ومن الطبيعي أن يصير الحجر، في تجربة جيلنا، حرماً، نحجّ إليه لنتلقّى في رقعته أول درسٍ في أكاديمية العلوم الغيبيّة، المسمّاة في رهانات الأمم: صحراءٌ كبرى.

في تلك المدوّنة العصيّة، لم تكتفِ الصحراء تلقيننا الدرس برموز اللغة منسيّة، ولكنها أبت إلّا أن تجود علينا بالشروح، مترجمةً في حرف الرسوم التشكيليّة، في نيّةٍ مبيّتةٍ لكشف ما توارى في خطاب دُهاةٍ تستهويهم الأحاجي، فلا يرتضون التواصل مع الأخلاف إلّا رمزاً.

كنّا نستميت في تهجّي تلك الرموز الأسطورية، التي جادت بها علينا الأمهات، المحفورة في جدران الغيران، محاولين استخلاص الدلالات في ترتيب حروف لغةٍ لا تعترف بغير السواكن دليلاً، فيثير دهشتنا أن نسمع كيف تتدفّق من ألسنة فرسانٍ يحترفون التراطن بها مع أقرانهم بتلك النزعة اللحنيّة، التي تبثّ النغمة الشعريّة في كل حرف ساكن، عندما يروقهم أن يخفوا عن الأغيار نواياهم، فنتوهّم أنهم يتخاطبون بلغة أخرى، أجنبية. ولهذا السبب كان فكّ طلسمان الرموز في صحف الجبال الحجرية، تحدياً صعباً، كلّما اكتشفنا موقعاً جديداً، غنيّاً بالمخطوطاات البدئية، المسكونة بحكمة كتاب الأمّة الضائع، الذي لا يكفّ حكماء القبائل عن التغنّي بحقيقته كلُقية مفقودة، أضاعها السلف يوماً، في ترحالهم الخالد عبر صحراء اللا بداية واللا نهاية، بسبب بلاءٍ جلل، اختلف الرواة في تحديد طبيعته.

والشغف بالعثور على مرسوم جديد، في صحف الحجر، هو ما حدّد العلاقة مع هذا الوعاء كحاضن لوصايا أناسٍ محجبين بهالة قدسية كالأسلاف، ليغدو المستودع مقدّساً أيضاً؛ فلا يعود مجرد حجر، ولكنه ينقلب سجلّاً أميناً، هادياً مبيناً، ناطقاً صامتاً، يتغنّى بلقية محالٍ عصيّ عاند بعبعاً عنيداً، تحدّي الذاكرة عبر الأجيال، وهو الزمن، كان الأخلاف سيخسرون الرهان لو لم يهرع لنجدتهم هذا الفارس النبيل، ليجير ملّتهم من الضياع، كما ضاعت ملل كثيرة أخرى، فلا عجب أن تستعير ألواح الحجارة، في عقليّاتنا، هوية الرسول المبشّر بالنبوءة، في كل مرة نعثر فيها على لُقية جديدة، من موقع جديد، في رحاب وطن هو قارّة بلا حدود، نحتفي برغم عجزنا الأبديّ في استكشاف دلالاتها، فنهرع لكاهنات القبائل في النجوع كي نستعين بفطنتهنّ في تفسير ما استغلق من رموز اللقية الجديدة، فلا يخذلنا الحدس، لأن فحوى الأحاجي تلقّننا درساً جديداً، يسكن فصلاً جديداً من وصايا كتابنا المقدّس الضائع «آنهي»، لتغدو اللقية، بفضل عمليات الفحص وصنوف التشخيص، كلمة جديدة، كشف جديد، في حفريات الذاكرة المنسيّة، التي أسقطها الزمن يوماً من صحف المتن المفقود.

بهذه الذخيرة صار الحجر كلمة. صار الحجر كتاباً، صار الحجر، في وجدان الجيل، تميمةً.

فكيف لا يعود الحجر حجاباً نعوذ به من كل شرّ، إذا كان، في زمن الفطحل، طينةً، في وقتٍ كنّا فيه جميعاً نطفةً تسكن بين الماء والطين؟
الصحف في حرف الحجارة أجناس، لأن الألواح في سجل الكهوف أجناس. أسلوب الحفر في صدر الألواح أيضاً أجناس، كما تقنيات بثّ الشجون في مسامات الصلد أجناس.

