والسبب هو موقف الإخوان ووسائل إعلامهم من رئيس المجلس الرئاسي الليبي الجديد محمد المنفي، فقد صورت وسائل الإعلام التابعة للإخوان انتخاب الرجل المولود في طبرق شرقي ليبيا على أنه انتصار لنفوذهم التنظيمي وتأكيد لحضورهم الشعبي وتأثيرهم السياسي، لكن هذه "الزفة" التي استقبلوا بها انتخاب المنفي سرعان ما انقلبت حسرة وندما بعثرت أوراق الجميع.

السيسي والخط الأحمر

ففي يوم الأربعاء الماضي تلقى المنفي اتصالا هاتفيا من الرئيس السيسي "صاحب الخط الأحمر الذي أوقف أطماع تركيا في ثروات ليبيا" وكذلك حدث مع رئيس الوزراء عبد الحميد دبيبة وقد شهد الاتصالان التأكيد على دعم مصر للرجلين في مهتهما الجديدة لاستكمال بناء المؤسسات الليبية على أسس وطنية.

وبعدها جاءت زيارة المنفي لبنغازي ولقائه المشير خليفة حفتر.

اتصال وزيارة تحول بعدهما الرجل الذي اعتبروا انتخابة "بشرة خير" إلى خائن وعميل جاء لينهب ثروات البلاد ويضيع حقوق العباد.

قيس والمنفي

تابعت بدون أدنى شعور بالدهشة حملات الهجوم على المنفي فأخذني المشهد إلى ما حدث مع الرئيس التونسي قيس سعيد فور انتخابه.

فقد كنت في تونس لتغطية الانتخابات الرئاسية هناك، ورصدت بالصوت والصورة كيف حاول الإخوان سرقة فوز الرجل بالرئاسة، وكان لسكاي نيوز عربية آنذاك السبق في كشف تلك المحاولة وتوضيح كيف وصل قيس سعيد إلى نهاية السباق الرئاسي الذي خرج منه مرشح الإخوان عبد الفتاح مورو خالي الوفاض من الجولة الأولى للانتخابات.

وكعادة الإخوان انطلقت كتائبهم الإلكترونية ووسائلهم الإعلامية داخل تونس وخارجها في مديح الرجل، لكن وكما هي عادة الإخوان أيضا، وحين رفض قيس سعيد الخضوع لابتزاز التنظيم وإغراءات أمرائه تحول إلى عدو يكيلون له الاتهامات بل والشتائم آناء الليل وأطراف النهار.

سلوك إخواني أصيل

أقول لم أندهش من هذا الانقلاب في سلوكيات الإخوان تجاه رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي كما لم أتعجب مما فعلوه ويفعلوه مع الرئيس التونسي قيس سعيد.

فإخوان اليوم هم أبناء إخوان التأسيس الثاني للجماعة في مطلع سبعينيات القرن الماضي وأحفاد إخوان التأسيس الأول على يد حسن البنا في أواخر العشرينيات.

وحين مارس إخوان السبعينيات ذات السلوك مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي تحالفوا معه ثم انقلبوا عليه حتى انتهى الأمر باغتياله على يد من تربوا في مدرسة الإخوان الإرهابية.

كانوا يسيرون على درب الجيل المؤسس للتنظيم في تعاملهم مع ثورة يوليو وقائدها جمال عبد الناصر، ففي الشهور الأولى للثورة حاول الإخوان سرقتها ونسبتها لأنفسهم ، وكتابات قادتهم بعيد قيام الثورة وفي مقدمتهم سيد قطب مليئة بعبارات المديح والإطراء على قادة حركة الجيش ، لكن حين رفض عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة الخضوع لابتزاز التنظيم ، ولم ينل سيد قطب ما كان يصبوا إليه من أن يتم اختياره وزيرا للمعارف ، ولم يحصل عليه المرشد الثاني للجماعة حسن الهضيبي على ما أراد من فرض وصاية الجماعة على الثورة تبدلت الأحوال وبدأت حملات الهجوم والتشويه على الثورة وقائدها حتى انتهى الأمر بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر في عام 1954.

وعلى هذه القواعد التي وضعها حسن البنا لتأسيس تنظيم الإخوان في الماضي يواصل أبناء التنظيم في الحاضر - بغض النظر في أي بلد يعملون - ممارسة كل فنون الكذب ومختلف ألوان التدليس وشتى أنواع الإرهاب.

وإن كانت محاولة اغتيال عبد الناصر قد باءت بالفشل فقد نجحت عملية اغتيال السادات.

ولا مانع لديهم من تكرار التجربة في تونس أو في ليبيا.