كان لافتاً في هذه الأسابيع الأولى مثلاً أن يقتصر خطاب الحكومة ورئيسها على الخدمات وإصلاحها والتعيينات واستبدال موظفين بآخرين ومكافحة الفساد.

يظهر كلام السوداني في المعظم تقنياً وواضحاً ويبتعد عن الخطاب الإنشائي المعتاد والإثارات السياسية الخلافية.

أيضاً، يبدو سلوك الإطار التنسيقي، الكتلة البرلمانية الداعمة لرئيس الوزراء، منضبطاً، هذه المرة، فلا تصريحات استفزازية ولا تهديدات للخصوم، ولا نبرة انتصار في خطابه، كما لا صراعات سياسية بين أطرافه تبرز إلى السطح بعد تشكيل الحكومة، رغم وجود هذه الصراعات في الواقع، كما لا سعي للتناقض مع الحكومة في التصريحات والآراء.

يبدو أن ثمة قرار إطاري بترك السوداني يتصدر المشهد من دون سعي لمزاحمته أو التشويش عليه، أو الاختلاف معه علنا، بعكس ما كان عليه الحال بخصوص الحكومات السابقة.

مع ذلك هناك سعي ثأري لأطراف سياسية وإعلامية في الإطار ومتحالفة معه للتنكيل بحكومة مصطفى الكاظمي وتحميلها، في عامي حكمها، خطايا وفشل وفساد 15 عاماً من الحكومات الإطارية، كي يظهر الإطار بمظهر المُصلح الشجاع عبر هذه البطولة الزائفة.

يبدو أن سحب فوج الحماية من منزل الكاظمي مؤخراً وترك رئيس وزراء سابق دون حماية نص عليها القانون ويتمتع بها رؤساء وزراء سابقون، يندرج في هذا السعي عبر الضغط على الرجل لدفعه لمغادرة البلد ومن ثم تصويره على أنه هارب من مواجهة العدالة، ففي المنطقة الخضراء حيث يسكن الكاظمي خصوم للرجل اتهم بعضهم بتدبير محاولة اغتيال له وتحت إمرتهم قوى ميليشياوية ويتمتعون بغطاء حكومي وبرلماني الآن.

مشهد كهذا يقوم على التخويف وتسييس أدوات الدولة لا يخدم الإطار التنسيقي في سياق سعيه مؤخراً بأن يظهر عمل حكومة السوداني مهنياً وبعيداً عن الصراعات السياسية.

الصحيح هو أنه إذا لدى الحكومة أو الإطار أدلة فساد ضد حكومة الكاظمي فأمامها القضاء للجوء إليه، وحينها سيكون على الإطار وحكومته الحالية، تحت الضغط السياسي والقانوني والشعبي المشروع، بأن يتعقب ايضاً الفساد الذي تتهم به حكومات وشخصيات إطارية معروفة.

سيكون سيناريو كهذا فاتحةً جيدة لمكافحة حقيقية للفساد خصوصاً في ظل وعود حكومة السوداني أنها ستفتح ملفات الفساد، بالرغم من الشكوك الواسعة والمعقولة أنه لا يمكن الشروع بمكافحة جدية للفساد من أي حكومة تنتج عن الطبقة السياسية الحالية، بسبب الطابع البنيوي والتضامني العميق والطويل المدى للفساد والحمايات الكثيرة والمتداخلة التي يتمتع بها.

في سياق طابع الجدية والمهنية التي تسعى الحكومة لتشكيله بخصوصها وعملها، يحتاج السوداني ألا ينزلق إلى الحلول السهلة والمضللة التي تحقق رضى شعبياً سريعاً لكنها تضر الدولة كثيراً وتُعمِّق مأزقها الاقتصادي الحالي الذي بدأت بتشكيله حكومات إطارية سابقة.

الوعد الذي أطلقه مؤخرا السوداني بخصوص تعيين أكثر من 70 ألف من خريجي الجامعات الأوائل والدراسات العليا هو أحد الأمثلة على هذه الحلول التي تمثل استسلاماً خطيراً لروح شعبوية يحتاج أن يغادرها، لا أن يستثمر فيها، ساسة الدولة الذين يقولون إنهم جاءوا من أجل الإصلاح وحل المشاكل.

ينفق العراق نحو ثلثي موازنته السنوية لدفع رواتب موظفي القطاع العام الذين لا يعرف أحد عددهم بدقة، لكن الاعتقاد الشائع هو أنهم بحدود ٦ ملايين، أغلبهم يمثلون بطالة مقنعة.

يحتاج السوداني أن يبدأ بتفكيك الاقتصاد الريعي العراقي لا أن يرسخه، كخطوة ضرورية نحو جعله اقتصاداً منتجاً وليس معتمداً على الريع النفطي.

لحد الآن، يبدو الإطار التنسيقي متماسكاً، على الأقل ظاهرياً، وراء السوداني، جزء من هذا التماسك مرتبط بالموسم المعتاد لتوزيع المناصب التي تعقب تشكيل حكومة جديدة وحصول الأطراف الإطارية المختلفة على نصيبها منها، خصوصا مع إلغاء السوداني لكثير من تعيينات حكومة الكاظمي ما يمنح المزيد من فرص المناصب الحكومية للإطاريين، في وقت تغيب فيه أيضا المنافسة الصدرية على هذه المناصب.

لكن السبب الآخر والأهم لهذا التماسك الظاهري الذي قد يتعمق، هو حس التحدي المشترك الذي يشعره الإطاريون من أنهم بإزاء الفرصة الأخيرة التي سيكلفهم ضياعَها ثمناً باهظا وربما نهائياً، خصوصاً بإزاء مجتمع غاضب بحاجات مشروعة لم تستطع حكومات الإطار السابقة تلبيتها، فضلاً عن خصوم سياسيين أقوياء ينتظرون فشلهم.

قد يقوي حس التحدي المشترك هذا موقفَ السوداني في داخل الإطار ويسمح له بحيز مناورة أوسع وفرض خطوات إصلاحية في بعض المجالات الخدمية التي يريد أن يركز عليها كالكهرباء والصحة لجهة تقليل الفساد والزبائنية فيها، وبالتالي إحداث بعض التحسن الملموس الذي يمكن أن يشعره الناس في هذه المجالات.

لكن هل ستكون هذه كافية لاستيعاب الغضب الشعبي الممتد واسعاً؟ على الأغلب لا! قد تنفع في تأجيل انفجاره، لكن ليس لفترة طويلة.

توفير الفرص الاقتصادية لجمهور شاب كبير وعاطل، وبالتالي محبط، والاشتغال الجدي على تشييد بنية تحتية واسعة ورصينة في البلد هما اللتان يمكن أن تعالجا هذا الغضب.

يدخل في سوق العمل في البلد أقل من مليون شخص سنوياً، فيما الاقتصاد العراقي عاجز عن صناعة فرص عمل تستوعب ولو 10 بالمئة من هؤلاء!

منذ 2019، عام اندلاع الاحتجاج التشريني الواسع، دخل نحو ثلاثة ملايين عراقي سوق العمل، في ظل غياب سوق عمل منتج يستوعب هؤلاء، فإننا عملياً نتحدث عن ثلاثة ملايين من العراقيين المحبطين الذين يمكن أن يدفع الإحباط وانعدام الأفق كثيرين منهم إلى أن يكونوا مادة لغضب شعبي جديد لا تنفع في لجمه وعود السوداني غير المعقولة بتوظيف 70 ألف آخرين في مؤسسات الدولة المترهلة اصلاً!