فقد علّمتني تجربتي مع لغات العالم أن أُحسِن استنطاق اللغة المكتسبة بحيث تكشف لي عن معدنها الأبعد منالاً، لأعبر منطوق اللغة الى روح اللغة.

1 ـ اللغات:

ما أسمّيه هنا روحاً في اللغة هو، في الواقع، لغة أخرى تسكن هذه اللغة. وهو الحبر السرّي الذي يسري في شرايين اللغة، ويشكّل النواة التي انبثقت منها كل الرطانات قبل أن تستوي في لغات الأمم. وأحسب أننا لن نفلح، ككُتّاب، في ترجمة ذخيرتنا الوجودية ما لم نتعلّم اقتناص هذا البُعد البعيد الذي يستبطن كل لغة، إذا شئنا أن نُفهَم كما يجب. فهل أملك الحقّ في أن أطلق على هذه اللغة الخفيّة إسم «اللغة البدئية» كأمّ ٍ كان لها الفضل يوماً في صياغة المفاهيم المجرّدة من صُلب التجربة الحسيّة كما تناولناها في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت» الصادرة منذ ربع قرن، ولكنها لم تُقرأ للأسف، لأنها لم تحظَ كغيرها من الأعمال بترجمة إلى اللغات الأجنبية، في واقعٍ آلى على نفسه ألّا يعترف بفكرة ما لم ينلها هبةً مجانيةً مستعارةً من الغرب.

وأعتقد أن هذا الإحساس، الذي تحوّل هاجساً، هو ما يستهويني في لغةٍ عبقريةٍ كالعربية، فلا تبقى مجرد خطابٍ مكتسب، ولكنها تستعير حجّة منطق الهوية الأمّ. ويجب أن نعترف كم هو تعلّم اللغات متعة جماليّة، إلى جانب مزاياه النفعيّة، دون أن ننسى طبيعته الوجودية. فبقدر ما هو حرية، بقدر ما هو أيضاً مسئوليّة؛ لأن الإحتفاظ باللغة كغنيمة مكتسبة، مغامرة أقسى بما لا يُقاس من معركة الفوز بهذه اللغة، سيّما في حال تعدّد حصيلة اللغات. فاستبقاء اللغة حيّةً، أو بالأصحّ، حيويّة، عمل رهين ديمومة استخدام اللغة. وهو ما لن يتحقّق في مهلة قصيرة هي العمر، وفي واقع لا يتيح لنا فرصة أن نحيا في كل مكان كالمقام. فالنسيان هو الآفة المسلّطة على رقبة كل مَن قرّر إدمان اللغات. وأذكر كيف لقّننا أستاذ مادّة «علم الترجمة الأدبية» في معهد غوركي للآداب، والذي يتقن ستّاً وعشرين لغة، فكنت أعجب من موهبته في الإحتفاظ بهذه الثروة، لا من عبقريّته في اكتساب الثروة. فعطب الذاكرة هو ما جعلني أتحمّل، أثناء فراري الأبديّ عبر العالم، وزر مكتبة مكوّنة من موسوعتين هائلتين هما «لسان العرب» في خمسة عشر مجلّداً، و«الأغاني» في الثلاثين مجلّد، لكي أُبقي على صلتي بلغةٍ مكتسبةٍ، اخترتها، أو اختارتني، من دون كل اللغات، لتكون دليلي إلى الحقيقة، كما العربية، سيّما في واقع أوطانٍ يغيب فيها الكتاب العربي مثل روسيا السوفييتية، أو بولندا، أو حتى سويسرا وإسبانيا، وفي أزمنةٍ مبكّرة لم تُنجدنا فيها تقنية المعلومة بهباتها بعد.

الخلاصة أن اللغة في كل الأحوال ورطة أيضاً، إلى جانب قيمتها الوجودية أو المعرفية؛ لأنها ليست لُقية نستطيع أن نستودعها قيعان خزنة لا يُعوّل عليها كالذاكرة، وفي لكن المكوس المدفوعة للإبقاء عليها شجرة يانعة تُثمر في كل مرة وجوداً، تكلّف الجود بحرصٍ لن يشتريه العمر حتى لو تجاوز عتبة المائة عام.