فالحجر، كمخطوط، مرآة لهوية عهد: عهدٌ، الزمن في حقّه، شاهد عيان. شاهد عيان غير معنيّ بالحياد، كما يليق بشاهد العيان، ولكنه مدجج بصولجان، لأن الزمن هنا يمارس دور الجلّاد. وهو، ولهذا السبب، لا يتردّد في أن يُشفع شهادته بحكمٍ يسكن بصمة تتلبّس جرم مساحات الصلد كاللعنة، لا تلبث أن تتجلّى في الوسم، مستعيرةً سيماء مختطّة بقلم العهد. ففي المراحل الأقدم عهداً تتبدّى البصمة أثراً كئيباً، مجبولاً بعتمةٍ موحيّةٍ ، تعاند الفناء، في عراكها البطوليّ مع غول المَحو، ولكنها تستبسل في التلويح بحجّتها، لتنقل للأجيال وصيّتها، معلنةً بذلك غلبة مجيدة على بعبع الزمن، مترجمةً في حرف كلمةٍ محفورةٍ في جسمٍ كان حديث العهد بالفطحل، عندما كانت العجنة طينةً رخوةً، سليلة الفطحل، تشكّلت من صيغتها كوحلٍ، تحرر للتوّ من قبضة الغمر، قبل أن يستوي في طبيعة الحجر، في زمن البكارة، السابق على ميلاد المبدأ، الذي حوّل، بسلطان المنطق، الطين جسداً.

في مراحل تالية حلّ المنطوق منزلته الوسطى في سلّم الطلب، ليتلقّى الكيان الطعن من كفّ مريدٍ ممسوس بحريق التوق إلى القول، فيسري الحنين نزيفاً في شرايين يبيسٍ تصلّد، لترثه الأجيال التالية جراحاً حقيقية عميقة في جرم الصخر العصيّ، مستعيناً هذه المرّة بالرسوم التشكيلية، كترجمانٍ أفصح بياناً، للتعبير عن الطقوس الدينية، مشفوعةً برموز أبجدية اللغة البدئية، التي تستميت في استنطاق القوى العقلية، لتجود بما يشفي الغليل في حملة اشتقاق المفاهيم الرؤيوية، من صلب التجربة الحسيّة.

كان عمق الحفر في كيان الصلد يستهوينا، فنستسلم للإغواء، لنجد أصابعنا تغوص في فراغ المخطوط، تغيب في مسارب الصّلد، كأنها تغترب عن الواقع، وترتحل في دروب المجهول، لتستعيد النبض الضائع، الذي تزلزل بالمسّ يوماً، فلم يجد ترياقاً للدّاء سوى اختطاط وَجده في الحجر، لم يجد مفرّاً للتحرّر من الحنين، للتحرر من الجنين، سوى نفخ الأنفاس في الحجر. وكنّا نتماهى معه، ونسلّمه زمام أمرنا، كي يقودنا إلى وطنه، إلى زمنه، إلى وَحيه، نشاركه شطحه، نشاركه بشارته، علّه يفيض علينا بنصيبٍ من غنيمته، بنصيب من ذخيرة هي في أيامنا الخاوية عزاء، هي في أيامنا الفانية امتلاء.

نملأ الأحافير المقدّسة بأصابعنا، ونتابع مسيرها في قلب الصلد، كأننا ننوي أن نبادل الأوائل امتلاءً بامتلاء. ندفع لهم امتلاء الحسّ، مقابل أن يجودوا على قلوبنا الظامئة بامتلاء الروح.

فلم يكن العقل هو دليلنا في ذلك المعراج الحرج، ولكنه كان الحدس: الحدس بوجود حدث. الحدس بوجود أمر جلل يستميت أسلافنا في أن ينقلوه لنا في فحوى هذه الصحف العصيّة، في عراكهم الشرس مع عضلة داهية، تستطيع أن تحقق معجزة أن تقول للشيء «كن» فيكون حقّاً في حال تنكّرت للإثم، لتحسن النطق.

