وكان من المفروض أن تنتهي العطلة الأسبوع الماضي، لكن رحيل رئيس مجلس النواب حسين الحسيني فرض تمديدها، فالراحل هو مهندس "اتفاق الوفاق الوطني" أي "اتفاق الطائف" وحارس هيكله. وأقل الواجب إلغاء الجلسة الصورية احتراما لرحيله، لذا سارع أصحاب الواجب الذين صادروا مجلس النواب ووظيفته ودوره التشريعي والرقابي إلى إرجاء جلسة الخميس الماضي إلى الأسبوع الحالي.

ولا عجب، فهذا الاتفاق، وبجهود الحسيني، أنقذ أصحاب الواجب قبل ثلاثين عاما ونيف، بعدما كانوا قد استنزفوا كل قدرات ميليشياتهم وكل شعاراتهم، وبدأ الاهتراء يصيب بنيتهم، ليصيروا في نظر اللبنانيين "زعرانا" يعيثون قتلا وخرابا في الأحياء التي يفرضون عليها سطوتهم وسلطتهم وخوَّاتهم.

هذا الاتفاق نقلهم من الشارع إلى جنة الحكم، وفر عليهم تقاتلهم العبثي، فصاروا مسؤولين في الدولة، وتسللوا إلى هيكلها، ليباشروا عملا دؤوبا غايته استغلال الاتفاق، والمسارعة للانقلاب عليه، منذ تسعينات القرن الماضي، وصولا إلى ما نحن فيه.

أصحاب الواجب نكسوا الأعلام وأعلنوا الحداد على الراحل، الذي يمكن اعتباره آخر رجالات الدولة والدستور والتشريع في لبنان، والذي استقال من مجلس النواب احتجاجا على سفكهم بنود "اتفاق الطائف" ومنع روحيته من النمو لتصير جسدا متكاملا لجمهورية يمكن لمؤسساتها الاستمرار ومنح اللبنانيين دولة يثقون بها ويركنون إليها.

تجاهلوا أنهم كانوا يخادعون، وكانوا يزيحون كل من يقف حجر عثرة في وجه مشروع مشغليهم الاقليميين، تماما كما أزاحوا الاتفاق، واكتفوا منه بما يتيح لهم تكديس الأموال عبر التواطؤ على لبنان وخيانته لمصلحة محورهم. ووقفوا يتقبلون التعازي بالراحل الكبير، وتباروا في ابتداع عبارات الإشادة به.

وها هم اليوم، وبعد انتهاء أيام الحداد، يتابعون مسرحيتهم التهريجية من خميس إلى خميس. وبين كل خميسين يعيش اللبنانيون محطات رعب متتالية بفعل ارتدادت ما ارتكبوه، وليس آخر هذه المحطات التنكيل بأهالي ضحايا جريمة تفجير فرفأ بيروت واعتقال أحدهم واقتحام منزله بحثا عن متفجرات، لن تشكل ولو مقدار ذرة مما خزنوه في المرفأ، وسَوْق آخرين للتحقيق، تعسفا وترهيبا وامعانا في ضرب صدقية القضاء المنتهك أصلا بفضلهم والمتشظي على خلفيات سياسية وطائفية.

فأصحاب الواجب لا يقصرون. ويدركون ما يفعلون. المهم بالنسبة لهم إغراق الناس في مزيد من الكوابيس وشغل الرأي العام بأمانه ولقمة عيشه، التي يتردى واقعها أكثر فأكثر مع إقبال لبنان على مزيج من الاحتدامات بفعل بلوغ دولار السوق السوداء حافة الخمسين ألف ليرة واستتباعاته في إشعال الأسعار.

حرفيون ماهرون هم، وستبرز حرفيتهم ومهارتهم في مواجهة الوفود القضائية الأوروبية التي ستحقق ابتداء من هذا الأسبوع في قضايا تهريب الأموال وتبييضها التي أثرت على الاستقرار المالي لدول هذه الوفود، حينها ستصدر القرارات التي تدينهم وتدين من يعمل لمصلحتهم، لكنها لن تؤدي إلى محاكمتهم، لأن هذه المحاكمة يفترض أن يتولاها القضاء اللبناني العاجز حتى عن التصدي لمنتهكي استقلاليته.

على أي حال، لا وقت لدى أصحاب الواجب للتوقف عند إدمان اللبنانيين على اجترار المآسي والنكبات، فهم جديون وملتزمون بالجلسات الصورية لانتخاب رئيس للجمهورية، ليس لأن وجوده يعيد الانتظام إلى الحياة السياسية، ويعيد إحياء السلطة التنفيذية من خلال حكومة طبيعية..

ففي المضمون، عودة الانتظام واستعادة السيادة دونهما عوائق وعراقيل مصدرها رهن "حزب الله" لبنان لمصلحة مشروع مشغله الإيراني، ولن يتغير هذا الواقع بفعل الافراج عن هذا الاستحقاق بعد الاتفاق على تعيين رئيس يحظى برضى الحزب وينصاع له..

أما في الشكل، فهذا الفلكلور المستجد من خميس إلى خميس هو أقصى ما يريدون القيام به، وذلك للإيحاء بأن اللعبة الديموقراطية تسير وفق القواعد المرعية الإجراء.