فبتأمّل نموذج من ثروات عالمها السخيّ، نكتشف كم تتكتّم هذه الطبيعة عن مفاجآت يحتجب خلفها هذا النموذج الذي استهواني دوماً، وهو: الشجر؛ ربّما بسبب هويّتي الصحراوية، الشحيحة بعطائها الشجري، حيث لا تزيد أنواع أشجارها عن عدد أصابع الكف. لهذا السبب حاولت أن أقرأ في صحيفة هذا النموذج الطبيعي علّني أشبع، بفنون الفحص، فضولي الطفولي نحو هذه الملّة طوال أسفاري عبر العالم، راصداً طبيعة الأشجار في واقعٍ بيئيٍّ امتدّ من جنوب شرق آسيا، حتى أميركا، مروراً بإفريقيا وأوربّا، في مسيرة استغرقت نصف قرن؛ لأنتهي أخيراً إلى أن الشجرة ليست مجرد كيان نباتي يعزّينا بحضوره في واقعنا، ولكنها لغزٌ لم نستنطقه كما يجب، لأننا تجاهلنا وساوسنا، ولم نستجب لنداء الشجرة، فنقرأ فيها الهويّة الغيبيّة، وهو ما لن يتحقّق ما لم نعاملها كنصّ. وأن نقرأ الشجرة كنصّ يعني أن نقرأ الشجرة كأنشودة، كشعر، كلحن لا يبخل، أحياناً، بأن يستقيم في سيمفونية.

سيمفونية؟

السيمفونيّة معزوفة ذات حدّين. ذات وتريَين. ذات قطبين: قطبٌ حرفيٌّ، تلعب فيه الريح دور البطولة. فالريح فارس الحلم الذي يروقه أن يعزف في أوتار الشجرة لحون الأشجار. وقطبٌ آخر، مجازيّ، تلعب فيه الروح دور البطولة، بوصف الشجرة كائن غيبيّ، كيان ما ورائي، بدل الواقع المرئيّ، لأن الشجرة غنيمة باطنٍ، غنيمة روحٍ، بقدر ما هي حجّة واقعٍ، لقية باطلٍ، لأن رسالتها أحجية يتنازعها جدل معترَف به بحكم اللغة، مترجَمٌ بحرف الدلالة بين الريح والروح.

فما هي الريح إن لم تكن روحاً تنكّرت لطبيعتها فاستظهرت؟

وما هي الروح إن لم تكن ريحاً تنكّرت لطبيعتها فاستترت؟

بالقدر نفسه نستطيع أن نتساءل عن ماهيّة الشجرة. فالشجرة وجود تنكّر لطبيعته فاستظهر، كما الوجود شجرة تنكّرت لطبيعتها فاستترت.

فللشجرة ما هية ميثولوجية تغنّت بها الأجيال يوم نصّبتها أُمّاً اختزلت في كينونتها كينونة عالمنا.

الشجرة شفرة الخليقة، وعندما نترنّم بشجرة العائلة، فإنّما نترنّم، في الواقع، بشجرة القبيلة الإنسانية.

وعلّ البرهان على حكمة الشجرة تهبه لنا هذه الكاهنة بالمجّان عندما حققت أعجوبة احتكار القدرة على اقتناص الزمن، فتحتفظ به أسيراً يسري في خلاياها، لتطرحه شهادةً على حضوره حرفاً ناطقاً باسم وجودٍ تدوّن به، في صحيفتها، بيان حوليات مسيرتها.

فالوصيّة الجديرة بأن تستوقفنا، في درس الشجرة، ليست في المتون التي اعتدنا أن نختطّها في مخطوطٍ ملفّقٍ من صميم حرفٍ مستعارٍ من كيانها، لكي نبثّ في صفحات هذه الصحف شجوننا، ولكن الوصيّة التي نغتنمها من جناب الشجرة إنّما هي آية تسكن صلبها، مزبورة في ما أطلقت عليه عقليّة ميثولوجية كالسنسكريتية إسم "مندلة" ( (mandala، أي تلك الدائرة التي لم تكتفِ بأن تكون شَرَكاً لأحجية خارقة كالزمن، ولكنها وضعت حجر الزاوية في هيكل الكينونة عندما أوحت بوجود العَوْد في بُعده الأبدي، كأنّ الرسالة تريد أن تنبئنا بحقيقة الخلود، الحميم الصلة، بارتهان الزمن في قمقمٍ مزمومٍ، يُجاهر بنداء الطبيعة الأمّ التي قضى ناموسها بألّا تعترف بغيابٍ ما لم يكن مجبولاً بانتظارٍ لإياب!

