وبوصفه أحد نتاجات القومية العربية، قاد التبني الدوغمائي لمفهوم الأمن القومي العربي إلى إعادة تعريف المخاطر الأمنية لكل دولة عربية عبر توحيدها في خطر واحد أكبر ومركزي تتعرض له كل الدول العربية سوية وينبغي التعاطي معه على هذا الأساس: خطر مشترك يواجهه العرب جميعا من خصومهم الغربيين!

هنا برزت إسرائيل كممثلة لهذا الخطر المشترك على كل الدول العربية عبر الترويج لمقولات مغلوطة تُنسب لهذا "العدو المشترك" يقوم محتواها على تهديد الأمن الوطني لبضع دول عربية.

واحدة من هذه المقولات التي ما تزال شائعة اليوم هي أن شعار إسرائيل وهدفها الحقيقي هو تكوين دولة يهودية كبيرة تمتد من النيل إلى الفرات، أي إزالة خمس دول عربية من الوجود (لبنان والأردن ومصر وسوريا والعراق).

لكن حتى هذا الحس المزيف بالخطر المشترك لم يصنع أمنا قومياً مشتركاً بين الدول العربية، بل كانت صراعات الأمن الوطني بينها أكثر من صراعها مع العدو المشترك المفترض.

كان الجهد المؤسساتي الأكثر عقلانية والأقرب منطقياً لصناعة أمن قومي عربي مشترك هو تأسيس الجامعة العربية في مارس 1945 في القاهرة، في الأشهر الأخيرة من الحرب العالمية الثانية.

أسستها بلدان عربية سبعة (العراق ومصر وسوريا ولبنان والأردن والسعودية واليمن) قبل أن تنضم إليها تباعا بلدان عربية أخرى على مدى الأعوام التالية، ووضعت لها أهدافا معقولة وقابلة للتحقيق تقوم على الإقرار بخصوصية عربية، ثقافية وسياسية، ومصالح مشتركة اقتصادية وأمنية وغيرها تستحق التنظيم والتعاون من أجلها.

كان من حسن الحظ أن الجامعة العربية لم تتبنَ القومية العربية بأهدافها الأيديولوجية الكبرى المتعلقة بالوحدة العربية وفهمها الثنائي للعالم على أنه صراع ضار ودائم بين الإمبريالية الغربية وحليفتها المحلية، الرجعية العربية، من جهة، والأمة العربية الناهضة بقواها التقدمية من جهة أخرى.

كان ميثاق الجامعة واقعيا بتبنيه "التعاون الوثيق" بين الدول العربية وتأكيده على استبعاد العنف في حسم الخلافات العربية وعلى التوسط لحلها سلميا.

في إطار تحويل وعود التعاون الوثيق لوقائع محسوسة وإيجابية في الحياة العربية تصنع حسا عاما بالأمن القومي العربي المشترك، وقعت دول الجامعة معاهدة بالغة الأهمية في عام 1950: "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي لدول الجامعة العربية".

تضمنت هذه المعاهدة الطموحة أمرين اثنين، الأول دفاع عربي مشترك تتعهد بموجبه الدول الأعضاء بالدفاع عن أي دولة عضو فيها تتعرض لاعتداء خارجي، وتَشَكل مجلس الدفاع العربي المشترك لتنفيذ هذا الجانب في المعاهدة.

والثاني هو التعاون الاقتصادي الذي قُصد به تحقيق ما أطلق عليه التكامل الاقتصادي العربي ليتشكل المجلس الاقتصادي (في 1980 تغيرَ الاسم إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي) لتنفيذ هذا الجانب في المعاهدة.

لم يستغرق الأمر طويلا قبل اكتشاف أن المعاهدة ليست أكثر من حبر قديم على ورق جديد حيث الآمال عالية والتنفيذ متواضع أو معدوم.

كان العيب المؤسساتي الجوهري في هذه المعاهدة، كما في كل عمل الجامعة العربية، هو افتقادها لآلية إلزام أعضائها بتطبيق قراراتها.

