لا تخوض الدول علاقاتها الدبلوماسية بمنطق الحقد والغيظ، فهذا سلوك إنساني وبشري، لا يصلح في عالم السياسة. الدول لا عواطف لها، بل تقودها مبادئ وثوابت ومصالح، ولذلك قرأت دول محور الاعتدال العربي الإشارات الإيجابية التركية بلغتها، لا بريبة مسبقة ولا بثقة عمياء.

على ذلك فإن التقارب التركي العربي تحكمه دوافع معلومة، ويتقصد غايات وأهداف يمكن استشرافها.

وقفت تركيا بعد سنوات من "التيه" في سراديب العلاقات مع الإخوان والباقي التيارات الإرهابية، على حقيقة مفادها أن تلك العلاقات تمضي بها إلى حتفها، الاقتصادي والسياسي، الوشيك. أغلقت دونها أبواب أوروبا حين قرأت الأخيرة استتباعات السياسة التركية على أمنها وأمن مجتمعاتها. وتوصل العقل السياسي التركي إلى أنه لا مناص من العودة إلى محيطها العربي الإسلامي أولا، ولا بديل عن العودة إلى "سياسة صفر مشاكل مع الجوار" التي حققت عوائد اقتصادية كبيرة بددتها سنوات التقلب السياسي الذي أوصل تركيا إلى عزلة إقليمية.

كان ذلك حافزا لكي تثابر تركيا في السنتين الأخيرتين على توجيه رسائل إيجابية إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر من أجل تدشين مرحلة جديدة من العلاقات على قاعدة التنمية الاقتصادية المشتركة، بما يخدم مصالح الطرفين. كانت الخلافات نابعة من دوافع سياسية تمثلت في ما أقدمت عليه تركيا من تدخل في شؤون دول المنطقة والرهان على الفروع الإخوانية في المنطقة والعبث التركي في الخرائط العربية، فيما نبعت مقدمات التصالح مع العرب من دوافع الاقتصاد، حيث التقطت أنقرة، بدورها، نجاح دول الاعتدال العربي في تحقيق نهضة اقتصادية وعمرانية لا تخطئها العين، مقابل عجز الأقطار العربية المحكومة بالأيديولوجيا، مثل تونس وليبيا والعراق واليمن وغيرها، عن مبارحة مربع الأزمات.

تشخيص تركي - عربي متبادل، توصل إلى أن علاقة سوية بين الجهتين دون تدخل فج ولا ركوب على الأزمات، يمكن أن تخدم الجميع، والمنطقة برمتها. ثمة وعي عربي بأهمية تركيا التي تتقاسم مع العرب المسلمين، صفحات كثيرة من التاريخ المشترك، ووزنها الجغرافي والبشري والاقتصادي في المنطقة، بل إن ذلك الوعي لا يرى ضيرا في القول بوجوب مساعدة تركيا لتحويلها إلى شريك فاعل يقف مع العالم العربي، لا ضده وضد مصالح شعوبه.

وفي العودة التركية إلى محيطها العربي، دروس مستفادة كثيرة. الدرس الأول أن سنوات الخصومة سمحت بالتمييز بين محورين. محور أولى كل اهتمامه لبناء الأوطان والتنمية الاقتصادية وتحسين عيش الإنسان وسعادته، ومحور ثان انتصر لقوى وتيارات دينية معادية للأوطان وللاستقرار، وسمح لنفسه أن يتدخل في شؤون أجواره بما عمق أزماتها. وفي العودة التركية إلى العرب قرينة على نجاعة مقاربة تنمية الإنسان، في مقابل التشبث بالسرديات الكبرى والأفكار الطوباوية، لكن كل تلك الدروس لم تحلْ دون إيمان الدول العربية بوجوب فتح الباب أمام من يرومُ التعاون من أجل خير الأوطان والشعوب.

التقت دوافع الاقتصاد والسياسة في حث تركيا على العودة إلى محيطها، وعلى العودة إلى سياسة "صفر مشاكل"، وهي تقدم الإشارات المتتالية على أنها ماضية في هذا المسار متعدد الاتجاهات، نحو السعودية والإمارات ومصر.

لكن كل الدوافع التي حثت تركيا على التقارب مع العرب، وشجعت العرب على مصافحة اليد التركية الممدودة، لا يمكنها أن تحجب حقيقتين: الأولى أن المضي نحو مصالحة عربية مع تركيا لا يمكن أن يحصل دون شروط عربية واضحة وتعهدات تركية واضحة ودقيقة تضمن إعادة بناء الثقة. والثانية أن نتائج التقارب وأهدافه يجبُ أن تستخرج من دوافع الشقاق، بمعنى أن تخلص تركيا من ربقة الارتباط بالإخوان سيفيد الطرف التركي، كما العربي، وسيجعل التركيز منصبا على التنمية والاقتصاد.

تحتاج أنقرة إلى أن تقدم قرائن قوية على أن عودتها إلى محيطها العربي، ليست مجرد مناورة أو محض تغيير في أسلوب التعامل، أو هي فقط مترتبة عن تفاقم الأزمة في تركيا، بل يفترض أن ينطلق الأمر من قناعة تركية بأن وجودها الحقيقي في محيطها العربي، وأن النجاح الاقتصادي أصبح يقوم على بناء تكتلات اقتصادية كبيرة، تضمن تبادلا تجاريا واسعا بما يحسن من مستوى عيش الإنسان. معروف أن أول معيار لتقييم مدى نجاح السياسة الخارجية لبلد ما من عدمه، يكون بالتحقق من مساهمة تلك السياسة الخارجية على حماية المصالح الوطنية، وعلى تحقيق نهضة اقتصادية مستمرة ومطردة، والثابت أن مقارنة السياسة الخارجية لتركيا بالسياسة الخارجية للسعودية والإمارات ومصر، لن تكون حتما في صالح دبلوماسية أنقرة، ولذلك وجب على العقل السياسي التركي أن يتبين أن عودته لسياسة خارجية رصينة بلا تدخلات ولا محاور واستغلال للأزمات، أصبح ضرورة تفرضها الأرقام والحسابات الاقتصادية.

في مقابل ذلك فإن فوائد التقارب وتدعيم التعاون لا تحتاج إلى أدلة أو تنجيم، بل يمكن تمثلها من حجم اقتصادات الطرفين، والإمكانيات المستقبلية التي تتوفر في كل بلد، فضلا عن الإرادة السياسية التي تراهن على التنمية. في هذا المبحث تجدر الإشارة إلى أن التقارب التركي مع العرب سيمر بالضرورة عبر فك ارتباطها مع كل التيارات الإرهابية والإخوانية، وفي ذلك أيضا فائدة للطرفين، العربي والتركي، إذ أن تخلص تركيا من علاقتها مع جماعة الإخوان سيجعلها تقدم أولا مؤشرا قويا يمكن أن يفيد في بناء الثقة، ويمكنها أيضا من نزع حجر متناثر يقف في طريق التصالح، ويتيح للطرفين التفرغ لمشاغل الاقتصاد والبناء والتعمير.

إن عودة تركيا إلى محيطها العربي يمكن أن تفيد كل شعوب المنطقة لو توفرت لها كل مقومات النجاح، وأولها أن بناء الثقة لا يتحقق بالتصريحات والزيارات. ومثلما أن الدول القوية لا تخوض علاقاتها الخارجية بمنطلق الأحقاد والعداوات، فإنها أيضا لا تبني تقاربا أو مصالحات من منطلق تغير اللغة أو الأسلوب.