في قمة بغداد ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كعراب بين الأضداد والمتخاصمين، وفيما غابت القراءات الموضوعية حول الدور الفرنسي كانت باريس تدير مع واشنطن مشهدا فيه كل التعقيدات، فلا يمكن توصيف إدارة مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران بأنها عملية ممكنة في ظل ممانعة قوى عربية ترفض العودة للاتفاق بدون إلزام طهران بجملة الاشتراطات، من منع التدخلات الإيرانية ولجم ميليشياتها في العراق واليمن وسوريا ولبنان ووقف برنامج الصواريخ البالستية.

من الواضح أن سياقا يجري لإنتاج اتفاق نووي ضمن حقائق الانكفاء الأميركي وإعادة التموضع مع تقييم للتحالفات، فالأميركيون لم يعودوا يرغبون التورط أكثر في الشرق الأوسط مع مراعاة التزاماتهم الاستراتيجية بأمن إسرائيل، وإيران في المقابل تتفاوض بحيثيات فرضتها من سياسات استثمرت فيها طويلا، بخلق مكونات موازية جعلتها تحقق مكاسب سياسية على حساب شعوب تلك البلدان.

الإيرانيون كانوا في أضعف حالاتهم خلال الحقبة الترامبية بانسحاب أميركا من الاتفاق النووي وقتل قاسم سليماني باعتباره مطلوبا في قوائم الإرهاب الدولي، كان التعامل الأميركي حازما مع إيران وبذلك تراجعت في عدد من الملفات، لكنها استعادت نفسها مع دخول بايدن البيت الأبيض مبديا رغبته العودة للاتفاق النووي، المؤشرات واضحة حول تزايد التدخلات الإيرانية ضمن استراتيجية الابتزاز السياسي بإخضاع عدة دول عربية لسياساتها في سجالاتها الممتدة حول الاتفاق النووي.

الإشارة التي تلقفتها طهران مبكرا كانت رفع الحوثيين من قائمة الإرهاب الأميركية، هذه الخطوة يمكن من خلالها استيعاب كل التطورات في علاقة واشنطن بالشرق الأوسط، الواقعية الأميركية واضحة في تشكيل مسارها السياسي فهي تريد من إيران خفض التهديد لحلفائها مقابل دخول النادي النووي، معادلة صعبة لكن لا بد من التعايش معها، وهذا ما تحدث به الإسرائيليون في تأكيد أن هناك قناعة أميركية بأن أيران دولة نووية.

لذلك لا بد من استقراء المشهد في اليمن بواقعية، حيث تشير التسوية السياسية إلى تمكين الحوثي بأكبر حصة من السلطة، وهو ما سيكرر مشهد لبنان باعتبار اليمن من ملحقات المحور الإيراني، تخادم جماعة الإخوان المسلمين والحوثيين فرض حالة يمنية قد تكون ملتبسة غير أنها مخطط لها بعناية بحسب توافق قوى الإسلام السياسي، بعد أن سقط حكم الجماعة في مصر 2013.

امتلاك إيران للسلاح النووي بات ممكنا بتقديرات العقل السياسي، وهذا ما سيعني أن المحور سيعتمد على تغيير قواعد التوازنات، فالحدائق الخلفية ستتحول لحدائق متقدمة بدلا من دورها التقليدي، وهو ما ستحاول من خلاله طهران استنزاف المنطقة العربية على المدى البعيد، هذا النوع من الاستقراء وإن كان سوداويا فإنه واقعي، فاللحظة لم تعد تستدعي تمويها على حقائق السياسية، للحروب والصراعات إفرازاتها واليمن أفرز واقعا مختلفا عما سبق 2015، فإما أن يقبل العرب بيمن إيراني أو جنوب عربي، وللعرب خياراتهم إن شاؤوا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فذلك قرارهم ومصيرهم، عدن مازالت عربية وستدافع عن عروبتها ومستقبلها.