هذا الغور في جدران صلد الوديان العارية، تبلبل بمسحة القدمة، فاكتأب ودبّ فيه الشحوب، ولكن النهج احتفظ بالوضوح في جدران الغيران، المحميّة من بطش الشموس، وعدوان الرياح الجنوبية، المحمّلة بذرّات الغبار الجنونيّة، في حملاتها الموسميّة على الصحراء. فكان يروقنا أن نجدّ في طلبها في مخابيء المغارات، لنتيمّن بقنوات مجاريها، السارية في خرائط السطوح الصخرية الخشنة، مستنيرةً بأشباح المخلوقات البشريّة المكمّمة بأقنعةٍ مستديرة، أسطوريّة، كأنها كائنات تنزّلت من كواكب خرافيّة، مصحوبةً بحيوانات وحشيّة، استجلبها هؤلاء الأضياف من عوالمهم المجهولة، لأننا لا نريد أن نعترف بوجودها يوماً في رحاب صحارينا، لأنها انقطعت في الصحراء منذ أزمنة بعيدة، بسبب بطش الجفاف، كما يروي عقلاء القبائل. وهو ما يستنزل في مناخ هذا الواقع أجواءً سحريّة، تستعير رموز الأبجدية في حضورها أبعاداً غيبيّة، نتهيّبها بقدر ما تستدرجنا، فلا نقنع بحقيقة اللُّقى المجّانية إلّا عندما تجري الوديان بسيولٍ موسميّة سخية، كي يأتي الميعاد الذي نعقل فيه أن الحجر هو مخطوطنا، معلّمنا الأوّل، الذي نصّبته الصحراء في دنيانا وصيّاً على الوصايا، وما الوَسم المبعثر على صنوفه سوى متونٍ مستعارةٍ من منطق كتابنا الأسطوري المفقود، الذي يتحسّر عليه حكماء الأجيال، وتتغنّى بسيرته الصبايا في لحون الشجن، كلّما اكتمل القمر بدراً.
ولكن المتن الحجري لم يكن ليكتمل، ما لم يستقم في صيغة ثالوث، تيمّناً بربّة التثليث «تانّيت»، التي تبصم كل مقتنيات وجودنا بختم المثلّث المقدّس، بدايةً بالألبسة، أو الأخبية، أو المصنوعات الجلدية، ونهايةً بالسروج، ومقابض السيوف، أو الرماح، أو التمائم المحمولة في الأعناق، أو التي تتوّج الرؤوس. تجسّدت صيغة الضلع الثالث، في أنشودة الحجر، وَسْمَاً اعتنق دين الوضوح في حرف الرموز، معبّراً بذلك عن هويّة الإنتماء إلى حقبة أخرى، أحدث عهداً، ولكنها أبرز حرفاً، وأقلّ سحراً، أو بالأصحّ، أقلّ مفعولاً في إبطال سلطان السّحر!.

فكل لمسة، أو وَسْمٍ، أو بصمةٍ في صفحة صلد، هي، في يقين القوم، وصفةٌ تُجير من سحر، من شرّ، من قدر. واعتناقها، محفوظةً في رقع جلود الحيوانات البريّة، ذات الماهيّة الغيبيّة، كالغزلان، أو الودّان، أو الحيّات، هي حِصنٌ. وكلّما انتمى الوَسْم إلى فصيلة أبعد منالاً في الزمان، كلّما كانت التميمة أقوى مفعولاً. وتضعضع الإيمان بقوى الرسائل، المنتمية إلى عهد الحقبة الأخيرة إنما يرجع إلى اغتراب قِدمةٍ، مسكونةٍ بروح المارد الأسطوري. والخلاص دوماً رهين حضور هذا المارد، سيّما في واقعٍ لم يعد أسطورياً، بسبب هيمنة حداثةٍ مجبولةٍ بباطل الأباطيل. فالوضوح في الخطوط فألٌ ينذر بنحس؛ لأن الإيضاح علامة خواء، إذا قورن بعتمة البصمات، في متون المخطوطات، المشفوعة بأختام الزمن الضائع، في بُعدٍ مقدّسٍ كالقِدمة.