ليس المطلوب التوقف كثيرا أمام ازدواجية النجاح البرمجي الذي أبرز أمثال مارك زوكربيرغ، وتهافتهم أمام الربح، بل المطلوب هو التأهب لتحييد ضرر ما يستعد هو وأمثاله لتنفيذه، في نقلة نوعية تفتح فضاءات أكثر تفاعلية بدل التواصل الاجتماعي المعتاد، وتفتح معها أرباحا أكبر من سابقتها، وجنون ممارسة الحكم الفعلي على مواطنين رقميين يعانون من هوس الطائفة المتطرفة، cult obsession والتعلّق بالوهم الافتراضي المخدر عوضاً عن الواقع المرير.

يتداول في بعض المواقع الإخبارية تفسير للعطل الذي أصاب الفيسبوك وملحقاته الإنستجرام الواتس أب بأنه إعادة ضبط خوارزميات الذكاء الاصطناعي الخاصة بهذه المنصات قبيل جلسة الاستماع الوشيكة لعمالقة البيانات والتكنولوجيا في البيت الأبيض، لكنه تفسير لا يخلو من نظرية المؤامرة.

ما يهمنا هو المفهوم الجديد الذي بات يعرف باسم metaverse، وهو حيز رقمي يجمع شخصيات افتراضية تمثل أشخاصا فعليين تجذبهم اهتمامات مشتركة أو فعاليات متخصصة، يتفاعلون سوية ويتبادلون الأفكار والآراء ويتشاركون الجهود رقميا ضمن واقع افتراضي معدل، يتمخض عنه انزواء أو انفصال عن الواقع، أو تخطيط لما يحصل فيه لاحقا.

قد يجمع الميتافيرس - بصور رمزية avatars - هواة موسيقى الروك في حفل افتراضي، أو المتظاهرين في وقفة احتجاجية افتراضية، وكل ما بينهما. لكن صناعة مجتمعات منزوية توقد الحماس المشترك بين أتباعها بنظرة أحادية لا تقبل رأيا آخرا سوف تتسبب في نشوء مجموعات متشربة بتطرف لفكر ما وحرمت نفسها من التعرض لفكر مغاير يصنع التوازن، وساعدتها في ذلك منصات مثل فيسبوك تنظر إليها كأعداد من المشتركين القابلين للتسليع.

إن صح ما ذكرته فرانسيس هاوغن من سكوت فيسبوك عن منظمي اقتحام الكونغرس مطلع السنة وما حدث من تبعاته، فهذا يعني تواطؤا ضمنيا من قبل القائمين على المنصة لاحتوائهم لهذا الجهد التنظيمي الهادف للتخريب.

للديمقراطيين شطحات بعضها موفق، والأمل في أن يعمدوا مع إدارة بايدن إلى إخضاع التواصل الاجتماعي ونظيره الافتراضي القادم لنفس القانون المطبق على الاعلام التقليدي والتجمعات الفعلية، إذ أن سلامة المضمون وخلوه من سوء سوء السلوك والنوايا، وأمن التجمعات وخلوها من التآمر والتحريض على العنف والممارسات غير القانونية، مطلبان لا يعترض عليهما إلا من أراد الإضرار، أو من أراد استضافة المضرين بغية التربح من ورائهم.

ولنترقب ما تعالج به أمريكا ساحتها، لنطبق الدروس المستفادة.

تأمل الخبيرة هاوغن أن يطبق على منصات التواصل ما تم تطبيقه على شركات التبغ، التي أخفت تواطؤها على صحة أجسام الناس، إنما هذه المرة حرصا على ثبات عقولهم والسلم الاجتماعي.