وبدل أن يكون الخلل سبباً لإيقاظنا من غيبوبتنا، لتأمّل حقيقتنا، صار علّةً لسقطةٍ في غيبوبةٍ وجودية أخرى كشفت عن مدى اغترابنا عن أنفسنا. كشفت عن مدى ضياعنا. لقد توقّف النبض في قلب عالمنا، لمجرّد توقّف الجهاز الخبيث، الذي اخترعناه لكي يختلسنا من أنفسنا، لينتشلنا من واقع الوهم، الذي أردناه لأنفسنا، لنتخلّص به من وزر أنفسنا، لكنه صادرَ وجودنا، بمصادرته لأنفس ما في جعبتنا. وبدل أن ننتهز الفرصة، فنبعث أنفسنا من واقع اغترابنا، امتناناً منّا للعطل الذي عطّل إرادتنا، فأدمنّا الأفيون، الذي اختلس ذاكرتنا، وأمات فينا الضمير، لنتحوّل قطيعاً يعتنق دين الخواء، الذي تسوّقه لنا القوى الخفيّة كامتلاء، ها نحن نفقد، بفعل الصدمة، ما تبقّى لنا من صواب، فنرتقي عتبة أخرى في سلّم الاستسلام.

فمَن منّا يجرؤ أن يشكّك، بعد اليوم، في حقيقة تقنية المعلومة، التي سرقت روح إنساننا، واستزرعت فيه فايروس الشخصية الرقمية، ليصير في نشاطه المارد البديل لطينته الإنسانية؟

فلم يحدث أن تعرّضت الوصيّة اللاتينيّة القائلة: "لا تبحث عن شيء خارج نفسك" للاستهانة، كما تعرّضت له على يد جيلنا الحداثيّ اليوم. فهل يُعقل أن تمتلك المعلومة هذا السحر الخارق الذي يمكّنها من ارتهاننا، بل وامتلاكنا؟ كيف لا إذا كنّا أجراماً خاوية، لا تعرف ماذا تفعل بنفسها، سوى أن تفرّ من نفسها، وتتغنّى بإفلاسها، وهي تناشد الملأ: "امتلكونا! استعبدونا! افعلوا ما من شأنه أن ينقذنا من أنفسنا"، فلا يملك العالم خارجنا، سوى أن يهرع لملاقاتنا بالحجّة الوحيدة التي يملكها، وهي المعلومة، ليستدرجنا بهذه النفاية (كما يصفها هنري ثورو منذ مئتي عام) إلى باطل أباطيله، بوصفها حقيقة؟

فخطيئة جيلنا هي إدمان المعلومة، واعتناقها كمعبودٍ بديلٍ لمعبود اسمه الحقيقة، ظنّاً منّا أن عملاً مجّانيّاً، مثل تلقّي هبة كالمعلومة، يمكن أن يقارَنَ بروح الفروسية، التي أخذت على عاتقها مسئولية التشكيك، لا في المعلومة وحسب، ولكن في كلّ ما متّ بصلة للمُسَلّمة إجمالاً؟

فما يجب أن نعترف به، إذا شئنا تشخيص ورمنا اللئيم، هو حقيقة المعلومة المستنزَلة في حقّنا بمشيئة المجّان، التي لن تكون هنا سوى: تلقيناً.

والتلقين وباءٌ يفترض في مفعوله غياب حق الدفاع عن النفس. يفترض شللاً. يفترض موقفاً سلبياً من قِبل الموضوع المستهدف، كي يكون بؤرة انفعال. ولا وجود لواقعٍ مثاليّ يصلح حضناً لغزوة التلقين مثل قلبٍ خالٍ، قلب خاوٍ من وسوسة محال، من حمّى سؤال، من ظمأ لاختراق آفاق للحلول في رحاب البُعد المفقود. قلبٌ كهذا هو جنّة المعلومة، وغنيمة التلقين. هنا يغترب المسّ الإلهيّ، الملقّب في خطابنا الدنيوي، باسم المعرفة، ويهيمن الشرَك، الذي اخترعنا له اسم الافتراض، كي لا نصدم أنفسنا، فنسمّيه: الوَهْم. فمن أضاع الطريق إلى نفسه فقط لا يضيره أن يحترف الوهم كي يستنزله فردوس أحلامٍ، يلعب فيه الافتراض دور البطولة. هنا ينعم المُريد بالعلاقة ما شاء له أن ينعم. هنا يعشق المريد ما شاء له أن يعشق. هنا يمرح المريد ما شاء له أن يمرح. هنا يستطيع المريد أن يمارس حريّته، أو ما يتوهّم أنه حرية، ليُميت في نفسه الضمير، فيبلغ واقعه الافتراضي حدوده القصوى ما أن يستوي في وجودٍ افتراضي!

فالإنسان، منذ الآن، يكفّ عن أن يكون هويّة إنسانية.. ولكنه يستعير هوية افتراضيّة. هو الآن شخصيّة رقميّة! هو الآن ليس هو، ولكنه طينة شبحيّة. هو الآن ذلك المسخ الأسطوري، المعبّر عنه بالـ"غوليم"، أي المخلوق الذي لا يملك من طبيعة الإنسان سوى الجرم، أمّا الروح فيه فمغتربة. روح إنسانٍ يدمن التقنية اليوم أيضاً مغتربة. وبدل أن تكون له الصدمة الأخيرة ترياقاً يوقظه من ضياعه، من غيبوبته، لتبعثه حياً من ميتة، صارت حجّة على حقٍّ مزعوم في احتجاج. صارت سبباً لاستنكارٍ من مخلوقٍ خاوٍ لا يريد أن يصحو من سباته، يرفض أن يعود من ميتته. أليس هو نفسه الذي سنّ بالأمس القوانين القاضية بإباحة كل شيء، بما في ذلك التجديف في حقّ الطبيعة بتحويل المذكّر أنثى، وقلب الأنثى مذكّراً، فلم يكتفِ، ولكنه أبَي إلّا أن ينصّب نفسه على الوجود معبوداً، بديلاً للمعبود؟

فنحن ملّةٌ لا تريد أن تعترف بحقيقة تتحدّانا كل مطلع شمسٍ، وهي: عدم وجود أي شيءٍ جديد في عالمنا، جديرٌ بإشعال فتيل فضولنا، وحتّى لو حدثت معجزة ووُجد فإننا نكتشف سريعاً أنه لا يعنينا مطلقاً، يعد أن برهنت لنا تجربتنا أن ما يعنينا حقّاً هو العالم الذي يسكننا، لا العالم الذي نسكنه، يقيناً منّا بأن العالم الذي نسكنه، ما هو إلّا انعكاسٌ بائسٌ للعالم الذي يسكننا، ولا نفلح في تحرير واقعنا، ما لم نحقّق بطولة تغيير ما بأنفسنا، وذلك بترويض أنفسنا، على مساءلة الذخيرة التي تسكننا، لنحقق، بنزيف الروح، المعراج الذي لا يبقى الخلاص بموجبه حلماً مأمولاً، ولكنه يستعير ماهيّة الفردوس المستعاد.

احتلال تقنية المعلومة في واقعنا لمنزلة غيبيّة، سيعني منذ الآن هيمنة الأفيون الافتراضي على وجودنا بسلطة ميتافيزيقيّة.