حتى وإن قلنا إن الحد الأدنى للتأثير الأميركي يكمن في صياغة المزاج السياسي للدول الكبيرة المتماسكة في الشرق الأوسط حتى مع تعاقب الإدارات الأميركية ذات الأجندة المتناقضة في ممارسة تأثيرها التاريخي في المنطقة.

ذلك أن الأهمية الاستراتيجية، التي يحظى بها الشرق الأوسط سواء في جغرافيته السياسية وممرات الملاحة الدولية المهمة التي تمر من خلاله أو نتيجة موارده الضخمة من النفط والغاز والذي لا يزال يشكل عماد الاقتصاد العالمي جعلت منه محركا أساسيا في سياسات الدول الكبرى تجاه المنطقة، حيث أصبح الساحة الأساسية للحرب الباردة الجديدة ولصراعات القوى الإقليمية الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا وغيرهما.

اليوم مع الرئيس بايدن، والذي لم يبدِ موقفاً صارماً، من سياسات التدخل من جيران المنطقة العربية، وهو ما لا يتوائم مع ضرورة حفظ سيادة المنطقة إلا أنه من منطلق إدراكه بأن هذه المنطقة لا تقبل الحلول الكاملة، يسعى إلى الضغط صوب الحد الذي يسبب روتيناً سياسياً تكون فيه نسبة المغامرات والحوادث غير المتوقعة محدودة.

مع وجود الهامش الذي تملكه دول المنطقة في تحديد شكل السياسة التي تتخذها، وهي التي لطالما رفضت مبادرات السلام في مناسبات أخرى، قبل أن تقبل بالتفاوض عليه اليوم وبالتالي لابد من الاعتراف بتأثير الولايات المتحدة في سياسات المنطقة بصفتها القطب الدولي الأقوى على الرغم من التراجع الكبير في دورها السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم والإقليم، لكن اعتبارها السبب الوحيد لموجة (تبريد جبهات المنطقة) هو في الحقيقة تبسيط مخلّ لهذا الأمر الذي تكثر الدعوات له هذه الايام.

إن منطقة الشرق الأوسط تعاني منذ عقد من الزمن اي منذ موجة الربيع العربي وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، وما نتج عن ذلك لجهة ظهور حركات إرهابية وتحوّل دول عربية مهمة إلى دول فاشلة، وهذا بحد ذاته عامل يدفع تلك المنطقة إلى السعي للتبريد فالمنطقة اختبرت الحلول العسكرية في الأعوام الماضية، وعلى الأطراف الإقليمية إدراك أن مسألة الرهان على الحسم العسكري أصبحت متعذرة فذلك لم يتحقق لا في ليبيا ولا في سوريا على الرغم من تدخّل الروس.

في رأيي أن الشرق الأوسط اليوم هو بحاجة (تبريد سياسي) تسير فيه عمليات الإصلاح الاقتصادي والتنمية ذلك أن الظرف التاريخي الذي يعيشه العالم ككل والمنطقة بالتحديد يضيف مهمة "احتواء الانهيار الاقتصادي" في قائمة الأولويات، فهناك أطراف عدة في المنطقة  تعاني من تراجع أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا وفي مقدرات البنوك المركزية وسعر العملة الذي تدهور في عواصم مثل أنقرة وطهران وبيروت وصنعاء إضافة إلى استحقاقات التنمية في دول الخليج وهذا بدوره "أوجد رغبة إقليمية بالتهدئة بشكل عام لمنع الوصول إلى قيعان اقتصادية أكبر، ربما تؤدي إلى انفجارات اجتماعية لا تحتملها المنطقة، وبالتالي سنشهد تسويات على قاعدة لا غالب ولا مغلوب على الطريقة اللبنانية الشهيرة وبمعنى آخر فإن تبريد الجبهات المختلفة أصبح ضرورة فمثلا هناك حاجة يحتاج إلى ترتيب وبناء جسور من الثقة بين الفرقاء الاسرائيليين والفلسطينيين ما دام أن المنطقة العربية بأكملها ستمر بمرحلة تبريد للجبهات وإعادة العمل بمشاريع التنمية البشرية والاقتصادية، وكذلك السياسية ولا شك كما قلنا إن للإدارة الأميركية الجديدة دور مهم في ذلك، ولكن الأساس هو أن الشعوب والأنظمة العربية والتي عاشت مرحلة مريرة في العقد الماضي من الزمن تجري الآن مقاربات من نوع آخر.

فنحن نرى زيارة وزير الخارجية الإماراتي لدمشق ونرى البوادر في تطويق أزمة قطر ومن ثم بدأ المفاوضات في ليبيا وصولا إلى انتخاب رئيس قريبا، وكذلك محاولات إعادة الهدوء إلى سوريا والعراق بعد النجاحات الاقليمية والدولية في تحجيم الإرهاب الداعشي وكذلك التنسيق العراقي الأردني المصري عالي المستوى والذي يبدو أنه سيشمل دولا أخرى خصوصا بعد التقارب التركي مع مصر والسعودية الذي يشهد تطورات يراها البعض إيجابية.

كذلك فإن أي تقارب إيراني خليجي ينجح في التوصل إلى حل أو ترتيب في العلاقات الثنائية ويحد من طموحات إيران النووية هو ولا شك سيخفف من أجواء الاحتقان في المنطقة وسيؤسّس لبيئة جديدة تنعكس على المنطقة بأسرها، رغم أن الوقائع على الأرض تقول إن الظروف معقدة والموضوع شائك أكثر ممّا يتصوّره كثيرون.

نعم. في العالم العربي نحن بحاجة إلى (صفر مشكلات) فالشرق الأوسط به أكبر عدد من الصراعات في سوريا واليمن وليبيا والعراق والصومال وبه أكبر عدد من التنظيمات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة والقاعدة وغيرها من عشرات التنظيمات الإرهابية، كما يحظى بأكبر عدد من اللاجئين والنازحين والمهاجرين بل وللأسف فقد امتدت شظايا نيران المنطقة إلى بقية مناطق العالم الأخرى، خاصة فيما يتعلق بالإرهاب واللاجئين والهجرة غير الشرعية.

وهنا يرد السؤال.. لماذا الحاجة إلى (صفر مشكلات) في المنطقة وإلى (تبريد كل الجبهات)؟

السبب أن فاتورة الصراع تبدو أكثر ثمناً في هذا الوقت بالذات حتى وإن جاء هذا (التبريد).

 في ظاهره على شكل صفقات سياسية بين الدول العربية وواشنطن، فحتى النظام السوري والذي صوّر نفسه على الدوام ضلعاً رئيسياً فيما يسمى (محور الممانعة، صدرت منه تصريحات عدة نحو الترحيب بعلاقات مع إسرائيل، وكذلك شاهدنا لبنان المحكوم من حزب الله يتجه نحو ترسيم الحدود البحرية مع تل أبيب.

واليوم ها هو العراق يلعب دوراً في إطفاء نيران الصراع بين الرياض وطهران، عسى أن تبقى القناعة بـ(التبريد السياسي) رغبة قائمة خصوصا عند العمائم السوداء، التي لا تؤمن إلا بالصراخ وإشعال كل الجبهات حتى ولو كان ذلك بشكل معنوي لا حقيقي.