ولعل هذه الصفة تكفي لتؤدي الخطوة الأميركية غايتها، التي ربما تتجاوز بكثير تأمين الكهرباء للبنان الغارق في عتمته وانهياراته، إلى ملامح رسم خريطة طريق جديدة للمنطقة.

فالأداء السوري خلال الزيارة، إلى جانب متابعة العمل في العاصمة الأردنية على الملف، والتصريحات "الحنونة" اللاحقة للرئيس بشار الأسد المتعلقة بمساعدة لبنان، تؤكد أن البيعة التي رحب بها النظام السوري، ومن خلفه إيران، هي إلى الولايات المتحدة، وليس إلى الجار المستضعف المتهالك تحت وطأة أزمات حرمت اللبنانيين أي وسيلة من وسائل الحياة الطبيعية.

من هنا، وبمعزل عن نتائج الزيارة، تبرز ملاحظتان: الأولى تعويم النظام السوري وإعادته إلى الضوء، لأن المسألة لا تتعلق بلبنان، بل تستخدم لبنان لانتزاع اعتراف عربي ودولي بأن الأوان آن لإنهاء القطيعة والعقوبات وإعادة الحسابات وفق الرؤية الاستراتيجية لترتيب الإقليم في الآتي من الزمن.

أما الثانية فتتعلق بدور إيران بانتظار تحديد وجهة مفاوضات فيينا مع العهد الجديد بقيادة إبراهيم رئيسي، وهذه المفاوضات لا تزال هائمة تبحث عن وجهتها الجديدة، تماما كما السفن المحملة بالوقود والهائمة في غياهب بحور التجاذبات.

وهذا الدور يبرز في انقلاب المواقف بغية تليينها. فبعدما كان نصر الله قد أكد متحديا أن السفينة سترسو في ميناء بيروت، عاد الحديث عن توجه السفينة الإيرانية إلى المياه الإقليمية السورية، حيث من المفترض أن يتم تفريغ شحنتها في ميناء سوري، ليصار بعد ذلك إلى إفراغها في الصهاريج ونقلها من سوريا إلى لبنان، وذلك تجنبا لإحراج المسؤولين اللبنانيين حيال العقوبات الأميركية، ليبقى الكلام مائعا عن أن "أي وقود يمر عبر سوريا سيتعرض إلى العقوبات المفروضة من الكونغرس". فالحدود الفالتة بين لبنان وسوريا تنقل في الإتجاهين ما تشاء ومتى تشاء.  وليس بالضرورة أن يكون ما تحمله هو ما فرغته السفينة المرتقبة.

وفي حين لم يحل هذا الانقلاب دون الحرص على الظاهر الذي يريد المحور الإيراني المتاجرة به ليؤكد مواصلته الانتصارات في الإقليم و"حقه الشرعي" في بسط نفوذه.

ومن اقتنع بهذا الحق عليه مفاوضته على هذا الأساس ومشاركته وفق رؤيته.

أما من لا يريد الاقتناع، فله المزيد من الطائرات المسيَّرة المتفجرة، بالإضافة إلى الأزمات الحياتية والأمنية القاتلة في الدول المشمولة بالرعاية والدعم الإيرانيين.

ومع أنه ليس جديدا ظاهر القاموس الممانع المصر على اعتبار كل ما يجري انتصارا على الشيطان الأكبر، الذي خاف من سفن وقود إيرانية فعلت فعلها حتى قبل وصول قطرة منها إلى لبنان، فكان ما كان من مسارعة للسفير الأميركية لطرح "البديل" وقطع الطريق على هذا التوجه السافر شرقا بقيادة "حزب الله".

لكن القراءة في باطن الخطوة الأميركية حبلى بالإشارات، التي تدحض نظرية "الانتصارات" الإيرانية، وتنفي ماهيتها لمصلحة فصل جديد من فصول "الصفقات" المستمرة بين الجانبين.

ولعل المراحل المقبلة تحمل اليقين لجهة مدى ارتباط هذه الخطوة بالقراءات السياسية وتقاسم النفوذ بين المحور الإيراني والمجتمع الدولي للمنطقة، وبالتأكيد على حساب الدول العربية، وتحديدا الخليجية التي عليها أن تحسم خياراتها مع السياسات الأميركية الغامضة الأبعاد، ابتداء من ترك أفغانستان لحركة "طالبان" التي تطل على العالم بخطاب مستنسخ من الأدبيات الإيرانية، وليس انتهاء بتغليب مصلحة إسرائيل على كل العرب. وهذا ما وفره تعاظم النفوذ الإيراني تحت المظلة الأميركية منذ حرب العراق وإلى يومنا هذا.

حينها يمكن القراءة بأوراق ضغط أكبر إلى حين الانتهاء من تجميع قطع البازل، لتحديد أبعاد الانفراج المحدود المحتمل على صعيد استجرار الغاز والكهرباء إلى لبنان الفاقد سيادته بين التجاذب الإيراني/الأميركي، بانتظار نضوج طبخة المفاوضات وترتيب أوضاع دول المنطقة على أساسها.

والمؤسف أن هذه الطبخة ستأتي بما يفيد المحور الإيراني لتكتمل فصول المسرحية التي تدور منذ زمن وتتلاعب بمصير لبنان وغيره من الدول المشمولة برعاية المحور، بمعزل عن الحقيقة الوحيدة المتمثلة بالصفقات الإقليمية والدولية على حسابنا والتي تخفي الوجه الآخر لعملة الممانعة.