أن نؤسطر يعني أن نحرّر واقعنا من سلطانٍ جائر هو الحرف. أن نؤسطر يعني أن نجرّد متاعنا من الدنس، كما يجرّد الحجيج ديدَنَهُ من سَمّ الخياط، إستعداداً للحلول في الحرم، لأننا عندما نستجيب لنداء الأسطرة، ليس لنا إلاّ أن نتنكّر لكل ما انتمى إلى حضيضنا، استعداداً لقبول التحدّي، المفروض بمشيئة المعراج؛ ولا وجود لدليلٍ لنا، في هذه التجربة التطهيريّة، سوى الإستعانة بتلك النفحة الشعرية التي لا تجود بها سوى جنيّة الزمن الضائع، وعرّابة المُحال في يقين الأجيال: الأسطورة.

فما استهوانا منذ الأزل هو أن نستجوب الأشياء في واقع نرفض فيه الإنحطاط، أملاً في أن ننتصر على ما اعتدناه في محيط حرفيّتنا، لكي نحرّر فيه الوضاعة، لنستنزل فيه روحاً أسمى، بأن نهبه مثالاً أعلى.

فالرهان حقاً هو الكيفية التي نستطيع بها أن نحقق في الأشياء حولنا عُمقاً سحرياً، بحيث لا تعود مجرد أشياء نتداولها، أو نستخدمها، أو تسلّينا، ولكن لكي تستعير في حياتنا حضوراً غيبيّاً، أي بُعداً روحياً، حتى لا تبقى تحتفظ بهويّتها الأصلية، الحرفية، الخاضعة بطبيعتها لشبح الفناء: هذا الفناء الذي نعمل كل ما بوسعنا لكي ننكره من واقعنا، فآلينا على أنفسنا أن نقطع دابره من أشيائنا أيضاً، لأن الأشياء ليست أجراماً تسبح في فلكٍ خارجنا، ولكنها، بموجب العلاقة، تسكننا، تماماً كما نسكنها. ورسالتنا أن نستنزل في حقها ذلك المَسّ المقدّس المؤهّل لإحداث تغيير ما بها، كلّما أعجزنا تحقيق هذا المسّ في واقعنا، كي نحظى بحرية نستعيد بها فردوسنا الضائع.

ولكن عدوى التوق لأسطرة الأشياء ما لبثت أن انتقلت إلى مجالٍ أعظم شأناً هو أفعالنا، يقيناً عميقاً منّا بأن الأسطورة وحدها أوتيَتْ القوة الخارقة القادرة على تحصين الفعل من غول الفناء، واستنزال معجزة الخلود في حقه، فكان تمجيد الفعل، بفنون المديح، تعويذةً تحميه من التلف، وتجيز فيه الفحوى لكي تبقى أمثولةً تتناقلها الأجيال.

أي أن الرهان يبقى على الخلود، والقياس في ملحمة البقاء، هو جنس المكافأة على العمل، التي لن تكون في ناموس السلف سوى: الثناء!

ولكن الثناء أيضاً أجناس. ثمّة ثناءٌ حرفيّ، في صيغة نفعيّة، وهناك ثناء منزّه عن الحرفية، يتنكّر للقيمة المادية، ولا يقبل بغير القيمة المعنوية ديناً.

وعلّ المدهش أن تتشبّث الجائزة بتلابيب الأسطورة حتى في مقامها النفعيّ عندما يكافأ المتفوّق في الألعاب الأولمبية بالميدالية الذهبية، احتفاءً بالأولويّة، مقابل الميدالية الفضيّة، كمنزلة ملحقة في المرتبة، بالمقارنة مع الذهبية، لأن الذهب، في الترجمة إلى لغة الأسطورة، يستعير سلطان قيمته، لخصاله الفيزيائية كمعدن غير قابل للصدأ، أي للفناء، مما يكسبه أفضالاً غيبيّة، طوبى لمن استغنى عنه في يده، لكي يناله في روحه، تلبيةً لنداء المعادلة التي تقول أن الروح ما هي إلّا ذهبٌ تنكّر لهوية الحرف فتبدّد، كما الذهب ليس سوى الروح إذا اغتربت عن ماهيّتها، واستعارت جرماً حرفياً. وهو ما يعني استحضار جناب الأسطورة في هذا المقام أيضاً، رغم أنف النيّة في الإحتفاء بالحرف الذي يسكن الميدالية، كسبيكة ذهبية، ذات ماهيّة نفعيّة أيضاً، إلى جانب ماهيّتها المجازية.

