرقة. لذلك أهمية التكرار خاصة في هذا الموقف.

أيضا لا بد من القول بأنه لو فرضا وجدلا كان كلام نتانياهو صحيحاً فهذا خطأ أمين الحسيني وليس خطأ الفلسطينيين. ولا بد من أن نقول أن تحميل نتانياهو  للفلسطينييون لمجرد أن أحد زعمائهم - فرضا - أيد المحرقة ... فبهذا المنطق فإن نتانياهو أيضا يدين الأوربيين المعاصرين لأن أسلافهم ساهم في المحرقة.

ولكن أهم ما يجب أن يُعلن ويتكرر هو أن المحرقة جريمة في حق البشرية كلها، ولكنها لا تعطي اليهود الحق في أن يبتزوا العالم والفلسطينيين ولا تعطي اليهود الحق في أن يمارسوا محرقة أخرى في حق شعب بأكمله بحجة أنهم كانوا يوما ما ضحايا.