الشجرة أيضاً تخاطبنا بلسان المندلة، مترنّمةً بهوية العلامة المبهمة، الناطقة بميتافيزياء أكثر الأجرام الهندسية اكتمالاً، كما يتغنّى أرسطو، لأنها الحاوية لكل الأشكال قاطبةً، فكان من الطبيعي أن يستعير إنسان أفلاطون البدئي عبقرية الكمال من طينتها، فيتدحرج متماهياً مع قرينته الأنثى في جسدٍ ملفّقٍ من ضدّين إثنين، جديرٌ بنا أن نرى من ورائهما رؤيةً واحدة، بوصيّة النفّري، إذا شئنا حقاً أن نعرف، ليقيننا بعدم وجود حقيقة بدون قران الضدّين؛ وحكماء "أوبانيشاد" حرّضوا منذ القدم أن نتعلّم أن نرى أنفسنا في الأغيار، وأن نرى الأغيار في أنفسنا.

لقد طفتُ قارّات هذا العالم باحثاً عن كلمة السرّ التي أخفتها عنّي شجرة هذا العالم، ولكن الشجرة لم تكافئني على طوافي، فلم أجد ما أعزّي به خيبتي سوى تلك المعالجة التي نشرتها منذ عقد ونصف، واقتصرت على استجواب الحرف في شجرة عالمنا، المعبّر عنه في طبيعة الأحجام، أو القامة، أو الخصال، ولكن ما أخفته وراء الحجاب ظلّ كنزاً مستغلقاً.

كانت تلك هبة الرؤية، ولكن ما اغترب في حملة الطلب هو لقية الرؤيا؛ لأن رهان أمّة الرومانسيين أمثالي لم يمتْ بصلة يوماً لفاكهة الحسّ، ولكنه ظلّ دوماً قرين فاكهة حدَسٍ. فاستمرّ التوق حيّاً إلى حلول ميعاد نزولي وطن الجزيرة الإيبيرية، لأعثر على فصائل أخرى من شجرة العالم، تطالعني، في طليعتها، شجرة الزيتون بهيكلها الفخم، المتشبّث بسواحل مدن أثريّة، ترك الرومان بصماتهم على واقعها البيئي، لتحتضن مرافئها فلول المغامرين أمثال القرصان بربروسا، لتذكّرني جذوعها الخرافية الماردة بأحجام أشجار زيتون جبل نفوسة الملقّبة في أدبيّات القوم بـ"الزيتون الفرعوني"، لا بسبب الإنتماء إلى مسقط رأس الفراعنة، ولكن للإيحاء بشيخوخة تنتمي في العمر إلى العهد الفرعوني!

ففي مدينة "سالو"، الواقعة شمال شرق الجزيرة، تنتصب أجرام هائلة لهذه الفصيلة الأصيلة من شجر زيتونٍ يحمل جليّاً بصمات أقدم الأزمنة، مسكوناً بسيماء ذلك الجمال العصيّ، الموقوف حكراً على آثار عمران ما قبل التاريخ، بحيث يؤلمنا هذا الصمود البطولي المميت في النزال مع جلّاد الزمن، فلا يشفع للضحية حتى بطولة تنامي الحجم في حمّى دفاعها عن نفسها، لتتحوّل الجذوع كهوفاً حقيقية مؤهّلة لاحتضان عائلات في جوفها، في حين تراهن الشجرة على انتزاع هوية لا أرضيّة، بهذا الكفاح الخالد، لأن ما يليق بمثل هذه المغارات الهائلة ليس إسم الكهف، ولكن مجد المعبد!

على طول الشاطيء تصطف أشجار النخيل بنوعيها الإفريقي الصحراوي، والآسيوي الإستوائي، تستوطن قممها طيور خضراء، شبيهة ببغاوات شقيّة، تصدع طوال العام بالغناء، كأنها ترثي واقع السواحل المهجورة مع إطلالة كل خريف، في حين تحتفظ أشجار الزيتون الخرافية بسلطانها على الأطراف البريّة، الواقعة خلف الشريط العمراني، حيث تتنامى الحقول الممتدّة حتى تخوم جبال "بارانيوس".