حدث هذا في شأن مراسم الإحتفاء بالبطولة في بُعدها الحسّي، البدني تحديداً، في حين تطلّب الإمتنان في شأن بطولة الحرب جائزة أخرى، مترجمةً في صيغة طقس يليق حقاً بإنسان أصيب بالمسّ، بفعل زغرودة حسناء، فارتمى في أتون الوغى لافتداء الوطن، ولكنه اكتشف كم المنيّة عدوٌّ جبان، لأنها تفرّ من وجه الفارس الذي أقبل عليها، ولا تنال إلاّ الفارس الذي أدبر عنها، فاستحقّ امتنان الأمّة جزاء الإقدام.

استحقّ الإمتنان الأنبل من جائزة تستقيم في معدنٍ حتى لو كان مسبوكاً من الذهب، استحقّ الإمتنان المنزّه عن دنس النفع. استحق الإمتنان المجبول بنَفَسِ الروح. استحق ببساطة الفوز بما كان منذ بدء الخطاب الذي استخدمته الأسطورة، فصار في عرف الأجيال الناطق بلسان حال الأسطورة، ألا هو: الشعر!

منذ ذلك التاريخ غدا القصيد هو إكليل الغار الذي يتوّج رؤوس أولئك. الفرسان الذين أفلحوا في ترويض النفس على الإنضباط، وأجبروا الروح على الزهد في حطام الدنيا، فتنازلوا عن وجودٍ فانٍ، مقابل الموت ثمناً لانتصار حقيقة!

فالأدب وحده اليتيم المغترب عن الواقع في بُعده الحرفي، لأنه لا يشفي من داءٍ كالطبّ، ولا يُطعم من جوعٍ كالإقتصاد، ولا يمتلك سلطاناً على سلاطين هذا العالم لكي يجير الإنسانية من ويلات الحروب ليستحق وسام السلام، ولم يراهن يوماً على مواهب أخرى سوى حريةٍ هي تحريض على إدمان الحقيقة، والإحتفاء بالشعر والجمال والحبّ ، لإيمانٍ عميق بقدرة هذا الثالوث على تحقيق سعادة إنسان هذه الأرض؛ فكان من الطبيعي أن تحوم حوله الشكوك، ليغدو الضحية، لسببٍ بسيط، وهو أنه عديم النفع، بالمقارنة مع أقرانه في المعادلة التي تعتنق الحرف ديناً، ولم تعترف يوماً بأطياف تستوطن البُعد الضائع، وهو سببٌ كافٍ للفوز بلعنة المحفل الأيقوني، الظاميء لانتحال هوية الأسطورة، بحجب الأسطورة عن الوصيّ الذي أبدع الأسطورة، ونصّبها على عرش الخطاب لتدلي بالشهادة في حقّ ذخيرة الذاكرة المفقودة.

فالشعر هو الداهية الذي لعب دور البطولة في حبك سبيكة الأسطورة، فحقّ له أن يكون وحده المخوَّل بالتغنّي بخصال المثال. ولهذا السبب لم تتردّد الأمم في أن تمارس صلواتها في حرم هذا المعبود منذ الأزل، لتغدو الأشعار هي الكهنوت الذي اعتاد أن ينسج للأبطال حُلل المجد، الممهورة ببصمة الأسطرة، لأن لا ضمان لخلودٍ لم تكن له الأسطورة شفيعاً لدى محفل الألوهة. فهل يدهشنا أن يحتلّ الشعر هذه المنزلة في نشاط الأمم السالفة إلى الحدّ الذي يفضّل فيه الفرد الموت على وجودٍ مجلّل بعارٍ ورد في قصيدة ذمّ، كما لا يتردّد هذا الفرد في الجود بوجوده قرباناً لمديحٍ جادت به أشعار في صيغة مديح؟

