لكن هذا يبدو منطقيا، فهؤلاء يعرفهم بايدن وعمل معهم وبعضهم كان تحت رئاسته مباشرة.

يرد بايدن بنفيه أنه امتداد لأوباما على حملات من الجمهوريين لتخويف الأميركيين منه، ولا علاقة لذلك بسياسة أوباما الخارجية طبعا.

ومع أنه اختار منافسا له في حملة ترشيح الحزب الديمقراطي للرئاسة، بيت بوتجيج، وزيرا للنقل والمواصلات إلا أنه لم يختر السناتور بيرني ساندرز أو إليزابيث وارن لمناصب في إدارته معللا ذلك بحاجته لأصواتهم في مجلس الشيوخ الذي يحتمل أن تظل الأغلبية فيه للجمهوريين.

لكن الواقع أنه ينأى بنفسه عن اتهامات معارضيه بأن سياسته ستكون "يسارية"، وليس على يسار الحزب الديمقراطي أكثر من ساندرز.

أما موظفو إدارة أوباما السابقين فليس بالضرورة أنهم سينهجون النهج نفسه الذي سار عليه أول رئيس أميركي من أصل إفريقي. ليس لأن الأوضاع تغيرت على مدى أربع سنوات من حكم ترامب فحسب، بل لأن شخصية الرئيس تلعب دورا في تحديد توجه سياسة الإدارة، وبايدن ليس أوباما من زوايا عدة.

فماذا سيكون بايدن، وما توجه إدارته المحتمل، وما أهمية ذلك بالنسبة للعالم ولمنطقتنا خاصة؟

بداية لن يكون بايدن أوباما آخر، لكنه أيضا قد لا تكون له بصمة محددة بشكل حاسم، ذلك أن البداية كما نرى أنه يحاول "ألا يكون كذا .. أو كذا .." وليس "أن يكون".

والأرجح أن تلك ستكون سمة توجه سياسات إدارته على مدى سنوات فترة رئاسته. فالتحديات الداخلية كبيرة، وهناك أولا محاولة تغيير بعض سياسات ترامب.

مع أن ذلك لن يكون سهلا، لكنه لا يقل أهية عن محاولة بايدن ألا يكون أوباما ولا يكون يسار حزبه .. وهذا يضيف أنه سيعمل ألا يكون "استمرارا لترامب" بشكل أو بآخر، رغم أن بعض سياسات ترامب ستظل، وربما لن يكون من السهل تغييرها في فترة رئاسة واحدة لخلفه.

يستنزف توجه رد الفعل هذا القدر الأكبر من طاقة الإدارة الجديدة، ولن يكون قاصرا على القضايا الداخلية فقط رغم أولويتها.

وستحدد القضايا الداخلية كذلك أولويات السياسة الخارجية لإدارة بايدن، فعلى سبيل المثال، تعد العلاقات التجارة والاقتصادية مع الصين صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم الأكثر تأثيرا في وضع الاقتصاد الأميركي.

وبالتالي سيكون ضبط العلاقات مع الصين أولوية قصوى، وستصبغ سياسة إدارة بايدن بكثير من التوجهات السابق ذكرها. بمعنى، أنها ستحاول تغيير ما خلفته سياسات ترامب مع الصين وأيضا مع روسيا باعتبارها ثاني أكبر اهتمام خارجي، لما له علاقة بالأمن القومي الأميركي.

يمكن أن يستخلص المرء من كل ما سبق أن إدارة بايدن، بمحاولاتها ألا تكون هذا أو ذاك، لن تكون مبادرة ومبتكرة في الفعل بالقوة التي يتوقعها البعض.

لذا، فإن فترة رئاسة بايدن ربما تمثل فرصة لكل من يريد تطوير سياساته الخارجية والإقليمية المبادرة والفاعلة. لا يعني ذلك أنها فرصة لتجاهل تأثير أميركا ونفوذها، ولكن فرصة للفعل "المستقل" بنسبة أكبر.

وهذا ما بدأت بعض الأطراف تعمل عليه من الآن، ليس من قبيل أنها تنتظر أن إدارة بايدن ستكون عونا لها أكثر من إدارة ترامب، وإنما لإدراكها المبكر لما يمكن تسميته "فرصة بايدن" ومحاولة استغلالها.

ذلك يفسر ما نراه في منطقتنا من محاولات إعادة احياء تنظيم الإخوان وما تبثه منافذهم الإعلامية من بالونات اخبار حول محولات تفاوض سلطت دول معهم أو سعيهم لتحالفات مع جماعات ليبرالية ويسارية.

ولن يضرهم بالطبع ترويج وهم أن إدارة بايدن ستدعمهم كما فعلت إدارة أوباما، لكن الواقع أنهم يسعون لانتهاز الفرصة.

وعلى طريقة الإخوان، تجد كل الجماعات الإرهابية في حالة استنفار لفلولها لمحاولة العودة للساحة مرة أخرى في الدول التي لفظتهم أو تعزيز دورهم في الدول التي ما زالوا يتمتعون فيها بقدر من السلطة.

ولا يقتصر ذلك على جماعات الإرهاب المنبثقة من عباءة الإخوان، بل تجده أيضا عند جماعات مرتبطة بإيران مثل الحوثي في اليمن.

ولعل ذلك ينبه دول المنطقة، التي تكافح الإرهاب والساعية لإعادة بلورة دور الدولة وضمان الأمن واستدامة التنمية، إلى أن عليها انتهاز "فرصة بايدن" والسعي لتحقيق أهدافها، بدلا من الانتظار لتكون سياساتها بعد ذلك رد فعل على ما فعلته جماعات استغلت الفرصة قبلها.