صحيح أن مشهد طوابير اللبنانيين في دول الاغتراب تشكل طاقة إيجابية تشحن اللبنانيين المقهورين المغلوبين على أمرهم في الداخل اللبناني المحكوم بجهنم السلطة، وتشجعهم على الإيمان بأن التغيير ممكن، لكن المبالغة في التفاؤل لها عواقبها، ولا يزال مبكرا الاحتفال، لأن التحدي الحقيقي يبدأ الأحد المقبل في 15 الجاري، ليُستكمل في مرحلة ما بعد الانتخابات، مهما كانت النتائج.

في المقابل، واضح أن السلطة تلقت صفعة قوية، لم تخفف منها محاولة وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب مصادرة فعل الإقبال على الاقتراع في تحدٍ لهذه السلطة، كنجاح لوزارته التي حاولت، بناء على تعليمات مشغله جبران باسيل الخائف من رفض اللبنانيين له ونبذهم إياه في الصناديق، عرقلة هذه الانتخابات في أكثر من سفارة من خلال التضييق على الناخبين وشرذمتهم وبُعد مراكز الاقتراع عن أماكن إقامتهم، عدا تغييب أسماءهم عن لوائح الشطب وإبطاء عملية الاقتراع للحد من الإقبال، او محاولة الإعلام الممانع الذي حاول تسخيف إقبال التغييرين من الناخبين على الإدلاء بأصواتهم، والتقليل من فعاليته، وتضخيم فعالية الأصوات التي صبت لصالح الثنائي "حزب الله" و"حركة أمل".

لذا من المتوقع أن تسعى المنظومة، وعلى رأسها "حزب الله"، بصفته المتحكم بمفاصل السلطة، والساعي إلى دعم حلفائه وفي مقدمتهم باسيل، لدحر مفاعيل انتفاضة المغتربين، ولدينا أسبوع حافل بكل ضروب الترغيب والترهيب والشحن المذهبي الغرائزي، وتصوير العملية الانتخابية مؤامرة كونية على "رأس المقاومة" إذ لم تصب الأصوات لصالح الحزب وحلفائه.

ومن المتوقع أن يشهد الأحد المقبل تدخلا سافرا في صناديق الاقتراع في مناطقه، وحيث يستطيع الوصول، لتأمين التزوير اللازم كما كان يفعل في الدورات السابقة.

وجدير بالتذكير ان "حزب الله" الذي يتباهى بأن لديه 100 ألف مقاتل و150 ألف صاروخ، لم يتورع عن قمع مرشحين شيعة لديهم الجرأة لمنافسته في الانتخابات النيابية سواء في دائرة بعلبك-الهرمل، أو في جنوب لبنان.

ومعروف أن الحزب يخاف من الشيعة الرافضين هيمنته ومصادرته السيادة ورهن البلاد للمحور الإيراني، أكثر مما يخاف قوى سياسية من خارج بيئته.

والأمر متوقع، فالحزب سيلجأ إلى الوسيلة الوحيدة التي يجيدها لإسكات الأصوات الغاضبة والرافضة لهيمنته على القرار الوطني، ولطالما أخرس الأصوات الشيعية التي تنتقده إذا ما خرجت من الغرف المغلقة إلى الإعلام، فكيف إذا وصلت إلى صناديق الاقتراع؟؟

بالمختصر، لا يستطيع الحزب السماح بترجمة عملية لتوق اللبنانيين عامة، وفي "بيئته الحاضنة" خاصة، إلى نبذ المنظومة ولفظها.

ومن المتوقع خلال الأسبوع الحالي، أن يمعن الحزب بالشحن الطائفي والتحريض والقمع والمزيد من السلوكيات الفوقية والاستعلاء على من يرفض هيمنته وحمايته الفساد، وتحديدا المعترضين في بيئته، والساعين إلى تقليص نفوذه.

ذلك أن للانتخابات في ميزان "حزب الله" حسابات حساسة لا يمكن التهاون حيال نسمة الهواء التي قد تحرك كفتها، لذا كان متوقعا أن يمعن خلال فترة ما قبل الانتخابات إلى افتعال الأزمات لإبقاء اللبنانيين أسرى الفقر الذي يفرض مزيداً من الحاجة إليه حتى يواصل التحكم بهم وبمصير لبنان.

وفي حين يقدر الحزب ومعه "حركة أمل" على التحكم بمناطقتهما، يبدو وضع "حلفائهما" حرجا، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الحليف المسيحي الأساسي، بالتالي، فإن ضعف الحليف، لن يكون تفصيلا هامشيا، فهو سينسف معادلات تم إرساء أسسها بالتوافق والمحاصصة.

وفي حين كان يقدر الحزب على إلغاء مفاعيل الصناديق، كما حصل في الدورات السابقة منذ العام 2005، لأن الأكثرية التي كانت تواجهه هي من أحزاب السلطة، الممكن تدجينها وتعطيلها حتى ترضخ، يبدو أن الأمر لن يكون مشابها على الرغم من عجز القوى غير الحزبية على التوافق في لوائح موحدة.

لذا، حتى لو حاول "حزب الله" استخدام القوة، في حال تمكنت هذه القوى مع بعض الأحزاب والشخصيات الرافضة هيمنته، من الوصول إلى الندوة البرلمانية وتشكيل كتلة وازنة، إلا أنه هذه المرة لن يحصل على نتائج شبيهة بما حصل عليه سابقا، إن في 7 مايو 2008، أو بعد ذلك من خلال التحكم بتشكيل الحكومات وتأجيل الاستحقاقات خدمة لمشروعه.

لذا، يمكن التعويل على الأصوات التغييرية في هذا الدورة، للبدء بمسيرة لا بد أن تنتج وطنا، إذا ما استيقظ اللبنانيون من استسلامهم للأمر الواقع، وصوبوا البوصلة باتجاه فرض مطالبهم للحصول على حقوقهم في صناديق الاقتراع، بحيث يصعب تزوير إرادتهم، مهما توحَّشت السلطة وأجرمت بغية حفظ امتيازاتها.

وفي حين يتوجب الانتظار لتبيان مدى فعالية الخيط الأبيض التغييري لمواجهة الخيط الأسود للمنظومة السياسية المحكومة بالمحور الإيراني، يبقى المرتجى في نضوج الرؤية التي لا تكتفي بالشعارات والاحتفالات، بل تتجاوزها إلى قلب المعادلات من خلال الأصوات الرافضة للقابضين على السلطة في كل لبنان، بما يمهد لمجلس نيابي قادر على التشريع والمراقبة ومحاسبة الفاسدين، وليس التواطؤ معهم والارتهان لأمرهم، والأهم استعادة السيادة وتحرير القرار اللبناني من المحور الإيراني الذي يؤمن استمرارية هذه المنظومة.