همّة بومبيو تأتي معطوفة على كلام إليوت أبرامز المبعوث الأميركي إلى إيران عما تمثله إيران من أخطار. وفي ما قاله أبرامز اعتراف بفشل إدارة دونالد ترامب بالتخفيف أو إزالة هذه الأخطار. لا يقصد الرجل ذلك، بل يود، من خلال مطالعاته المكثفة في الأيام الأخيرة، الدفاع عن سياسة بلاده منذ الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، وربما تكبيل إدارة جو بايدن المقبلة بسياسة لا تقل قسوة حيال الجمهورية الإسلامية وخيارات وليّها الفقيه.

أن تبقى إيران تمثل أخطارا في العالم، لا سيما في الشرق الأوسط، وأن تكون متواطئة مع الإرهاب والقاعدة، وفق تصريحات أبرامز، فذلك يعني أن سياسة العقوبات "التاريخية" التي تفاخر باعتمادها دونالد ترامب، لم تكن كافية ناجعة ولا مفيدة، وأنه كان ساذجاً من قبل البيت الأبيض الاعتقاد بأن تلك العقوبات، لوحدها، سترغم نظام طهران، بمدى قصير، على الانصياع والهرولة لتنفيذ الشروط الـ 12 التي أعلن عنها بومبيو.

والحال أن ثقتنا بما تملكه الولايات المتحدة من معلومات ومعطيات عن إيران كبيرة، ذلك أن المؤسسات الأميركية تعرف بدقة قدرات إيران على الاحتمال كما قدرات إيران على عدمه. والحال أيضا أن ما فعله ترامب منذ انسحابه من اتفاق إيران مع مجموعة الـ 5+1 الموقع عام 2015، وما تلا ذلك من موجات عقابية، وفّر لإيران أعراضا حقيقية حول محدودية ما يمكن أن تذهب إليه واشنطن، وانخفاض سقف ما يريده ترامب، بحيث لا يتجاوز حدود طموحاته الظهور بمظهر الزعيم الذي يهوى جمع التقاط الصور مع الخصوم.

ألحقت إدارة ترامب موقفها من طهران بتكرار ممل، ساهمت به كل المؤسسات الأميركية (البيت الأبيض، البنتاغون، وزارة الخارجية خصوصا)، يؤكد أن لا خطط للولايات المتحدة لإسقاط النظام في إيران. انقلب ترامب على "عقيدة" سلفه باراك أوباما فأطاح "باتفاقه" النووي مع إيران، لكنه بالمقابل اتّسق تماما مع تلك العقيدة المُبشّرة بعقد صفقة مع هذا النظام والتعاون معه بصفته ممثلا لدولة حضارية كبرى (وفق مؤلف أوباما الأخير "أرض الميعاد").

لم تقلق إيران كثيراً من صولات ترامب وجولاته. اختار الرجل أن يدلي بدلو انعزالي أميركي ضد إيران لا يتمتع بدعم الحلفاء ولا بتفهم الخصوم. بدا أن إيران قادرة على التواصل مع الصين وروسيا وتمارس معهما ألعاب التنمر المشترك ضد ترامب، وقادرة على استمرارها في التواصل مع كل شركائها في الاتفاق النووي (لا سيما في أوروبا)، متهمة، وإياهم، الشريك الأميركي بانتهاج سلوك أحادي لن يثنيهم عن التمسك بالاتفاق. حتى أن واشنطن حين ذهبت لتمرر قرار في مجلس الأمن يمدد حظر الأسلحة على إيران، لم يصوت على مشروع القرار إلا جمهورية الدومينيكان، بما مثل صفعة وفضيحة دبلوماسية مخجلة.

لم تكن إيران مطمئنة إلى تدني سقف الحركة لدى ترامب. خشيت من أن ينسحب النزق المفاجئ المعروف عن طباع الرجل على حالها وتتلقى منه ما لم يكن في الحسبان. عملت على اختبار الأمر، مارست سياسة حافة الهاوية التي انتهجتها دائما، وراحت تكثر من أعمال الاستفزاز موفّرة للرئيس الأميركي وإدارته الأسباب الموضوعية للانخراط عسكريا في الموجهة مع إيران. أسقطت إيران أغلى طائرة مسيرة أميركية وأكثرها تقدما فوق مياه الخليج، وراحت تمطر السفارة الأميركية كما القواعد الأميركية في العراق بصواريخ جماعاتها هناك، واستهدفت صواريخها (وفق الرواية الأميركية) منشآت أرامكو في السعودية، وهي الدولة الحليفة تاريخيا للولايات المتحدة. وفي كل الحالات، ودائما لأسباب متلعثمة، امتنع ترامب عن أي رد عسكري من شأنه التشويش على هدفه الحقيقي: إعادة انتخابه رئيسا.

تاريخيا لم تغير إيران من مواقفها إلا عندما فرض العالم بأجمعه عقوبات عليها من خلال مجلس الأمن. وبالتالي كان من الخطأ، ومن الخطيئة، أن يورط ترامب أميركا بسلوك ضد إيران معزول عن العالم. لم يكن من الحصافة أن يمزق ترامب اتفاقا مع إيران دون استشارة حلفائه والتفاهم مع خصومه. لم يكن حذقا أن يترافق موقف ترامب الإيراني مع حملة ضد الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، وأن يلحق هذا الموقف بحرب تجارية ضد الصين وأوروبا، معاً، وبعلاقة ملتبسة مسمومة مع روسيا.

يحتاج التعامل مع ملف إيران إلى استراتيجية شاملة متعددة الأطراف لم ترها إيران في حملة ترامب ضدها. وحتى اغتيال الجنرال قاسم سليماني لم يرق إلى مستوى يقلق إيران على المستوى الاستراتيجي الوجودي. فما سليماني إلا ضابط ينفذ أوامر يسهل استبداله بضابط آخر ينفذ نفس الأوامر. وفيما بدا أن ترامب يمارس اهزوجة إعلامية، كتلك التي تمتع بها مع الزعيم الكوري كيم جونغ أون، بادلته إيران الأهازيج رافضة شروط بومبيو وطاولة ترامب للمفاوضات.

والقراءات التي قدمها بومبيو وأبرامز جاءت تتحفنا بأخبار خطورة إيران بعد أربع سنوات على إدارة ترامب. فيما أن ما صدر عن قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي الجنرال كينيث ماكينزي قبل أيام جاء يوحي بالعلامات المطمئنة التي تمعن إدارة ترامب في توفيرها لإيران. يعلن الرجل عن بدء سحب قوات أميركية من أفغانستان والعراق "تنفيذا لقرار الرئيس دونالد ترامب". يلمح الرجل في تصريحاته أن الأمر يقلق كابل وبغداد ويعطي إشارات لداعش وأخواته.

وعد حسن نصر الله يوما بإخراج الوجود الأميركي من المنطقة. يذهب ترامب هذا المذهب، فبالله عليكم أي إشارات يعطيها لطهران؟