 2  ـ الأحكام المسبقة

الأحكام المسبقة ليست أفيون الغرب وحده، ولكنها رذيلة تهيمن على واقعنا الإنساني، بما في ذلك واقعنا العربي. وهي في ظنّي، رذيلة مستَجلبة من مستودع الأيديولوجيات السائدة؛ لأن الأيديولوجيا هي المارد الأول الذي اخترع  «الحكم المسبق»، بسبب اعتناقها لعقلية تكاد تتحوّل في أدبيّاتها ديناً، كما الحال مع «أحتكار الحقيقة». وليس لمُريد الحقيقة في رأيي إلّا أن يتسامح في حقّ هذه العقلية، إذا شاء ألّا يشغل نفسه بما من شأنه أن يبدّد فيه شغف ارتياد ما يحتجب وراء الآفاق؛ لأن في حبّ الحقيقة يسكن مصرع الحكم المسبق! 

3  ـ رواية كل اللغات 

إذا أُتيحت لي فرصة أن أختار الرواية الأجدر بأن تكون سفيري لدى كل الأمم فسوف أختار كل الروايات لسببٍ بسيط وهو أن الروائي في مجمل أعماله لا يكتب روايات، ولكنه يؤلّف معزوفة موسيقية، سيمفونية، كل رواية فيها وترٌ يترنمّ بلحن في الأنشودة؛ ولهذا السبب يقال أن الروائي يكتب رواية واحدة حتى لو كتب مائة رواية.

هذا إذا خُيّرتُ. ولكني في حال أُجبرتُ على الاختيار فليس لي إلّا أن أختار رواية «مَن أنت أيها الملاك؟» لأنها لن تكون سوى فصل في المتن، أي ترنيمة في المعزوفة الموسيقية، يترجم مأساة الهوية. فعندما يُسمح، في عالمنا، بالبخل على الإنسان في أن يتمتّع بحرية اعتناق إسمٍ هو في الواقع هوية وجودية، وذلك لأسباب عرقيّة، أو دينية، أو ثقافية، فذاك ليس مجرد قمع، ولكننا نشرعن بهذا صدور حكم بالإعدام في حقّ هذا النموذج، لأن الاسم لا يبقى مجرّد هوية هنا، ولكنه يستعير حرفياً بُعداً وجودياً. فالحظر في حق الإسم حظرٌ في حق الوجود. فما لا إسم له لا وجود له.

4  ـ أوطان الصقالبة

العمل في أصقاع مثل موسكو أو وارسو ثروة ليست حكراً على المخيّلة وحسب، ولكنها ثروة من شأنها أن تستعير سلطاناً على التجربة أيضاً. أي أنها مدرسة. يكفي أن يكون الواقع مختلفاً، بحيث يتحوّل في سيرة أي مريد مفتون بالفضول، مدرسة، سيّما إذا كان الإختلاف لا يقتصر على الواقع الثقافي وحده، ولكنه اختلافٌ يشمل الواقع البيئي أيضاً. فالإنتقال من مجال طبيعي هو نموذج في حرارة المناخ، ومثالٌ في التجرّد من مؤهلات المكان، كالصحراء الكبرى، لنزول مجال طبيعي شمالي، مناهض لهذين البعدين، فإن القفزة لن تعدم أن تتحوّل صدمةً حقيقيةً، وبما أننا لا نتعلّم من المُسَلّمات، ولكننا نتعلّم من الصدمات، فمن الطبيعي أن تُسهم هذه التجربة في إعادة تشكيل الوعي؛ لأنها تفرض ضرورة  إعادة تأهيل الجسد كي يكتسب المناعة اللازمة للتأقلم مع المحيط البيئي الجديد، وهي مغامرة خطرة، لأنها لا تقارن إلّا بخوض تجربة ميلاد ثانٍ. الميلاد الذي لم تخطيء الكتب المقدسة عندما ما نصّبته  دليلاً لارتياد ملكوت الربّ. فإذا تزامن الحضور في واقع عالمٍ كهذا، مع تجرّع بلسمٍ يسري في عروق لغات ذاك العالم، فإن الإغتراب البيئي، وكذلك الثقافي، يتحوّل نزهةً، يتحول متعةً، لأن السعادة كانت دوماً رهينة بعثٍ من هذا القبيل .