ولكن المفاجأة في طبيعة الشجر تنتظرنا هذه المرّة في "تاراكّو"، حاضرة إيبيريا ما قبل التاريخ. ففي هذا الموقع المكابر الذي يتسلّق أنقاضاً أثرية ثريّة، تنامت بفعل توالي الأطوار، وتتابع الحضارات، على حضيض يابسةٍ تُشرف على البحر، يتنفّس فيها كل ركن برئة الأسطورة.

فهنا، في رحاب هذا المعبد، تهيمن روح الزمن الضائع. فالموقع وحده أنشودة شعر. فمجاورة بحر رومانسي حميم، كالمتوسط، وحده انتحالٌ لهويّة اصطفاء. فإذا استعار المكان خصلة الإنتماء إلى حرم السماء، فقد اعتنق دين الضدّين، ليكون للنقيضين قاسماً مشتركاً أعظم، لتتحقق نبوءة الدرويش عن "وحدة الرؤية "، التي نصّبها مقياساً للحضور في ملكوت الله.

فالموقع يفعل كل ما بالوسع ليلملم شمل القطبين، ويصالح البُعدَين العنيدَين، باقترابه مسافة إلى عرين القرين المفقود، على طريقة الرومان الذين يحلمون دوماً بالمقام إلى جوار البحر، ولكنه مقام رهين وجود ارتفاع يطلّ على اليمّ من علٍ. فالحنين إلى الحضور في البرزخ هو كعب أخيلوس في حياة الإنسان الروماني. فالحلم الأبدي هو الترفّع عن حضيض الباطل الفاني، وتحويل المقام إلى محراب.

و"تاراكّو" أيضاً كانت محراباً. ففي الأسافل، حيث يستلقي البحر، توسّد في الجوار المسرح، في حين تسلّق العمران خاصرة الجبل. هناك، في القمّة، استقرّ بستان أسطوري، مستقطعاً نصيباً سخيّاً من مساحة الرقعة القدسية النفيسة، لتنتصب في البستان الأشجار الخرافية. أشجار تنتحل هوية المجهول، ينطق في جذوعها وَسْم الإنتماء إلى ملل الغيوب، تستعير جلالها المبهم من مسوح الأبنية التاريخية التي تكتظّ بها المواقع الأثرية، الممتدّة طوال المرتفعات المنطلقة شمال شرق المرتفع، حيث يتبدّى تمثال يوليوس قيصر، ميمّماً صوب الأفق المغسول بسلسبيل البحر، وهو الذي تولّى حكم الحاضرة الإسبانية أعواماً، قبل أن يتولّى حكم العالم من حاضرة العالم روما. التمثال يولّي ظهره لمقام سلفه الأسطوري سكيبو، أمليان، الملقّب بالإفريقي، بسبب بطولته في تقويض أركان امبراطورية قرطاجة. تحت مقرّ سكيبو ذاك، انتشرت الأقبية الأثرية، الحاوية لأول المتاحف الكثيرة في المكان، يحرسها تمثال الذئبة الأسطورية التي أرضعت الشقيقين اللذين كان لهما الفضل في وضع حجر الأساس لمجد روما. ثمّ.. ثمّ تبدأ رحلة الصعود إلى الأعالي، انطلاقاً من الساحة التي يتصدّرها متحف آخر لـ"سكيبو"، عبر أزقّة ترطن كلها بلغات الأمم الفانية، فأتبيّن من اللغو، الذي يكاد يتحوّل في سمعي معزوفةً، بيان أسلافي أيضاً. أتبيّن خطاب إنسانٍ تأبى روحه إلاّ أن تؤكد حضورها في أرباع الحاضرة، وهو الذي عاش في المكان أعواماً، كان فيها حليفاً للبطل الأسطوري سكيبو، وكان له في حروبه نصيراً، ولم يهنأ بالاً حتى استعاد دولته "نوميديا" من براثن قرطاجة. ذاك هو "مسّينسّا" ملك الرُّحّل، ومُريد الحرية، البطل الأسطوري، الذي احتضنته حاضرة الجزيرة منذ ألفين ومائتي عام، فتوارى عن الأنظار، كما يليق بكل فانٍ، ولكن مخطوط الحجارة الرومانية مازال يتغنّى بسيرته، ويرطن في الأنحاء بحضوره، كما يرطن بأحلام أممٍ أخرى تعاقبت على حضورها في هذه الربوع، في ما تلا من أزمانٍ انتمت أيضاً إلى الملّة ذاتها، التي انتمى لها "مسّينسّا" سلفت.

