ظهر مصطلح الاستراتيجية على يد الإغريق، وإن كان أول من تطرق لها قبل ظهور المصطلح المفكر الصيني "صن تسو" من خلال ما كتبه مؤسسا لإطار من المفاهيم المرتبطة بفن إدارة الحرب وإعداد القوات، بينما لم يعرف هذا المصطلح طريقه للاستخدام الشائع في علوم العسكرية إلا في القرن السادس الميلادي إبان الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ولاحقا انتشر تدريجيا في الدول الأوروبية إلى أن تجذر وصارت له بنية مفاهمية وإجرائية في جيوش القارة العجوز اعتبارا من القرن الثامن عشر.

عن اليونانية إذا صك هذا المصطلح στρατηγία - Strategy، وكان من شقين، ستراتوس (Stratos) وتعني جيش، وآجين (Agein)، وتعني القادة، وهي بذلك فكر وإجراءات وإدارة القيادة العسكرية لوضع خطة شاملة بعيدة المدى في ظل ظروف قد تتسم بعدم اليقين، وهنا يتجلّى الفرق بين التكتيك والاستراتيجية، حيث التكتيك محدود فيما يستغرقه من زمن أثناء القتال ومحدود أيضا في الحيز المكاني المقيد الذي تنتشر فيه القوات لكسب معركة، بينما الاستراتيجية تجرى وقائعها في تفاعل مستمر، لأن لها مقصدا وغاية أبعد وأعمق ومدى زمنيّا ممتدّا على مواجهات واسعة لكسب الحرب التي هي حصيلة معارك عديدة.

لقرونٍ طويلةٍ، اقتصرت الاستراتيجية على الجنرالات حتى إنّها تُسمّى في بعض الأحيان علم الجنرالات، وظلّت مرتبطة بالجوانب العسكرية فقط، إلى أن تغيّرت طبيعة الحرب مع تقدم التكنولوجيا، ومِن ثم اتسعت مسارح العمليات لتشمل مساحات أكبر مِن نطاق الدولة، بعد أن كانت المعارك تقتصر على مناطقَ محدودة على حدود الدول أو خارجها، وتعتبر الفترة الأخيرة مِن الحرب العالمية الأولى نقطة التحوّل في تزايد وتنامي العلاقة المتداخلة بين الجيوش والقطاعات المدنية لكل أنشطة الدولة إداريّا ولوجستيّا.

خلال الحرب العالمية الثانية، أصبح منوطا بدوائر صُنع القرار في كل مجالات عمل الدول المنخرطة في الحرب التنسيق الكامل بين أجهزتها ووزاراتها بل ومجالسها التشريعية، وصار القادة العسكريون رغم أنهم كانوا ما زالوا في المقدمة جزءا من الاستراتيجية القومية للدولة (وإن كان هذا المصطلح لم يولد بعد) ساعد على هذا الضغوط المباشرة التي تعرّض لها السكان المدنيون من الأسلحة المعادية، ومنها على سبيل المثال قصف المدن وتعرّض خطوط الإمداد البحرية خارج نطاق الدولة للهجوم، ممّا أثر على الاحتياجات والأوضاع الاقتصادية، وبالتالي تصاعدت وظيفة المبادرات الأهلية، كما أنّ متطلبات الجيوش اللوجستية والإدارية مع الاتساع الهائل لمسارح العمليات أدّت إلى زيادة دور القطاعات المدنية للدولة في منظومة الحرب اجتماعيّا وسياسيّا.

تحوَّلت النظرة القديمة إلى قوة الجيوش بقياس حجم العتاد وأعداد الجند فقط، إلى تقييم عفا عليه الزمن، لأنّ نتائج إنجازات الاستراتيجية القومية للدولة أصبحت عاملا مؤثّرا في أوضاع وقوة الجيوش، فالمستوى التعليمي الجيد يُساعد على استيعاب الجنود لتكنولوجيا التسليح الأكثر تعقيدا وترفع مِن قدراتهم المهارية، وعلى سبيل المثال لا الحصر تلعب الإمكانيات اللوجستية للدولة من توفر وتوزع المطارات والموانئ البحرية وشبكات الطرق والسكك الحديدية دورًا مهمًّا في قدرات المناورة وتحرك القوات وإيجاد البدائل للتواصُل مع العالَم الخارجي أثناء العمليات.

تغير التخطيط الاستراتيجي بعد الحرب العالمية الثانية من ممارسة منوط بها التخطيط للحرب وقيادة المعارك في الدفاع والهجوم إلى مشاركة أرحب أبعد مهامها من العسكرية، شملت وضع الخطط المستقبلية في كل شؤون الدولة، مما استدعى تأثير الاستراتيجية الكامل في توظيف كل إمكانيات البلاد ومواردها المتاحة لتحقيق الغايات والأهداف، ومِن ثم تنوعت معطيات وحقول الاستراتيجية بعد هذا التبدل الذي طرأ على دورها.

هكذا بعد أقل من عقد من الزمان على الحرب العالمية الثانية استشرى المفهوم وتجدد الدور وتطوّرت الأدوات وتعددت زمانيّا مستويات الاستراتيجية إلى قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، وتدريجيًّا غزت الاستراتيجية كل مناحى الحياة وأنشطة البشرية حتى إننا أصبحنا نسمع عبارات من قبيل استراتيجية إدارة الموارد البشرية في دراسة سوق العمل، تصميم وصياغة الاستراتيجية في الشركات والمؤسسات، إطلاق استراتيجية تنمية النشاط الرياضي.. هكذا تعاظم المفهوم.

لكن يبقى أن قمة الاستراتيجية وأشملها وأعقدها وأهمها هي الاستراتيجية القومية للدولة، وهذا ما دفع الأمم المتحدة إلى تبني مفهوم "الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة" بإدماج الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في خطة عمل واحدة، تركّز على المتطلبات المرجوة في صعيدها الوطني، مع الأخذ في الاعتبار أن توضع من خلال أوسع مشاركة ممكنة، كما ينبغي أن تستند إلى تقييم متعمق لراهنية الأوضاع والمبادرات المطروحة.