هذا الضرب من الزلل هو الخطيئة التي شاء السيد نوبل أن يكفّر عنها عندما ترك ثروةً مستعارةً من ريع اختراعٍ إجراميّ، لتكون وَقفاً لاستثماره في جائزة، هي بمثابة شجرة، ذات فروع ثرية، ترصد ثمارها لمكافأة أناسٍ اجترحوا بطولات دنيوية جلبت خيراً للإنسانية، علّها تكون عملاً من شأنه أن يشتري الآثام الناجمة عن اكتشافه، المسكون بروح برومثيوس، كي تشفع له لدى الألوهة التي لم تشفع لبروميثيوس صنيعه في حقّ البشرية!

ويجب أن نلاحظ أن كل المجالات الواردة في الوصية المسخّرة للمكافأة هي إنجازاتٌ في مهنٍ حرفيّة، ذات طبيعة نفعيّة، بدايةً بالإختراعات في مضمارٍ نبيلٍ كالطبّ، ونهايةً بالإقتصاد، مروراً بالكيمياء والفيزياء وحتى السلام، في حين يبقى المجال الوحيد المنزّه عن دنس النفع هو ذلك الطيف المجبول بالشعر، الشغوف بكل ما متّ بصلة لجلالة الجمال، المسكون بحكمة كاهنة ناطقة باسم الأجيال، هي الأسطورة، المشفوع بقدس أقداسٍ مترجَمٍ في حرف الحقيقة، ألا وهو: الأدب!

الأدب، في كيان شجرة طوبى هذه، هو الإستثناء الوحيد في محفل النفع ذاك، ولذا، على ما يبدو، عومل منذ البدء كطريد. عومل كطريد لقناعة مسبقة، من قبل المحفل المخوّل بتولّي أمر الغنيمة، كدخيل!

ماذا يعني أن يُعامَل هذا الفرع كدخيل، وهو الذي لم ينل اعترافاً منذ البدء إلاّ كطريد؟

أن يُعامل هذا الضيف الثقيل كدخيل يعني أنه متطفّل!

ماذا يعني أن يكون متطفّلاً؟

أن يكون متطفّلاً يعني أنه متبطّل.

أن يكون متبطّلاً يعني أنه بكل المقاييس: ضالٌّ!

ماذا يعني أن يكون ضالّاً؟

أن يكون ضالّاً يعني أنه هويّة تجيز أن تُستباح.

ماذا يعني أن تُستباح؟

أن تُستباح يعني أن تحتمل الخضوع لصنوف السخرية، بل وتبرّر في حقّها حتى الإضطهاد. وما يوجب هذه النزعة هو غياب القياس الحسّي في شأنها، واعتماد هذه الكبوة، كنقطة ضعف، تبيح اقتراف الخطايا، عكس المجالات الأخرى، المتباهية بماهيّتها الحرفيّة، التي تتخذ من الحسّ الرياضي تعويذةً تجيرها من هوى المحفل الأهوَج، المهووس بالتمرّد على منطق الأصول، استجابةً لجنيّة الحداثة، وتأكيداً من الأعضاء على حضورهم قيد الوجود.

التأكيد على حضور قيد وجود؟

الواقع أن التّوق إلى التقاليع، أو مجاراة الذوق العام المسمّى في معجمنا موضة، ليس وحده سرّ النزعة العبثيّة التي رافقت تجربة هذا الفرع الشقيّ، مع هذه الهبّة الشقيّة، منذ اطلالتها مطلع القرن العشرين، ولكن الموقف من الحقيقة كان له النصيب الأكبر في كل مفارقاتها.

