جزء كبير من أهمية الخطاب ترتبط بتوقيته، إذ يأتي قبل أيام من المصادقة المتوقعة للمحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات ما يجعل هذه النتائج نهائية وغير قابلة للنقض.

وبحسب الدستور العراقي لا بد أن يعقد البرلمان الجديد جلسته الأولى بعد 15 يوماً من التصديق النهائي على النتائج كي ينتخب رئيسا له ثم في خلال شهر بعدها ينتخب رئيساً للجمهورية يُكلف الكتلة الاكبر، التيار الصدري، بتشكيل الحكومة المقبلة في خلال ثلاثين يوما.

يعني المضي في هذه الإجراءات والتوقيتات الدستورية كارثةً سياسية للفصائل المسلحة لأنه يحول خسارتها الانتخابية إلى خسارة سياسية، بكل ما تعنيه هذه الأخيرة من فقدان المناصب والنفوذ والامتيازات في حال أصر التيار الصدري على حكومة أغلبية سياسية لا تكون الفصائل جزءاً منها، كما ظهر واضحاً في خطاب الصدر الأخير.

لمنع هذه الخسارة، تركزت استراتيجية الفصائل على اتباع سكتين مترابطتين: الأولى هي تأخير مصادقة المحكمة الاتحادية على النتائج لأقصى فترة ممكنة من خلال الإصرار على الفرز والعد اليدوي الشامل في كل مناطق البلد، وهو ما يستغرق شهراً كاملاً في أقل تقدير، رغم أن القانون الانتخابي لا يسمح بمثل هذا الأمر.

الغرض من هذا التأخير هو فسح المجال للفصائل لممارسة أقصى ضغوطها الممكنة، عبر الاعتصام قبالة المنطقة الخضراء وتنظيم حملة إعلامية شرسة ضد نزاهة الانتخابات، والتلويح بتهديدات ضد استقرار البلد.

الثانية هي استخدام هذه الضغوط لإقناع الصدر بالتوصل إلى صفقة سياسية معها تبقي على امتيازاتهم ونفوذهم في الحكومة المقبلة مقابل قبولهم بنتائج الانتخابات، حتى مع إدراك الفصائل أن حججهم المشككة بنتائج الانتخابات ضعيفة ولن تصمد أمام تمحيص القضاء أو مفوضية الانتخابات.

في أثناء الفترة التي كان يجري فيها تطبيق هذه الاستراتيجية، لزم الصدريون الصمت عموماً، فيما كانت تصريحات الأطراف المختلفة في الإطار التنسيقي الذي يضم الفصائل المسلحة تهيمن على الإعلام وهي تعلن مبادرات لإعادة تعريف الفوز الانتخابي وتفاهمات مفترضة مع الصدريين وتهديدات ضمنية بضرب الاستقرار الأمني، إذا بقيت النتائج الانتخابية دون تغيير، وصولاً إلى التأكيد الواثق لبعضهم، والبعيد تماماً عن الواقع، على قدرة الإطار التنسيقي تجاوز الصدريين وتشكيل الكتلة الاكبر وتأليف الحكومة المقبلة! خلق الصوت العالي للفصائل ومعهم الإطار التنسيقي والصمت الصدري حساً بقوة الخاسرين في الانتخابات وضعف المنتصرين.

كان ممكناً لهذا الإحساس المزيف بالقوة، إزاء صمت الطرف المنتصر انتخابياً، أن يدفع الخاسرين إلى المضي أكثر في تحدي نتائج الانتخابات وسلطة الدولة، خصوصاً بعد الجرأة الحمقاء بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء، وبالتالي السعي إلى تعطيل تنفيذ التوقيتات والإجراءات الدستورية لتشكيل الحكومة المقبلة.

من هنا جاء خطاب الصدر ليعيد تشكيل خارطة الحدث عبر التأكيد على قوة المنتصرين انتخابياً وإصرارهم على تحويل الخسارة الانتخابية لخصومهم الولائيين من الجماعات المسلحة إلى خسارة سياسية.

لذلك يبدو منطقياً فهم خطاب الصدر على أن المقصود منه جزئياً هو الردع، أي تحذير الفصائل المسلحة من المضي بعيداً في تحدي الدولة ونتائج الانتخابات وتقويض الاستقرار الأمني عبر التهديدات المبطنة.

في هذا الإطار أيضاً، يقدم الخطاب دعماً ضمنياً لمؤسسات الدولة، مفوضية الانتخابات وحكومة الكاظمي والمحكمة الاتحادية تحديداً، بضرورة الاستمرار على نهجها الحالي الذي أنتج انتخابات نزيهة وحمى نتائجها من التلاعب والتهديد، وصولاً إلى خط النهاية المنطقي والقانوني، الذي لم يتم بلوغه لحد الآن، والمتمثل بالتصديق النهائي على نتائج الانتخابات.

لكن الجانب الأكثر أهمية في الخطاب من ضمان الانتهاء من الانتخابات بالمصادقة على نتائجها، هو إصرار الصدر على حكومة أغلبية سياسية تستثني الفصائل الولائية.

إذا تحقق هذا الأمر، فسيكون خطوة كبيرة إلى الأمام في معنى السياسة وممارستها في عراق ما بعد 2003 تساهم في وضع الديمقراطية العراقية الهشة والعليلة على سكة التعافي التدريجي والصعب.

جزء من هذا التعافي المنشود هو إلغاء تعدد البنادق وفوضاها لصالح بندقية واحدة تأتمر بأمر الدولة. من هنا ستكون إعادة هيكلة الحشد الشعبي التي تحدث عنها الصدر في خطابه، خطوةً مهمة تنهي ازدواجية الانتماء الحالية في داخل الحشد من خلال تحويله إلى مؤسسة عسكرية عراقية مهنية صرف وليس، كما هي الآن، مؤسسة سياسية مسلحة، يمولها العراق من خزينته ويمنحها الشرعية القانونية، برغم ارتباطها بمشروع إقليمي تقوده إيران ويضر بالمصالح العراقية.

من الصعب على أي عراقي او متابع مهتم برؤية عراق متماسك ومستقر أن يختلف مع جوهر خطاب الصدر والأهداف التي تناولها، سواءٌ اتفق المرء فكرياً مع التيار الصدري او اختلف معه.

لكن يبقى القلق مبرراً بخصوص مقدار التزام الصدر وتياره بالسقوف العالية والصحيحة التي أعلنها الخطاب المهم للرجل.

هنا يبدو من غير المنطقي تجاهل سجل التبدلات المفاجئة التي عُرف الصدر بها وخيبت آمال كثيرين بالتيار الصدري وأضعفت مصداقية زعيمه.

أمام التيار الصدري فرصة تاريخية مهمة لأن يصنع شيئاً حقيقياً ومهماً لنفسه وللعراق، وهي فرصة إن استثمرها التيار على نحو صحيح فإنها ستخفف الكثير من الغضب والتحفظ الشعبيين على التيار بسبب بعض السلوكيات المافيوية فيه وتعيد تأهيله شعبياً خارج حدود جمهوره التقليدي الطائع.  سيكون حمقاً كبيراً أن يضيع الصدريون هذه الفرصة الثمينة.