إذا ما قورنت البيانات الوطنية أو الإقليمية للأمراض الهضمية وأمراض الدم والحساسيات المترتبة على تناول أغذية بعينها من قبل شرائح عريضة من السكان، بالعناصر الغذائية الغنية لعدد من محاصيل الحبوب والخضروات ذات التكوين التغذوي الفائق super nutritious composition، بجهود علمية للتهجين الزراعي والمخبري الناجح في التوليف بين فوائد فصيلتين أو أكثر من النبات ومواءمتها لمعظم الحالات الصحية، وتُوِّجَت الجهود بمعالجة لخواص النبتة المهجنة لتتمكن من النمو بأقل قدر من الري والعناية والحماية والمواد المساعدة، في بيئتنا القاسية، فسنكون عندئذٍ في مأمن نسبي مرتفع جداً من تعطل سلاسل إمداد الطعام، أو تلف مخزونه.

لم تعد المسألة حقوق حيوان أو تقليل انبعاثات الميثان من المواشي أو توجهات نباتية في عقائد ما بعد الحداثة، بل هي درس من جائحة تلتها أزمة اقتصادية فحرب متبوعة بتضخم. وكم في قبو سفالبارد العالمي للبذور والأقوات من عينات يمكن إجراء أبحاث عليها لزيادة ما تحتويه من عناصر غذائية يحتاجها البشر، وإضفاء عناصر أخرى عليها ليتم الاستغناء زراعياً عن فصائل هشة سريعة العطب، لا تلبي الحد المطلوب من كفاية المعادن والفيتامينات والبروتينات وسائر العناصر، ويكثر فيها الهدر بسبب التلف، ولا تحتمل التخزين الاستراتيجي طويل المدى.

يتطلب التمويل شراكة أممية وتحييد هدف توفير الطعام عن مطامع السياسة والصراعات، وبجانب البحث العلمي من قبل علماء الأحياء ومهندسي الزراعة والكيمياء، يستلزم الأمر دراسة أمنية لقنوات الاستيراد والتصدير، ودراسة عسكرية لمهددات المساحات المزروعة ومخزونات الصوامع، وتُختتم الجهود باتفاقية أممية تحرم استهداف الأطعمة الأساسية المطورة بالإتلاف المتعمد أو التدمير أو إعاقة وصولها إلى وجهاتها الأكثر حاجة.

أما في منطقتنا القاحلة، فالواجب أن تزداد مباني الزراعة العمودية، لعزل المحاصيل عن الظروف المناخية والتلوث، وأن يتم التصدي مسبقا لتفاوت الأسعار بضمان وفرة المواد المطلوبة وتصنيعها محليا أو ضمن تحالفات دولية، تحول اشتراطاتها دون الابتزاز بأنواعه. هنا تخطر فكرة تسخير أجهزة استخراج المياه من رطوبة الهواء لريّ المحاصيل في حاضناتها المحمية، لتخفيف الضغط عن شبكات المياه المستنزفة أساسا في سائر الأنشطة البشرية.   

قبل 6 سنوات، إنطلقت مبادرة دنماركية اسمها من البروتين إلى الطعام Protein2Food، سعت ولا تزال لدراسة إمكانيات تطوير محاصيل الحبوب القديمة وتدعيمها بالبروتين كما ونوعا، وهي جهد أوروبي تشترك فيه 19 جهة علمية وبحثية. تصلح هذه المبادرة – التي يتولى إدارتها قسم العلوم الزراعية بجامعة كوبنهاغن – للاسترشاد بكثير من خطواتها وتقسيم العمل والمسؤوليات فيها. وهناك بند على وجه الخصوص يجعل من المبادرة الزراعية عملية مكتملة الأركان، أطلق عليه القائمون عليها اسم "الابتكار الاجتماعي"، وهو ابتكار ممارسات وأنشطة وأساليب تسرّع بإقناع وقبول المجتمع بجدوى وضرورة تبنّي النمط الجديد للطعام باستخدام المحاصيل والنباتات الخاضعة للبحث والتطوير.