أول وأهم تلك التوقعات أنها تعمل بطريقة "رئيس الفترة الواحدة"، لذا فهي تسارع في تنفيذ أولويات داخلية مع اهتمام أقل بالسياسة الخارجية النشطة. هذا بالاضافة إلى أن الفترة الأولى تركز على تغيير الكثير من سياسات الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب، وليس المبادرة بسياسات جديدة مبتكرة.

وهنا أيضا نجد أن الاهتمام ينصب على إلغاء سياسات داخلية، في الأغلب اقتصادية، لتقول الإدارة الجديدة أنها "مختلفة".

أما الفترة الواحدة، فذلك على الأرجح لأن الرئيس بايدن قد لا يترشح لفترة ثانية في 2024 وإنما يترك الحزب الديمقراطي يرشح نائبته كامالا هاريس. ولم يكن مفاجئا أن يوكل بايدن لهاريس أهم ملف داخلي، كان أحد عوامل فوز ترامب في 2016، هو ملف الهجرة والمهاجرين.

ما يهمنا في منطقتنا، وما يهم العالم خارج الولايات المتحدة، هو السياسة الخارجية لإدارة بايدن التي حددت أولوياتها بالتصدي لصعود الصين الاقتصادي في العالم ومحاولة استعادة قوة دور الريادة الأميركية. هذا بالاضافة إلى استهداف محاولات روسيا لعب دور أكبر عالميا على حساب دور الولايات المتحدة. أما تعزيز "التحالف الغربي" ومواجهة التغير المناخي فهي أيضا سياسة عكس سياسة ترامب أكثر منها سياسة مبادرة نشطة.

أما منطقتنا، فلا يبدو أنها تحتل أولوية في السياسة الخارجية الأميركية حاليا – باستثناء الاتفاق النووي مع إيران. وهذا الأخير في قدر كبير منه مرتبط بسياسة مواجهة روسيا والصين واستعادة اتزان العلاقات مع أوروبا. هي في النهاية محاولة للقفز على فترة رئاسة ترامب والعودة إلى النهج الاستراتيجي الأميركي الذي بدأ يتبلور في فترة الرئاسة الثانية لجورج بوش الابن: فك الارتباط مع العالم والاعتماد على قوى محلية واقليمية لحماية المصالح الأميركية.

قليلون في المنطقة هم من تعاملوا بشكل جيد مع هذا النهج الأميركي، وظلت الأغلبية تتعامل بالطريقة التي عبر عنها الرئيس المصري السابق أنور السادات في سبعينيات القرن الماضي في مقولته الشهيرة "تسعة وتسعون في المئة من أوراق اللعبة في الشرق الأوسط بيد أميركا".

لا يعني فك الارتباط الأميركي التخلي عن أوراق اللعبة في المنطقة، وإنما زيادة عدد المقاعد على الطاولة الإقليمية وإشراك لاعبين في الفريق الأميركي ينسقون الأوراق معه. وهذا ما استفادت منه بعض الدول في المنطقة بتبني سياسة خارجية نشطة ومبادرة.

وكانت فترة رئاسة ترامب محفزا قويا لتلك الدول والقوى الإقليمية على تعزيز دورها مستفيدة من فك الارتباط الأميركي، وإن ظلت في إطار تقاطع المصالح مع الولايات المتحدة. وعوضت إدارة ترامب التدخل المباشر والنشط بسياسة العقوبات الاقتصادية. ولأن إيران كانت تقريبا القوة الإقليمية الوحيدة التي ظلت تتعامل مع المتغيرات بذات العقلية القديمة، لذا تعرضت لأشد العقوبات وخسرت أي فرصة للجلوس إلى الطاولة الإقليمية والحصول على أي أوراق لعب.

صحيح أن إدارة بايدن تستفيد من "ورقة" العقوبات الاقتصادية التي أدخلتها إدارة ترامب في لعبة السياسة الخارجية عموما، وفي منطقتنا بشكل واضح، لكنها في النهاية تراجعت عن أي تفاعل نشط ولو حتى بخطاب إنشائي.

كما يبدو أن مسألة العقوبات وصلت إلى حدها الأقصى في التأثير، ومع إدارة بايدن ستجد القوى الأخرى في العالم طرقا للالتفاف عليها.

والأرجح أنه يتم بالفعل إعادة توزيع أوراق اللعبة لمباراة جديدة، قد تستغرق أربع سنوات هي مدة رئاسة الفترة الواحدة. وعلى القوى الإقليمية أن تسعى للمشاركة، ليس على أساس مقولة السادات ولكن على أساس أن هذه فرصة لتعزيز أوراقها وبالتالي دورها في المشاركة باتجاه نتيجة المباراة الإقليمية. وإذا كان البعض يرى أن الجماعات والمنظمات غير الحكومية ربما يكون لها دور أكبر على حساب الدول والحكومات بدعم من إدارة بايدن، فذلك أيضا تفكير قديم لا يبدو صالحا الآن. بل على العكس، ربما هي فرصة أكبر للدول والحكومات لتعزيز دورها في القضايا المحلية والإقليمية.

والمفيد هنا أنه من ينتظر دعم واشنطن القوي والحاسم (في الأغلب الجماعات والتنظيمات الهامشية) سيخسر الجولة المقبلة. والدول التي ما زالت تفكر بالطريقة التقليدية وتخطط سياساتها على أساس "حرب باردة" بين واشنطن وبكين مثلا لن تستفيد شيئا.

أما المستفيد فهو من يبادر وينشط بتقاطع معتدل مع واشنطن وغيرها لا يضر بإنفاذه مصالحه وتعزيز مكانته الإقليمية. وفي هذا السياق نرى الجهد العربي المنطقي في استعادة العراق وليبيا وسوريا من براثن نفوذ إيراني أو تركي أو صعود إرهابي للإخوان وجماعاتهم المسلحة.