كان غياب هذه الآلية انعكاسا لخلل بنيوي عميق في العالم العربي تمثل بميل دوله نحو التنافس بينها والارتياب ببعضها الآخر، إذ لم تجمع هذا العالم تجارب مشتركة ذات طابع تعريفي ومصيري تخلق قيما وأهدافا مشتركة، كما حصل في أوروبا على امتداد النصف الأول من القرن العشرين عندما أدى صعود الروح العسكرية والتنافس الإيديولوجي، والتطرف القومي، بأشكاله الفاشية والنازية، إلى الكثير من الدم والصراع والعناء كانت بعضُ أشد نتائجه الكارثية الفظاعات الهائلة في الحربين العالميتين الأولى والثانية.

قادت هذه التجارب العميقة في ألمها وخسائرها إلى إعادة تعريف الذات الأوروبية ودفعها نحو التصالح مع الاختلاف والاستثمار في التعاون والتشارك في المستقبل.

عربياً، صنعت القومية العربية تجربة متخيلة في العناء والمصير والآمال المشتركة لم تكن الوقائع تدعمها، كما في الافتراض المؤامراتي أن العالم الخارجي يستهدف العرب ويطمع بثرواتهم ويقف ضد وحدتهم ويحبط خططهم.

في آخر المطاف، أطاحت الوقائع العربية نفسها بهذا الخيال الإيديولوجي القومي.

والحدثان الأهم اللذان جعلا هذه الإطاحة واضحة وعلنية ويصعب الالتفاف عليها هما تصالح مصر مع إسرائيل عبر معاهدة كامب ديفيد التي وقعها الطرفان برعاية أميركية في 1979.

أنهى هذا التصالحُ فكرةَ العدو المشترك الذي يتحد العرب ضده ويعطيهم حساً بالمصير المشترك، لم تستطع الجامعة العربية أن تفعل شيئاً لاستراد الحس بالمصير المشترك سوى طرد مصر من عضويتها ونقل مقرها لتونس، قبل أن تعود مصر إلى هذه العضوية بعد 10 سنوات، في 1989 ويعود معها مقر الجامعة إلى القاهرة.

الحدث الثاني الذي كان مزلزلاً بحق وأنهى ما تبقى من وهم الأمن القومي العربي هو الغزو العراقي للكويت في 1990 وإلحاق الأخيرة بالعراق في إطار ما أعلنه رئيس النظام العراقي حينها، صدام حسين، "عودة الفرع إلى الأصل".

وقفت الجامعة العربية عاجزةً، إذ لم تستطع أن تفعل شيئاً حقيقياً إزاء الخرق الشنيع لميثاقها بإلغاء دولة عربية لأخرى "شقيقة" لها، كلاهما عضو فيها.

اضطرت الكويت ومعها دول الخليج القلقة من تمدد شهية صدام الاحتلالية التي منحها النظام القومي في بغداد تفسيراً وحدوياً قسرياً وغرائبياً عبر ثنائية التقدمية والرجعية، إلى الاستعانة بتحالف دولي قادته الولايات المتحدة الأميركية لتحرر نفسها من احتلال "الشقيق العربي" وطموحاته التوسعية المستقبلية نحوها.

لم يكن المقلق حينها سلوك نظام صدام حسين فقط، والتفافاته القومية على فعل الاحتلال بوصفه عملاً وحدوياً، بل أيضاً تعاطف قسم كبير من الشارع العربي مع هذا السلوك المتغول والعدواني باستعداده لمنحه تبريرات أخلاقية على أساس مظلوميات اقتصادية تضع الأغنياء بإزاء الفقراء في سياق صراع دائم.

لم يبقَ حينها جدوى أو قيمة لعبارات جوفاء مثل الأمن القومي العربي الذي ازدادت باضطراد الأدلة على غيابه في الوقائع العربية على مدى السنوات التالية.

حان الوقت للتخلي عن مفاهيم أيديولوجية كالأمن القومي العربي والتركيز على ما هو حقيقي ويومي ومهم في حياة الناس، التنمية الاقتصادية والإنسانية في دول العالم العربي.

يمكن أن يقود هذا التركيز إلى إعادة تعريف الأمن القومي العربي وربطه بمصالح المجتمعات العربية في هذا السياق التنموي والإنساني والقيم المشتركة الناتجة عن هذا الربط الصحيح، بعيداً عن الاستثمار في أعداء خارجيين يمنحون العالم العربي حساً مزيفاً بذات مشتركة لا وجود حقيقي لها.