لوهلة، قد يبدو هذا التصريح للمتلقي كما لو أنه مفبرك أو غير دقيق ومجتزأ، لأنه يتنافى جملة وتفصيلاً مع القوانين والأعراف الدولية، فضلاً عن "ألف باء" السياسة، كما أنه لا يصدر عن رجل دولة عاقل ولا عن مسؤول سياسي متزن. لكنه الرئيس التركي الذات بات صنوا للتهديدات.

وما يفرضُ حمل هذا الكلام "السريالي" والفاشي على محمل الجد، أنه وحتى قبل العهد الأردوغاني، تقول القاعدة إن الجيش التركي يبقى محتلاً في أي مكان يدخله، كما هو الحال في شمال قبرص حيث شكلت تركيا دويلة لا تعترف بها إلا أنقرة منذ نحو خمسة عقود وقس على ذلك.

ويسعى أردوغان، كما هو جلي، إلى تعميم نموذج شمال قبرص ونسخه في دول أخرى غدت محتلة جزئياً من جانب تركيا، لعل أهمها العراق وسوريا حيث يحتل الجيش التركي أجزاء واسعة من المناطق الشمالية الكردية خاصة في كلا البلدين.

رب قائل قد يقول هذا مجرد هذيان لرئيس معزول ومحكوم بهواجس العظمة الإمبراطورية وبأوهام استعادة الحقبة العثمانية، وحتى إن كان هذا الكلائم صائبا، فإنه لا ينبغي التعامل باستخفاف مع هذه التهديدات وهذه الاعترافات الخطيرة بالنوايا والخطط التوسعية والاستعمارية التركية في عموم المنطقة وعلى رؤوس الأشهاد والمقرونة بالترجمة العملية ولو نسبياً.

التواجد العسكري التركي المثير للتوتر يمتد من المتوسط إلى الخليج والبحر الأحمر حيث القواعد العسكرية التركية في كل من قطر والصومال.

هذه العدوانية الصريحة التي تمجد وتبرر التدخل والغزو واقتطاع أراضي الغير وقضم سيادات دول وامتهان كرامات وحقوق شعوب بأكملها باتت تستدعي مواقف دولية وإقليمية وعربية صارمة وعملية، بعيداً عن الرخاوة والمهادنة والإدانات الكلامية.

ذلك أن حجم التدخلات التركية السافرة المهول في مختلف ملفات المنطقة وشؤونها يكاد يشكل سابقة، فحتى إيران التي تشكل مضرب المثل بسياساتها التوسعية في تصدير ثورتها المزعومة ودورها السلبي والتخريبي في المنطقة، باتت تركيا في طورها الأردوغاني تضاهيها، إن لم تكن تتفوق عليها، حتى في التوسع العدواني ورعاية الإرهاب والتطرف.