في هذا المناخ، المشبع بالبطولات، المجبول بروح الأساطير، هيمنت طائفة تلك الأشجار، في البستان الخرافي المعلّق في برزخ بين السماء والأرض، اعتاد كل شغوفٍ بالماضي أن يحجّ إلى معراجها، ليتزوّد بنصيبٍ من زاد الروح، عندما كان الجمال معبود العالم، والحبّ دين أمم العالم، والشّعر ديدَن ذاك العالم.

ألهذه العلّة يا تُرى اغتربت شجرة البستان عن طبيعة عالمنا، لأنها شاءت أن تحتفظ عميقاً، في صلبها، بتمائم الأزمنة الفانية، لتتبدّى لكل مَن شهد طلعتها، في ذلك الحرم الإلهيّ، المعلّق في البرزخ بين الضدّين الخالدين؟

فالكيان، في الشجرة، وحده لقية. تكوين الكيان أيضاً تحفة.

ففضلاً عن عظمة الحجم، وسمك الجذع، ونعومة الملمس، وأطوار الغرابة في التكوين، ونزعة التحدّي في امتداد القامة، هناك الإيماء الذي تنطق به السيماء. إيماءٌ لا يقنع بأن يجود بالمتعة، ولكنه يستدرج بالإغواء الذي لا يعد إلاّ بقدر ما يمنع. ولذا فهو عصيٌّ. والإستعصاء هو ما يستنزل فيه حرف جاذبيةٍ حميمة، حميمة على نحوٍ مميت. هذا الحضور الغيبيّ في هذه الملّة من الشجر هو ما يوحي بهويّتها النصيّة. بموهبتها كنصّ.

في الجذع تسكن أنوثة. أنوثة طاغية، ولكنها مبهمة. الساق، في المشهد، صقيلة على نحوٍ موجع، ولكنها تستبسل في الإغواء لتفيض على الحضيض بذخيرتها. ينضغط في جرمها البُعد المحتجب. ينعصر. ينصهر. ليستوي في كتلةٍ مزمومةٍ، صارمةٍ، محمومةٍ، شهوانيةٍ، ليتولّد منها جنينٌ خرافيّ، أملس، تلفظه من بطنها بسخاء، فيستلقي جسداً مشبوهاً، يوحي بماهية أفعوانٍ، يتشبّث بالحضيض المعشوشب، كأنه طينة المجهول.

روح النصّ في شجرة العالم تعترف بماهيّة الطينة في الجنين، ولكن الجنين لا يلبث أن يتنكّر لطبيعته فيتمدّد، كما يليق بجنين تنّين، ليغزو الواقع المطروح أرضاً. يتمدّد في عروق ثخينة، تتلوّى، لتتشابك في فتلات خرافيّةٍ موجعة، تسرح في الأرض مسافات مستحيلة، قبل أن تغوص عمقاً في بطن الأرض، لتواصل هناك ممارسة طقسها الوثني الفجيع. فشبح المخاض الذي تمخّض لينجب جنيناً غامضاً باسم العالم، هو ما تبوح به طلعة هذا الجنس من الشجر، موحياً في الصميم، بالخطاب الأليم، المترجَم في ميلادٍ وجيعٍ، لا نملك إلاّ أن نعترف به كشهادةٍ على تحرير، استحدث كينونة هي، بمنطق معجم الوجود، نصٌّ.

فالعالم جنينٌ انبثق من رحم شجرة البُعد المفقود، وليس لنا أن نقبل به كحجّة مسلَّمة، فنسلّمه زمام أمرنا، لكي نكتفي بأن يحررنا، بأن يكتبنا، ولكنه الجنين الذي حقّ لنا أن ننازعه، أن نحرّره، بأن نكتبه، إذا شئنا أن نحقّق فيه كينونتنا.