5  ـ واقعيّة سحرية، أم واقعية ميثولوجية

هل هي «واقعية سحرية»، أم أنها ترجمة شعرية لما يمكن أن نسمّيه «سحرية الواقع»؟

من حقّنا أن نعترف بها كـ «سحرية واقعية» مادمنا نحيا واقعاً سحرياً، سحريّاً بما هو صيغة تحوّل أبديّ، لا في حرفه وحسب، ولكن في روحه أيضاً. ومن الطبيعي أن تتقاطع واقعيّتي الصحراوية، في بُعدٍ مّا، مع السحرية الواقعيّة، بما هي مغامرة ميثولوجية،  لواقعٍ ميثولوجيٍّ بامتياز، لأناسٍ يتنفّسون برئةٍ ميثولوجيةٍ، روحاً وحرفاً. فليست الأساطير وحدها هي ذخيرة هذا الإنسان المنقطع في أعظم صحاري العالم مساحةً وتنوّعاً، ومهداً لأقدم الحضارات، ولكن العزلة الخالدة هي ما لعب دور البطولة في تشكيل وعيه الميثولوجي، بحيث لن يدهشنا أن نكتشف كيف لم يستطع الزمن أن ينال من القيم الأخلاقية والعادات الإجتماعية، التي يعتنقها هذا الإنسان، ويعاملها كقدس أقداس، كما يورِدها أبوالتاريخ هيرودوت، في كتابه الرابع عن قدماء الليبيين، وهو ما يعني أن المكان الذي يبيد، ويتنكّر لطبيعة المكان، كالصحراء، يحاكيه قرينه الزمان أيضاً، فتتوقف فيه غريزة الإبادة، لنرث أخلافاً مازالوا يحيون في عالم اليوم، لا بروح عالمنا، ولكن بروح أسلاف قضوا نحبهم منذ عشرة آلاف عام.

هذا هو واقع طوارق اليوم؛ فكيف لا يحقّ لسليل هذا الواقع أن يستميت لكي يتغنّى بوجودٍ نحسبه غنيمة الزمن الضائع، في حين أنه مازال في مملكة الصحراء هو الزمن المهيمن؟

6  ـ أوليس البرّ البحر

أيُّ القطبين أحقّ باعتناق دين أوليس: قطب البرّ، أم قطب البحر؟

لو كان هوميروس سليل برٍّ لما فاز البحر بقصب السبق في اعتناق دين الرحيل، بحيث تحوّل ترجماناً يختزل في حرفه سيرة عبور الإنسان لواقعٍ هو الوجود. فالترحال طبيعة تسري في دم إنسان البرية، قبل أن تكون هوية في مسلك إنسان البحر. فالقبيلة البشرية كلّها كانت في البدء تحترف الرحيل عبر البريّة، ولم تطمئن إلى البحر إلّا في مراحل تاريخية تالية.

وهو ما يعني أن الإنسان بطبعه إبن يابسة، ومُريدُ بريّة، والنزعة الـ أوليسيّة هي ما يليق به، لأنه المفطور على اليبوسة، والمعجون من طينتها، وسليقته صنيعتها، وهو الأحقّ باعتناق صليب بُعدها الميثولوجي، الذي استهوى الشعراء، فأدمنوه للتعبير عن توقٍ غيبيّ لهجرة تعزّي فينا الإحساس التراجيدي بباطل الأباطيل.

من هذا المنطلق فكل عمل روائي حقيقي هو معالجة سافرة، أو مستترة، لسيرة أوليس الذي يحيا في كلًّ منّا.

7  ـ رواية المحال

الرواية التي تستهويني، وأحسب أنها الأجدر بأن تُقرأ أكثر من أيّ عملٍ روائيٍّ آخر، هي الرواية التي تحيا في وجدان كل منّا، ويحرّضنا مسّ المجهول أن ننزفها نزيفاً، ولكن لا يُكتب لأيٍّ منّا، مهما ارتقت عبقريّته إلى مرتبة النبوّة، لأن ينجزها، مهما ضحّى في سبيلها بمخاض!

إنها الغصّة التي تخنقنا، ولكن يعجزنا أن نترجمها.

