وكالعادة، جاء التبرير بأن "المقاومة" التي أصبحت ذريعة لا مضمون فيها، تجد أسبابا تخفيفية لانكفائها عن المواجهة الفعلية. وهذه المرة أورد إعلامها أن الإحجام عن فتح الجبهات يعود إلى "حالة التأهّب الإسرائيلية غير المسبوقة، والتي تعني الذهاب إلى الانتحار"، وتجنب الحرب سببه حرمان "العدو مرّة أخرى مكسباً، ولو دعائياً، بالمجّان".

لكن هذه الذرائع لا تدل إلا على أن قضية فلسطين بالنسبة إلى إيران وأذرعها ومرتزقتها ليست سوى قميص عثمان، وعدة شغل لتدمير المنطقة، بما يخدم مصالح إسرائيل في النهاية.

بالتالي، فعل "المقاومة" لا يعني حماية لبنان أو سوريا أو فلسطين من إسرائيل وانما هو لحماية المحور الإيراني وتمكينه من مصادرة سيادة الدول التي يتحكم بها في المنطقة وتهديد تلك التي لا يتحكم بها.

من هنا، ليس مطلوبا أن تندلع الحرب على حدوده الجنوبية مع إسرائيل، حتى يغرق لبنان أكثر فأكثر في تداعيات أزمات المنطقة.

وليس مهما أن تتطور المواجهة بين إسرائيل وإيران، او تقتصر على المناوشات العسكرية الإسرائيلية والعمليات الموضعية والنوعية، سواء في سورية أو في طهران، حتى يسود التوتر جبهة الحياة وكأن دوي القصف يلعلع في سماء لبنان.

المهم أن تبقى الورقة اللبنانية جاهزة للاستثمار، بفضل المحور الإيراني بقرار الحرب والسلم. وفي عملية دقيقة ومتواصلة لمصادرة السلطة ومنع حياد لبنان، يعمل هذا المحور على تنميط ما بقي من دولة على قياسه، وهو يعزلها عن محيطها العربي، أيضا وفق مصالحه، وهو ومنذ العام 2005، يتخلص من معارضيه إما بالاغتيال الجسدي أو بالاغتيال السياسي لتبقى الساحة نظيفة وخالية من التشويش على مشاريعه.

ولأن المتحكم بقرار لبنان يشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى بأنه محشور، لذا يقصف أدنى مقومات الأمان المعيشي، ولا تقتصر جهوده على تفريغ نتائج الانتخابات من مفعولها، بل تتجاوزها وفق متطلبات تطورات إقليمية ودولية تهدد ما تبقى من قدرة لديهم على العيش لذا يصبح الحياد المنشود مستحيلا.

 والواضح أن التطورات الإقليمية والدولية هذه هي ما يقلق إيران، ليربطه بمشاريع تدميرية تتطلبها أجندتها جراء التعطيل الحاصل في ملف "مفاوضات فيينا" مع الولايات المتحدة، فالمبعوث الأميركي الخاص في ملف إيران، روب مالي، أعلن أن "فرص التوصل إلى اتفاق مع إيران ضعيفة في أحسن الأحوال، وإن واشنطن مستعدة لتشديد العقوبات على طهران والرد على أي تصعيد إيراني مع إسرائيل وحلفاء آخرين، إذا لم يتم إنقاذ الاتفاق".

هذا بالإضافة إلى التطورات المتعلقة بسوريا بفعل الانسحابات الروسية والتمدد الإيراني مكانها والطموح التركي لحجز مكان في الفراغ. وكذلك التوتر على الحدود الأردنية/السورية، في حين يبقى تأجج الأوضاع المتأزمة على جبهة الصراع مع إسرائيل، سواء بشأن القدس والمسجد الأقصى واقتحام جنين مناسبة للقصف بالكلمات والخطب العصماء.

ولأن كل هذه التطورات يمكن أن تجد في سيطرة "حزب الله" على لبنان ساحة حاضرة يمكن لإيران كما لإسرائيل استخدامها، وفق المصالح والاحتياجات لكلٍ منهما، ما يفتح الاحتمالات على انفجار يمكن أن يغرقنا في أتونه إذا ما استدعت مصلحة إيران ذلك لتحصين حضورها الإقليمي من خلال العبث بالأمن اللبناني، وتقوية أوراقها وتجهيزها لطرحها في أي مفاوضات محتملة، أو فرض شروط جديدة لتوازنات القوى.

وأيضا إذا ما تطلبت مصلحة إسرائيل استغلال الفوضى الدولية على عادتها لإضعاف لبنان أكثر مما هو ضعيف، والتصرف من خارج القيد الدولي في ملف الغاز، بالتزامن مع مزيد من التصعيد عبر الضربات "الموضعية" التي تثابر عليها من خلال قصفها مناطق سورية حيث التواجد الإيراني مع "حزب الله" يزعجها.

بالتالي، يمكن فهم الأسباب التي دفعت المحور الإيراني من خلال ذراعه في لبنان إلى إجهاض كل محاولات الحياد التي دعا إليها البطريرك الماروني بشارة الراعي، ويمكن فهم الهجوم الشرس عليه من أبواق "حزب الله" وصولا إلى تخوينه وتخوين من يلاقيه في دعوته هذه.

ومما لا شك فيه ان الداخل والخارج يتقاطعان، بحيث يصعب فصل المسارين ويزيد من معاناة اللبنانيين الذين يعيشون فصولا جديدة من الخراب المبرمج، كفيلة بتحويل التغيير الواعد في صناديق الاقتراع إلى تفصيل تافه.

ولأن خلاص لبنان شرطه هذا الحياد المستحيل، جاء كلام الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ليهزأ بفكرة وجود وطن وكيان من أساسها، عندما قال: "خلي يبقى في دولة وبلد حتى تطالبنا نسلم سلاحنا".