ومركز بيو هو من أهم مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي في واشنطن، ولطالما أصدر تقارير تحلل ما تقدمه وسائل الإعلام وترصد آراء الجمهور فيها وعاداته في استهلاكها، ولكنه هذه المرة على غير العادة أجرى استطلاعا لرأي الصحفيين أنفسهم في حال مهنتهم.

والنتيجة؟

عندما طلب من الصحفيين المشاركين في الاستطلاع استخدام كلمة واحدة لوصف واقع الصحافة، أجابت غالبية كبيرة منهم (72%) بكلمة تحمل معاني سلبية (أبرزها كلمات مثل "فوضى" أو "في حالة صراع").

ومع ذلك، فإن نفس النسبة تقريبا من الصحفيين قالوا إنهم "راضون" أو "راضون جدا" عن عملهم (70%)، بل وقالت نسبة أكبر (77%) إنها ستختار أن تمتهن الصحافة مرة أخرى لو عاد بها الزمن.

يبدو قدر من الغرابة في هذا الأمر... الشعور العام بأن المهنة ليست على ما يرام، والتمسك بها رغم ذلك.

لكن أولا ما سبب استياء الصحفيين الأميركيين من حال مهنتهم؟

أحد تلك الأسباب على ما يبدو هو الخوف من تقلص حرية الإعلام، فقد قال 57% من الصحفيين الأميركيين المشاركين في الاستطلاع إنهم "قلقون" أو "قلقون جدا" على مستقبل هامش الحرية المتاح للصحافة في بلدهم.

كما أن المهنة باتت أصعب بسبب سيل المعلومات المضللة والأخبار المختلقة التي صار على الصحفيين تحسس طريقهم وسطها وكذلك إقناع جمهورهم ببطلانها، فقد اعتبر 71% من الصحفيين المشاركين في الاستطلاع أن المعلومات المغلوطة تمثل "مشكلة كبيرة للغاية" في الولايات المتحدة.

وربما يكون هذا العامل مرتبطا بسبب ثالث يفسر جزع الصحفيين، ألا وهو التراجع الذي أصاب المهنة ولا يزال يصيبها أمام مواقع التواصل الاجتماعي، فقد اعتبر 67% من الصحفيين المشاركين أن مواقع التواصل تركت أثرا سلبيا على حال الصحافة. هذه المواقع رغم ما تتيحه أحيانا من مزايا للصحفيين (كوسيلة لتسويق عملهم أو كخيط لقصص خبرية)، فإنها تنافس في أحيان كثيرة المؤسسات الصحفية على الفوز بمكانة "مصدر المعلومات" عند الجمهور، كما أنها تمثل ساحة كثيرا ما يتعرض فيها الصحفيون للهجوم أو التهديد، وقد قال ثلث المشاركين في الاستطلاع إنهم تعرضوا للتحرش على مواقع التواصل خلال العام الماضي.

ومن اللافت أن صحفيي القنوات التليفزيونية أقل رضا عن عملهم من أقرانهم في وسائل الإعلام الأخرى (المطبوعة، والمسموعة، والإليكترونية)، وهم يتعرضون للمضايقات أكثر من غيرهم، فبينما قال نحو 40% من الصحفيين في الصحف والإذاعات والمواقع إنهم تعرضوا للتحرش – بشكل عام وليس على وسائل التواصل الاجتماعي فقط – مرة واحدة على الأقل خلال العام الماضي، فإن هذه النسبة ترتفع إلى 58% بين صحفيي التليفزيون، وقد يكون مرد ذلك إلى أنهم أكثر اضطرارا للتواجد فعليا في موقع الحدث (بينما يمكن لصحفيي الوسائل الأخرى تغطيته أحيانا عن بعد)، كما أنهم أكثر لفتا للانتباه بسبب الكاميرات والمعدات التي يباشرون بها عملهم. كما أن الصحفيين في القنوات التليفزيونية أقل شعورا بالأمان الوظيفي، إذ قال 31% منهم إن مؤسساتهم بصدد تقليص عدد العاملين بها، وهي النسبة الأعلى بين كل وسائل الإعلام.

ومع كل هذه الأسباب الداعية للإحباط، يتمسك باختيارهم المهنة كما أسلفنا ثلاثة أرباع الصحفيين المستطلعة آراؤهم، وكأنهم أدمنوها.

ورغم غرابة الأمر فإنه قد يبدو مألوفا للكثير من الصحفيين حول العالم... فمع ما بها من صعوبات جعلت الناس تصطلح على تسميتها "مهنة المتاعب"، فإن الصحافة تمنح ممارسيها تعويضا أدبيا لا يستهان به.

فهي من المهن القليلة التي تتيح لصاحبها منصة يخاطب من خلالها جمهورا واسعا، بكل ما يحمله ذلك من قيمة أدبية، وتمنحه مصدر قوة – وتعالي أحيانا – بما يتجمع لديه من معلومات غير متاحة لغيره. وهي مقارنة بوظائف أخرى تحمل قدرا لا بأس به من الإثارة والمغامرة بحثا عن السبق الصحفي، وتفتح الباب لصاحبها للتعرف إلى المصادر ومخالطة أطياف مختلفة من البشر والاقتراب من قصصهم، بل وتسمح للفضولي بالتطفل تطفلا مشروعا لإشباع فضوله.

وهي قبل كل هذا وذاك يفترض أن تكون "سلطة رابعة"، تكشف الحقائق وتراقب المسؤولين وتمنح منبرا للمهمشين، ورغم أنها كثيرا ما تفشل – فشلا ذريعا في بعض الأحوال – في أن ترقى لمستوى هذه الشعارات، إلا أنها تحفظ للصحفيين الشعور بأن عملهم يمكن أحيانا أن يقدم خدمة عامة للمجتمع تتجاوز حدودهم الشخصية.