السباق إلى البيت الابيض

يبدو أن السباق إلى البيت انطلق مبكراً بعد الانتخابات النصفية التي استحوذ فيها الجمهويون بشكل كبير على مقاعد مجلس النواب في حين استحوذ الديموقراطيون على مجلس الشيوخ بفارق مقعد مع الأخذ بعين الاعتبار مقعد رئيس مجلس الشيوخ الحاسم وهو لنائبة الرئيس كاملا هارس. وبالعودة إلى التقرير الصحفي الذي أعده "نوا بيرمان" لصحيفة لوس أنجلوس تايمز الأميركية قبل أيام تحت عنوان "الولايات الأميركية المنقسمة فلوريدا وكاليفورنيا ومستقبل الاستقطاب السياسي"، ذكر في مقدمته ما قاله الحاكم الجمهوري "رون ديسانتيس"، بعد فوزه في الانتخابات الأسبوع المنصرم، عن أن فلوريدا هي "ملاذ للعقل"، في مقابل ذلك وعد الحاكم الديمقراطي "غافن نيوسوم" بأن تكون كاليفورنيا ولاية الحرية الحقيقية" التي ترفض "الشيطنة القادمة من الجانب الآخر"، ولفت التقرير إلى أن إعلاني استقلال الولايتين يعتبر من المؤشرات المبكرة على أن المعارك السياسية الأكثر ضراوة في العامين المقبلين لن تدور في واشنطن، بل بين الولايات المتصارعة بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي وفي ظل هذا الانقسام الحاد هناك تراجع في نسبة التأييد في المجتمع الأميركي للرئيس بايدن، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الأميركي من ارتفاع معدلات التضخم النقدي وارتفاع للأسعار، وقد يكون ذلك مقدمة لعدم وجود قواسم مشتركة بين الديموقراطيين والحزب الجمهوري الذين يسيطرون على مجلس النواب، ويمكن الجزم بأنه بحلول شهر يناير من العام القادم 2023، سيعيش أكثر من 80 في المائة من الأميركيين في ولايات ذات حكومات يسيطر عليها بالكامل أحد الحزبين الرئيسيين، الامر الذي يؤسس لصراع جلي لمزيد من الاستقطاب السياسي بدايته مع الانقسام الحاد بين فلوريدا وكاليفورنيا، وسيحتدم بقوة مع قرب انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2024.

انقسامات حادة في المجتمع الأميركي

رغم بناء المؤسسات الديموقراطية في أميركا التي تعتبر الواحة الأولى للديموقراطية، فإنه بعد أداء المشرعين والحكام الجدد اليمين الدستورية، سيشهد المجتمع الأميركي مزيداً من الاختلافات في مدارسهم وأماكن عملهم وعيادات الأطباء مع عبورهم حدود الولايات، حيث قال "بات ماكروري"، الحاكم الجمهوري السابق لولاية نورث كارولينا، في مقابلة صحفية أجريت معه مؤخرا: "لدى تكساس حاكم محافظ سيدير الأمور وفق ما يراه، في حين لدى كاليفورنيا حاكم ليبرالي يريد أن يفعل ما يحلو له"، وأن حق المواطنين الأميركيين في حمل السلاح، والحصول على الإجهاض، والانضمام إلى نقابة، وحصولهم على الحد الأدنى من الأجور، يعتمد الآن بشكل شبه كامل على ما إذا كانت ولاياتهم زرقاء أم حمراء، في مقابل ذلك تقدم صفوف علم الأحياء والتاريخ الأميركي مناهج مختلفة حول العبودية والجنس البشري، لكن، هناك بعض المساحات، كبيرة كانت ام صغيرة ما زالت غير منقسمة، إذ أقرت كاليفورنيا ونيويورك قواعد عمل هذا العام تهدف إلى تعزيز المساواة في الأجور، والمطالبة بمزيد من الإفصاح عن الرواتب من أرباب العمل، ونظرا لأن المحكمة العليا المحافظة تمنح الولايات مزيدا من الحرية لوضع قواعدها الخاصة بشأن الإجهاض وحقوق التصويت، فإن تلك القضايا القابلة للاشتعال ستلعب دورا أيضا في اتجاهات الاستقطاب السياسي ومستقبله، وقد انضم المدعون العامون والمشرعون إلى حكام الولايات في المعركة الوطنية على أمل جمع التبرعات وتنمية قواعد المعجبين عبر الإنترنت، ويُذكر أنه منذ تولي بايدن منصبه في يناير من العام الماضي 2021، رفع المدعون العامون الجمهوريون (50) دعوى قضائية ضد إدارته بسبب مجموعة من القضايا بما في ذلك معايير الوقود في كاليفورنيا، ولوائح القطاع المالي، والحماية لطلاب LGBTQ. ومن الأهمية الإشارة إلى أنه خلال السنوات الأربع لإدارة الرئيس السابق ترامب، رفع المدعون العامون الديمقراطيون 155 دعوى ضده بشأن قضايا مثل حظر سفره على الأشخاص من الدول الإسلامية وقراره إنهاء الحماية القانونية للأشخاص الذين وصلوا إلى البلاد بشكل غير قانوني وهم أطفال.

ويلحظ المتابع للمشهد الأميركي احتدام وتصاعد الاشتباكات الحزبية بين حكام الولايات الحمراء والزرقاء، فضلاً عن اتساع الفجوات بين تجربة العيش في ولاية حمراء وولاية زرقاء تقسم البلاد بشكل أكثر وضوحا إلى مجتمعين قد يتناحران في المستقبل، خاصة وأنه قد اتسعت الهوة السياسية والحزبية بين الولايات الليبرالية والمحافظة على مدار ثمانية عقود خلت. ويبقى القول بأن الصراع سيكون مفتوحاً على مصرعيه خلال العامين القادمين، حيث ستسعى ادارة بايدن اصدار قوانين يتحسسها المواطن الأميركي بشكل مباشر بغرض كسب صوته في نهاية الامر، وفي الوقت نفس سيحاول الجمهوريون اسقاط اي مشروع قرار لإدارة بايدن مستغلين نفوذهم بمجلس النواب وعدد كبير من الولايات الأميركية الوازنة ،صحيح ان ولايتي فلوريدا وكاليفورنيا كانتا النقطة الساخنة والبداية لعملية الاستقطاب سياسي، لكن اداء ادارة بايدن وخاصة على الصعيد الداخلي سيكون من العوامل التي ترسم الخطا باتجاه البيت الابيض الأميركي.