8 ـ الشاهد على مسقط رأس التكوين

الصحراء ليست مدينة خفيّة، بل الصحراء وجودٌ خفيّ. فحيث لا يوجد في نظرنا شيء، فثمّ يوجد كل شيء. ومعجزة الصحراء هي في قدرتها على الجمع بين هذين الضدّين. فهي حرفياً عدمٌ، ولكنها فعليّاً العدم المنتِج لكل شيء. هي العدم المبدع. ولو لم يكن الأمر كذلك لما كانت المستودع الذي أتحفنا بالنبوآت، فجاد علينا في حرف النبوّة بالخلاص. ومأساتنا أننا لا نرى في الصحراء سوى الفراغ، وننسى أن هذا الفراغ فضاءٌ، ولكنه ليس فراغاً. فهي مسكونة حرفاً وفحوى. فكما هي مسكونة في ترابها وباطنها وفضائها، كذلك هي مسكونةٌ روحيّاً أيضاً. في الحرف مسكونة بالثروات الطبيعية، سواء كتراب لا يعدم أن يتحوّل تبراً، أو بباطن يختزن النفط والذهب واليورانيوم والغاز ليتحوّل كنزاً، أو بفضاءٍ مسكونٍ بأشعّةٍ تتحوّل طاقةً، كذلك الصحراء مسكونةٌ روحيّاً، ليس فقط بميثولوجيا الأمم التي تعاقبت على أرضها، ولكنها مسكونةٌ بشهادةٍ أعظم شأناً، هي كونها شاهد عيان على مسقط رأس التكوين، ولم تكن لتسبق في التجرّد من مسوحها، لو لم تكن الموقع الأوّل الذي اصطفته الطبيعة، أو الالوهة، ليكون لوجودنا أرجوحةً.

9 ـ الهاجس أروع ذكرى عن الصحراء؟

الذكرى عن الصحراء لا تصلح في الرحلة زاداً، ما لم تتحوّل هاجساً؛ لأن الهاجس هو الوصيّ الذي يحرس بوابة أعظم مستودع وهو: الحدس. الحدس وحده أبدع الإبداع واخترع الإختراع. وأن تتحوّل الصحراء هاجساً يعني أنها استطاعت أن تنصّب جناب الحدَس على الوجود قاضياً، فلا تعود الصحراء طريقةً، أو نهجاً، ولكنها تستقيم في عقليّة، في منطق. منطقٌ لا ينطق بلسان الواقع الحرفيّ، ولكنه يرطن بلسان الميثولوجيا، كي يفهمنا حقيقته التي لا تنتمي إلى الطبيعة، التي اعتمدناها في نشاطنا الدنيوي ناموساً، ونصّبناها في حياتنا معبوداً، ولكنها تنتمي إلى طبيعة الحلم، إلى طبيعة ما اعتدنا أن نسمّيه: فردوساً مفقوداً.

وأستطيع أن أعترف بأن أمثالي لم يكن ليفلحوا في انتزاع أيّ اعتراف من عرّابة الوجود هذه، لو لم يعوّلوا على هذا البُعد الغيبيّ، في هذه الأحجية المسمّاة صحراءً. فلا أداء لواجبٍ نحو الأوطان، التي اغتربنا عنها، ما لم نستجب لنداء العهد، المبرم بحرف الهاجس، المبرم بنزيف الروح. فالذكرى، عندما تتحول هاجساً فقط، تستعير هويّة القيمة.

10 ـ أنوبيس: نبوّة الأنبياء

 الإعتراف بوجود الأساطير المهاجرة، كما ورثنا في نظرية الأدب، هو بمثابة اعترافٌ بحقيقة الأمم المهاجرة، بل اعترافٌ بحقيقة القبيلة الإنسانية الكبرى المهاجرة، قبل أن يركن فريقٌ إلى المكان، ليحدث الصدع الذي شطر القبيلة إلى قطبين: قطبٌ برّي، وآخر حضريّ.

فالأساطير أمثولات شاملة، من صنع جماعيّ، مهمومٍ بصياغة مفهوم، من الطبيعي أن يستوي في تلك النواة التي كان لها الفضل في وضع أسس الناموس، الذي استقام تالياً في الدّين.

ولذا فالأسطورة أول كلمة في معجم حكمة الأجيال، وهي لا تهاجر، لا تعبر الحدود مصادفةً، محمولةً في هبّة ريح، ولكنها تنتقل بخطّة محكمة، تسري في خطابٍ، مجبولٍ بأنفاس الروح. أي أنها رسالة معتمدة بحرف علاقة. العلاقة السابقة على حدوث الانقسام الموجع. أي في العهد الذي شهد حضور الإنسان في حضرة أخيه الإنسان. وهو ما يعني أن هجرة الأساطير عبر العالم لم تكن وليدة تأثير، ولكنها تلبيةٌ لنداء انتماء. الإنتماء إلى الأرومة البدئية، عندما كان الإنسان ينعم بالحضور في رحاب أخيه الإنسان، في واقعٍ الحريّة فيه حَرَمٌ، بحكم الترحال. وأسطورة «أنوبيس» التي تمّت معالجتها في الرواية المعنونة بهذا الاسم، لن تكون استثناءً، بماهيّتها الصحراوية، التي انتقلت في أعطاف السلالة التي فرّت من موطنها، الذي شهد كارثة مناخيّة كالتصحّر، منذ عشرة آلاف عام، لتحلّ في فردوس يابسةٍ، محفوظةٍ بوجود سيلٍ دائم، يجود به المجهول من أوطانٍ خرافيّة، لم يخطيء يوليوس قيصر يوم تطوّع بالتنازل عن كليوباترا، وعن الإمبراطورية الرومانية كلّها، مقابل أن يقف على حقيقة منابع هذه الأعجوبة الملقّبة باسم «النيل»!