فما غاب عن المحفل هو حقيقة هذا الفرع، بوصفه المارد الوحيد، من بين كل الفروع، المعني بهذه الغنيمة، التي لم تكن لتكون رسول القيمة، إلاّ لإنكارها لمبدأ الغنيمة، كما الحال مع: الحقيقة! ويبدو أن سخرية المحفل من فرع الأدب ما هو إلاّ سخرية من حقيقة لم يكن لها وجود يوماً في معجمها، ليقين الأعضاء من النجاة، لأن إنكار وجود الحقيقة هو العمل الوحيد الذي لا تعاقب عليه القوانين! لا تعاقب عليه القوانين الدنيوية بالطبع، أمّا القوانين الإلهيّة فحكمها مرحّل لأجلٍ غير مسمّى لا يعترف له المحفل المبجّل بوجود، والدليل هو استهتاره بالخليفة الذي اقترف في حقّه ألفريد نوبل خطيئة لا تغتفر عندما انتدبه ليكون ممثّلاً للحقيقة في حقل الأدب، وإلاّ ماذا يمكن أن نسمّي المخطّط المعتمد من السدنة، القاضي بإقصاء كل مَن تغنَّى بهذه العنقاء (الحقيقة) في أدبه، فيُسقط من الحساب جل الرموز التي لعبت دور البطولة في مجد أدب القرن كله، أمثال تولستوي، وجويس، وبروست، وكافكا، وتشيخوف، وماريا ريمارك، ومارك، ومارغريت ميتشيل، وموزل، وكازانتزاكس، وأونغاريتّي، وباوند، وآيتماتوف، وأدونيس، وكاداريه، لتحلّ مكانهم أسماء باهتة، مشكوكٌ في أمرها، لم يُعرف لها أي فضل في حفر تيّار في أدب الحقيقة، مع استثناءات لا تتجاوز أصابع اليدين، في تاريخٍ طويلٍ استقطع من عمر الزمن مسيرة تربو على القرن والربع قرن؟

نزعة الإستهانة بالحقيقة، وبالفئة التي أخذت على عاتقها تسويق روح الحقيقة في عالمنا الجاحد، هي نفسها التي دفعت سدنة المحفل لارتكاب إثمٍ آخر، لا يختلف في عدميّته عن إثم نوبل نفسه في حقّ الجنس البشري، عندما آلى المحفل على نفسه أن يستضيف في حرم الأدب أضيافاً لا علاقة حقيقية لهم بالأدب، كالمهرّجين والمطربين وبهلوانات السياسة، تأكيداً للعقلية التي ترى في هذا الحقل مشاعاً يبيح أن تُقترف الخطايا في حقّه، من دون كل الفروع الأخرى، المحصّنة بمبدأ رياضي لا يقبل العبث وهو الحسّ!

الحسّ يغدو حصانة، في حين تأبى روح المهزلة البشرية إلا أن تستبعد من الصفقة رسول النبوّة: الحدَس؛ لا لشيء إلاّ لإيمانٍ عميق بالحرف، الذي تدري كم هو باطلٌ مُميت، في مقابل الكفر بالروح، التي تدري كم هي قيمةٌ تُحيي!

لقد تشدّق كهنتنا في الماضي باستخراج شهادة الوفاة في حقّ مؤلّف النصّ، ولم نتخيّل أن نكون اليوم شهوداً على مقتل نصّ المؤلّف، لأن ما معنى أن يقوم سدَنة نصّبوا أنفسهم حكماً لتقييم رسالة الأدب، فإذا بهم يخذلون الأدب بإصرارهم على تغريب القيمة التي يتغنّى بها أيّ نصّ، فتتوارى ساحرة الأجيال (الأسطورة) من مشهد وجودنا خجَلاً، وهي التي أخلصت للحقيقة عندما استعارت هويّة عرّافة معبدٍ يعتنق دين الحبّ والجمال والشعر، لكي نحظى بمتعة أن نتنفّس، على هذه الأرض، شعراً، نتنفّس جمالاً، نتنفّس حبّاً.

فإقصاء النص من اللعبة هو تجديفٌ في حق القيم الأخلاقية، قبل أن يكون تجديفاً في حقّ القيم الإبداعية. وهو ما يعني أنه تغريبٌ عن قصد لعنقاء إسمها الحقيقة من رحاب عالمٍ لا أخلاقيّ، يخضع فيه النشاط الدنيوي لروحٍ عدميّة، محكومةٍ بمشيئة غيبيّة، أبت إلاّ أن تُدير مشهد وجودنا من وراء حجاب.