يخلف لنا الراحل الكبير درسين من أبلغ الدروس للمراقب والمواطن الخليجي الحريص على استدامة العقد الاجتماعي بينه وبين حكامه.

الأول هو ما بذله المرحوم من جهود في سبعينات القرن العشرين لوضع أسس التنوع الاقتصادي والتحول الصناعي في الدولة، والثاني هو صلابة موقفه في بعدها في التسعينات عندما كان الشغل الشاغل في الغرب عموما وبريطانيا بالأخص هو انتقاده لطول فترة عمله في السلطة، في هجمة لم يشهدها قائد خليجي منذ الملك فيصل رحمه الله.

في فضله الأول، ترك لنا المرحوم إرثا منفتحا على المستجدات الناجحة في مجالات الحياة، لكنها مشوبة بحذر مدرسة الرأي القديم المحافظ، وأثبت الزمن صمود وربحية المشاريع التي أسسها الراحل لصالح الدولة والناس، وأنها وليدة الفكر القديم المؤمن بالتدرج في النمو والحذر في مقاربته وتبنيه، بعيدا عن الطفرات الآنية أو المفتعلة.

أما في فضله الثاني، فقد فطن رحمه الله مبكرا لابتزازات الغرب عندما  يفرض إملاءاته ترفعا على الدول، بعد قرابة عقدين من الصمت والتواري خلف المصالح المتوازية، فصلت الهجمة المعنوية عليه عن مثيلتها الأولى على المرحوم الملك فيصل، رغم عدم وجود حرب أو قطع للنفط في عهد خليفة. عمل رحمه الله بصمت لدحض الحجج، ولكن إلى حد، لأن المغرضين لا جدوى من محاولة إقناعهم، فكان يعلم أن السياسة لا تنفع فيها الأخلاق الرفيعة والتغاضي إذا كان الخصم يبيح لنفسه - بحجة (فن الممكن) - كل المحظورات، والتفت شرقا في تطوير العلاقات الدبلوماسية والتجارية، من باب النكاية المؤقتة في الغرب المتألي آنذاك بالوصاية على السيادة المستقلة.

نرجو هنا في بلدنا الصغير حجما، الكبير عزة وإنجازا، الذي نهل من خبرات التجارب المحلية والإقليمية، وصقلته الخبرات حكاما وشعبا، أن يشهد كتابة موفقة لفصل تنموي وسياسي جديد، بيد سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد، رئيس الوزراء الجديد، في حقبة جديدة من التحديات، هي أشد حساسية وخطورة من سابقتها.