وحتى مع حلول الذكرى المائة والألف لن تتغير حقيقة واحدة أن ضالة أميركا لم تكن في قندهار ولم يكن الملا محمد عمر هو الرأس الذي خطط ودبر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر هو مجرد متعصب راديكالي قرر في لحظة ما الدفاع عن متشدد آخر قام بالعملية الإرهابية التي غيرت العالم، أسامة بن لادن هو الرأس الذي قرر القيام بالعملية وهذا المؤكد باعترافه وبكل الشواهد والاثباتات ولا خلاف حول ذلك لكن أين ولدت الفكرة ونشأت؟، هذا السؤال الأهم الذي يجب أن يكون.

انتجت حقبة الصحوة الإسلامية جيلاً من انتاج أخطر المعامل على هذه الأرض فلقد شكلت حرب افغانستان في ثمانينيات القرن العشرين المعمل التاريخي الذي تقاطرت عليه افكار حسن البنا تحت درجة الغليان القصوى في حرب ممتدة انتجت مزيجاً شكل انبعاث ولادة تنظيم القاعدة وانتجت مدن قندهار وغزني مقاتلين حملوا عقيدة متطرفة واحدة وصفة واحدة هي الأفغان العرب.

في سردية التاريخ أن الأفغان العرب الذين كانوا قد توزعوا على كل أرض فيها حرب من البلقان إلى الشيشان والصومال والسودان، فلقد كان لسقوط جدار برلين ارتدادات كبيرة وكان هؤلاء الأفغان العرب الذين يحبون أن يطلق عليهم لقب المجاهدين كانوا يحاربون بعقيدتهم التي صنعت في كهوف افغانستان وكانوا يشعرون أنهم مسنودين من الملائكة فكل حروبهم مقدسة كما علمهم كبيرهم عبد الله عزام، تلك الحروب لم تكن كحرب صيف العام 1994 حيث كانت الحرب الأقدس في تصفية المعقل الأخير للشيوعي العربي الأخير في حرب اليمن.

هناك في غفلة أخرى وجد أسامة بن لادن واتباعه الفرصة المواتية لتحقيق كل شيء ممكن فالقادمين من كل حروب الارض يحصلون على جوازات سفر ورتب عسكرية فعلاقة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين مع النظام السياسي اليمني مكنت بن لادن ومجموعته من إطلاق النسخة الأكثر وحشية في تاريخ الجماعات الراديكالية بعد أن أعلن عن انشاء "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" وأعلن حرباً دينية بدأت باستهداف الولايات المتحدة في السعودية عام 1995 أي بعد عام واحد على احتلال اليمن الشمالي للجنوب العربي.

وجد تنظيم القاعدة في معسكرات الجيش والأمن داخل الاراضي اليمنية كل مستلزمات التدريب والتأهيل وانتاج المقاتلين فكل شيء متاح في الدولة الفاشلة سياسياً والتي وجدت في الافغان العرب مادة تستخدمها في الابتزاز السياسي للجوار والعالم، وبرغم إن تفجير المدمرة الأميركية أس أس كول في خليج عدن (اكتوبر 200) كان اشارة واضحة لمدى ما وصلت إليه عناصر تنظيم القاعدة من تدريب عسكري نجحت من خلاله لتوجيه ضربة ارهابية مباشرة للولايات المتحدة مع تزايد عمليات التفجير في العالم العربي.

لم يتدارك أحد ما كان يحدث في اليمن الذي كان فيه فرع جماعة الإخوان المسلمين يمتلك جزء من السلطة السياسية عبر حزب التجمع اليمني للإصلاح والشخصيات القبلية الموالية للجماعة، ظلت الأمور كما هي وظلت اليمن هي الحديقة الخلفية التي يستطيع فيه تنظيم القاعدة من انضاج أفكاره وتصوراته ومخططاته فهذه البلاد هي أرضية كان يمتلك فيها المؤسسات والاتصالات ويوازيها نظام البشير في السودان على الضفة الأخرى من البحر الأحمر.

لم يكن مفاجئاً ولن يكون ارتباط اسماء منفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 باليمن، فهذه هي الحقيقة التي سجلتها محاضر تحقيقات كافة المؤسسات الأمنية والعسكرية الأميركية فما شكله القبض على رمزي بن الشيبة من مفتاح لمعلومات لم ينتهي حتى وأن أظهرت الوثائق الأخيرة لمؤسس التنظيم بن لادن ارتباطاته بتشكيلات باطنية مكنت له كل الادوات حتى يرسل تسعة عشر متطرفاً ليهاجموا الولايات المتحدة في عقر دارها بينما كان الكثيرين من الانغماسيين ويفجرون أنفسهم في عمليات انتحارية امتدت على كل الدنيا.

غادرت أميركا افغانستان وتركت خلفها حقائق أن تنظيم القاعدة يمتلك منتجات متعددة كداعش وانصار الشريعة وانصار بيت المقدس وجبهة النصرة وبوكو حرام، كلها مجرد منتجات من مصنع واحد، فكرة واحدة تفرعت عنها مخالب القتل والتوحش، الاسلام السياسي جذر المشكلة فالإسلام دين اختطف من جماعات تعيش في الكهوف والسراديب تتخفى عن النور في الظلام تصنع الأوهام وتختزل الاوطان ويتم انتاج المفخخات والأحزمة الناسفة، فهل بعد ألف عام سيبقى السؤال من أين بدأ طريق هجمات 11 سبتمبر أو أن هناك استدراك للحقيقة الكاملة وأن كانت مريرة.