وحين تلقى هذه الخطوة السيادية التصحيحية كل ذلك الذي لقيته من تأييد شعبي عارم، ومن مساندة من كبرى المنظمات المدنية وعلى رأسها " الاتحاد العام التونسي للشغل" (أقوى قوة منظمة في البلاد بعد الجيش).

ففي ذلك، قطعا، ما يمثل تسفيها لكل " القراءات " الذاهبة إلى حسبان خطوة الرئيس "انقلابا على الثورة والدستور": على نحو ما وصفها راشد الغنوشي؛ زعيم " حركة النهضة " ورئيس البرلمان المجمد عمله.

كيف يمكن لمثل هذه الخطوة الاستدراكية التصحيحية أن تعتبر انقلابا فيما يقف خلفها أهم المؤسسات السيادية للدولة (رئاسة الجمهورية والجيش). ثم إذا كان الانقلاب، في تعريفه السياسي، هو - على التحقيق- الاعتداء على الشرعية واغتصابها، فالدستور هو التجسيد الأكثف للشرعية؛ وهو يلحظ في أحد فصوله (الفصل 80) الحاجة إلى تدخل رئيس الدولة لوضع حد للأسباب التي تتهدد استقرار الدولة والسلم المدنية، والإقدام على إجراءات استثنائية لهذه الغاية؛ ولم يفعل رئيس الدولة غير ذلك متحملا مسؤولياته الدستورية بشجاعة.

وما من شك في أن الذين يجادلون الرئيس قيس سعيد في الإجراءات التي اتخذها لا يبغون، فقط، الانتقاص من سلطاته الدستورية والنيل منها، بل هم يبغون أكثر من ذلك بكثير: انتزاع حق غير دستوري في التصرف في السلطة وكأنها مزرعة خاصة لا احتساب لأحد عليهم في أمرها، مستدرعين في دعواهم تلك بأنهم منتخبون من الشعب، وأن الشعب مصدر الشرعية.

لا يليق خطاب الشرعية الشعبية إلا بالبيئات الديمقراطية، ولا أحسب أن البيئة السياسية التونسية من هذا النوع. نعم، في تونس حياة انتخابية، ولكن الحياة الانتخابية ليست، دائما، ديمقراطية كما تعلمنا الخبرة المعاصرة؛ ففي سياق الحياة الانتخابية يمكن أن يشارك الفاسدون، بشراء الذمم والأصوات، والمعادون للديمقراطية الذين يركبون وسائلها للانقضاض عليها. وعليه، فالشرعية الوحيدة، في مثل هذه الحال، هي التي يجسدها الدستور والقانون.

لم يكن من مهرب للبلاد من هذه الخطوة، ولو أنها بدت شديدة الوطأة. كان لا بد منها لوضع حد لنزيف اجتماعي واقتصادي وسياسي سيقت إليه تونس من أباطرة الفساد وسدنته. والأمل، كل الأمل، في أن تخرج البلاد من هذه المرحلة الاستثنائية متماسكة معافاة، لتستعيد دورها المميز في محيطها العربي.