فالإنتماء إلى الأرومة المشتركة بين الليبيين والمصريين هو ما أنجب الشراكة في الأساطير، وفي اللغة، وفي الديانة أيضاً، ولن نعجب أن نعلم أن أسطورة مرجعيّة في مقام «إيزيس وأوزوريس» أيضاً كانت أسطورة مستعارة من أصول ليبيّة، مازالت تجري في واقع أخلافهم الطوارق في أسطورة «تانّس ووانّس»، والكاهن «آنهي»، الوصيّ على كتب مصر المقدّسة، ما هو إلّا إسم كتاب الطوارق الضائع، الملقّب بالإسم ذاته، وكل التراث الديني المصري مايزال حيّاً في تراث الطوارق، بدايةً بدلالات أسماء الآلهة، ونهايةً بالمفاهيم الدينيّة والوجوديّة، كما بيّنّا في موسوعتنا «بيان في لغة اللاهوت» الصادرة منذ ربع قرن. فإسم «أنوبيس» نفسه مدلولٌ ثريٌّ، ترجمته تسكن لغة الطوارق، في ملفوظة «أنوبي»، الدالّة على: الابن، وذلك بإسقاط حرف السين اليونانية، المستخدمة للبرهنة على الصيغة الإسميّة، كما يوردها توماس مانّ في «يوسف وإخوته»، عاريةً من هذه السين. فما لا يجب أن ننساه، في شأن هذه «السين»، هو حقيقة مرجعيّة تتعلّق بالكاهن المصري «مانيتو»، مؤلف تاريخ الأسرات، في خطابٍ موجّهٌ أصلاً لليونانيين، بطلبٍ من الاسكندر المقدوني، عندما غزا مصر في القرن الرابع قبل الميلاد، دون أن يكلّف نفسه عناء المضي إلى أبعد من الأسر القديمة. أمّا عهد ما قبل الأسرات فتاريخٌ آخر ثريٌّ، ولكنه منسيٌّ، كما يعترف علماء المصريات؛ كل ما هنالك أنه تاريخٌ مجهول بسبب غياب المصادر عن مرحلة هي في الواقع تاريخ الهجرات القادمة من الغرب الليبي، في زمن هيمنة التصحّر، فلا ملاذ في شأنه سوى حفريات اللغة، لا حفريات الجغرافيا، كما هو مترجمٌ في لسان الطوارق، الوريث الشرعي الوحيد للسان الليبي القديم.

ولكن صيغة البنوّة في الإبن هويّة ملتبسة في اللغة المعنيّة، لأنها لا تكتفي باعتماد الحرف، بل تراهن على معنى الإنتماء إلى أبوّة مجهولة الأصل. وقد استعارت منها العبرية والعربية إسم «نبيّ» للتدليل على الإنتماء إلى قدس أقداس هو: الربوبيّة. أي أن كل نبيّ ما هو إلّا إبنٌ لربّ أرباب، لا حسيّاً بالطبع، ولكن روحيّاً يقيناً. ولذا فإنّ «أنوبيس» هنا رسولٌ ألوهيّ، في العقيدتين المصرية والليبية القديمتين، ولذا فهو الوصيّ المخوّل بمرافقة الأموات إلى العالم السفلي. وهو ما يوافق أيضاً العقيدة المسيحيّة التي تنصّب المسيح سليلاً روحياً للربّ، وتنزهه الديانة الإسلاميّة أيضاً عن الإنتماء لبنوّة حسيّة للربوبية. ممّا يعني أن كل مفاهيمنا الدنيوية، وقناعاتنا الدينية، إنّما تسكن مستودع ميثولوجيات العالم القديم.