وبالطبع، ما يقوم به المحور ليس للتكفير عن الخطايا بالتأكيد، فهو يستمد شرعيته من الإلهي والمقدس، لكنه نكاية بـ"الشريك السري" الخائن والرافض فرض "فردوس" على القياس. من يشذ عنه يحكم على نفسه، ومن يلتزم به له الآخرة الحسنة.

والمحور لن يزيح عن مسيرته باتجاه "فردوسه" قيد أنملة، وقد اختصر وزير الدفاع الإيراني استراتيجيته بالقول: "لكننا سنواصل، وبكل قوة، مسيرتنا في هذا الطريق حتى تحقيق أهدافنا السامية".

والأهداف السامية، ودائما على لسان حاتمي، تكمن في مواجهة "احتجاجات لبنان والحكومة العراقية الحالية"، لأنها "خطوات معادية لإيران"، ولأن " الهجمة الإعلامية على المقاومة في لبنان والتدخل الأجنبي في سوريا والحرب على الشعب اليمني المظلوم"، وغير ذلك من الاستهدافات لا تعكس إلا "محاولات أميركا لتمديد حظر التسليح على إيران".

وبناء عليه، تصبح زيارة رئيس الحكومة العراقي مصطفى الكاظمي إلى الولايات المتحدة ولقاءه الرئيس الأميركي جو بايدن "مؤامرة" مكتملة وناضجة ويجب التصدي لها، حتى لو أنها اعتمدت المواربة والتحايل من خلال تحديد هدف التعاون بين الدولتين بالصفة الاستشارية لمواجهة تنظيم "داعش" الإرهابي.

فالمحور يرفض مثل هذا "التشاطر" عليه عبر مصادرة "عدة الشغل" التي يبرر بحجتها كل تدخلاته من الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط، وصولا، ربما، إلى أبعد من أفغانستان، التي أشار إليها حاتمي معترضا على "التحريض ضد إيران" هناك.

وفي خضم هذه الهجمة تلوح معالم الغضب، ليس مما تشهده البلدان التي يصادر المحور سيادتها لكن من الولايات المتحدة، إذ لولاها لما ارتاح وتوسع في الإقليم، وهي لطالما شكلت "الشريك السري" أحيانا والعلني في أحيان أخرى، لإيران. وبالتالي لا يمكنها الاستغناء عن هذه الشراكة بكبسة زر، لتتدفق العقوبات التي تشل عمل المحور التوسعي.

ففي أفغانستان، التي صُنع التطرف وزُرع فيها بحجة مواجهة المد الشيوعي، أبهى آيات الشراكة بتنسيق وتوافق مع الجارة التي آوت شخصيات وعائلات من عتاة المتطرفين، أمثال إحدى زوجات أسامة بن لادن وبعض أولاده، وكذلك رجل القاعدة الثاني أحمد المصري مع ابنته أرملة حمزة بن لادن، اللذين كانا يعيشان في إيران حيث تم اغتيالهما، وأيضا أبو مصعب الزرقاوي الذي قيل عام 2005 إنه تلقى العلاج في إيران بعد أن أصيب خلال غارة جوية أميركية على موكبه في العراق.

وكانت طهران أعلنت عام 2003 أنها اعتقلت مئات العناصر من تنظيم القاعدة منذ خريف عام 2001 وبعيد الهجوم الأميركي على أفغانستان، كما أوضحت أنها إذا كانت سلمت عددا منهم إلى بلدانهم، فهي لا تزال تحتجز عددا آخر من بينهم مسؤولون كبار في التنظيم. واكتفت بالقول إنهم سيحاكمون في إيران في حال كانوا متورطين في أعمال تهدد الأمن القومي الإيراني، أو سيسلمون إلى بلدانهم عندما يصبح الأمر ممكنا.

والأمثلة لا تنتهي، فمعروف التعاون الأميركي الإيراني لإسقاط نظام صدام حسين وتسليم العراق إلى الشريك، وواضحة أبعاد الاتفاقية النووية التي عقدها الرئيس الأسبق باراك أوباما ليفك الحصار عن المحور المأزوم من دون أن تتطرق بنودها إلى التدخلات العسكرية والسياسية الإيرانية في الإقليم. ولا يبدو، رغم التعقيدات في مفاوضات فيينا، أن حلولا جذرية ستوقفها.

بالتالي، يرتفع منسوب الغضب الإيراني من الإدارة الأميركية التي لم تسارع إلى إلغاء العقوبات والحصار، لتزيد من الأزمات التي تتفاعل وتتمخض عن مظاهرات وشتائم للمسؤولين الإيرانيين.

وبالطبع، الساحات الوحيدة المتوفرة لتفريغ هذا الغضب ومحاولة استثماره في الضغط على "الشيطان الأكبر"، لن تكون في واشنطن، وإنما في بيروت ودمشق وبغداد وصنعاء.. ولا بأس بالتوسع نحو بلدان أخرى في المنطقة، وحتى بعض ما تيسر من دول أوروبية وبذراع "حزب الله"، مما استوجب تصنيفه منظمة إرهابية في ألمانيا والنمسا.

وإذا لم يفهم الشريك الأهداف السامية لعمليات تفريغ الغضب المقدس في بلداننا المصادرة سيادتها، فلا بأس بتحويلها إلى ساحات للانتحار الجماعي، كما نشهد هذه الأيام.

وإذا دعت الضرورة، بالتأكيد سيصار إلى رفع الوتيرة وصولا إلى التدمير الشامل والوحشي.

لكن المحور الممعن في غضبه تناسى أن هذا الغضب قد يرتد عليه.

ففي حركة الشعوب المظلومة، المتحرك والمتحول يغلب الثابت، الذي استغرق عقودا لإرساء أسسه بالحديد والنار. ومهما علت وسائل القمع بالقتل والاعتقال والتجويع، لا بد أن تنقلب الساحات على قاتلها، حتى تستعيد بعضا من إمكانية الحياة.

ولن ينفع أن يأتي من يذكّر أسياد المحور بمقولة الإمام علي (رضي الله عنه): "إياك والظلم، فإنه يزول عمن تظلمه ويبقى عليك".

وإذا تذكروا متأخرين، ربما سيكون خراب البصرة قد انتقل إلى عقر دارهم.